قال لويس برينان في مقال له على موقع «هارفارد بيزنس ريفيو» إن خدمات البث لشركة «نتفليكس» امتدت لتغطي أكثر من 190 دولة بحلول عام 2017، واليوم يوجد ما يقرب من 73 مليون من بين 130 مليون مشترك خارج الولايات المتحدة. وفي الربع الثاني من عام 2018، تجاوزت إيراداتها الخارجية الإيرادات من داخل أمريكا لأول مرة. وهذا إنجاز مذهل لشركة كانت خدماتها مقتصرة على الولايات المتحدة حتى 2010، ثم امتدت إلى 50 بلدًا فقط بحلول عام 2015.

وأوضح برينان أن شركات أمريكية أخرى مثل فيسبوك وجوجل قد توسعت خارجيًا أيضًا. لكن استراتيجية «نتفليكس» العالمية والتحديات التي تجاوزتها فريدة من نوعها. تعين على الشركة تأمين عروض المحتوى حسب المنطقة، وأحيانًا حسب البلد. كما تعين عليها أيضًا تجاوز مجموعة متنوعة من القيود التنظيمية الوطنية، مثل القيود التي تحد من المحتوى المتاح في الأسواق المحلية. غالبًا ما يفضل المشاركون الدوليون، والكثير منهم لا يجيدون اللغة الإنجليزية، توفير المحتوى بلغتهم المحلية. ولا يزال العديد من المشتركين المحتملين، الذين اعتادوا على المحتوى المجاني، مترددين في دفع تكاليف خدمات البث على الإطلاق.

علاوة على ذلك، توجد منافسة قوية في سوق تقديم خدمات البث بالفعل في العديد من البلدان. في فرنسا والهند، على سبيل المثال، تقدم شركات محلية محتوى باللغة المحلية، وبالتالي يحرمون «نتفليكس»   من ميزة الانفراد. وفي بلدان أخرى، مثل ألمانيا والهند، تم إنشاء منافسين مثل (Amazon Prime) بالفعل. ومع ذلك، فإن غالبية المشتركين في (Prime) هم داخل الولايات المتحدة، وقد تمكنت «نتفليكس» من تحقيق تقدم في تلك الأسواق التي وصلت إليها (Prime) في البداية. أصبح الآن لدى «نتفليكس» عددًا أكبر من المشتركين في جميع أنحاء العالم مقارنة بجميع خدمات البث الأخرى مجتمعة.

إمبراطورية نتفليكس.. كيف ستغيِّر مفهوم السينما وصناعة الأفلام في المستقبل؟

استراتيجية متعددة المراحل

يعزى نجاح «نتفليكس» إلى تحركين استراتيجيين -يؤكد برينان- وهما عملية توسيع ثلاثية المراحل إلى أسواق جديدة والطرق التي تعمل بها في تلك الأسواق.

اتبعت «نتفليكس» استراتيجية التوسع على مراحل. فاختارت بعناية أسواقها الأولية من حيث الجغرافيا والبعد، أو الاختلافات المتصورة بين الأسواق. على سبيل المثال، كان توسعها الأول في عام 2010 نحو كندا، التي هي قريبة جغرافيًا وتشترك في الكثير من العادات مع الولايات المتحدة. وبذلك كانت «نتفليكس» قادرة على تطوير قدراتها الدولية في الدول التي كانت فيها تحديات «الأجانب» أقل حدة. وفي سبيل القيام بذلك، تعلمت الشركة كيفية توسيع وتعزيز قدراتها الأساسية خارج السوق المحلية.

Embed from Getty Images

تحتوي مكتبة «نتفليكس» على عشرات الإنتاجات الأصلية

وبهذا المعنى، كانت المرحلة الأولى من عملية غزو أسواق أخرى متسقة مع النموذج التقليدي للتوسع -يشير برينان- ولكن من خلال التجربة والتعلم المكتسب في هذه العملية، طورت «نتفليكس» قدرات التوسع إلى مجموعة متنوعة من الأسواق في غضون بضع سنوات، وهي المرحلة الثانية من العملية.

شملت المرحلة الثانية توسعًا دوليًا أسرع وأكثر شمولاً، إذ امتدت خدمات «نتفليكس» إلى حوالي 50 دولة، بالاعتماد على الدروس التي تعلمتها في المرحلة الأولى من أجل العمل في مجموعة واسعة من الأسواق. وقد تأثر اختيار تلك الأسواق بدرجة جاذبيتها، مثل التشابه المشترك، ووجود المستهلكين الأثرياء، وتوافر الإنترنت السريع. وقد ساعدت المرحلة الثانية الشركة على مواصلة التعلم حول دخول أسواق جديدة والشراكة مع وكلاء محليين بما يضمن زيادة إيراداتها أيضًا. وبما أن هذه المرحلة تنطوي على التوسع في أسواق بعيدة، فقد تم دعمها من خلال الاستثمار في المحتوى الموجه لتلك المناطق الجغرافية، فضلاً عن الاستثمارات التكنولوجية في البيانات والتحليلات.

أما المرحلة الثالثة، فقد شهدت توسعًا متسارعًا للغاية امتد إلى 190 دولة. استخدمت «نتفليكس» كل ما تعلمته من المرحلتين الأوليتين. واكتسبت خبرة في المحتوى الذي يفضله الناس، والتسويق الذي يستجيبون له، وكيف تحتاج الشركة إلى تنظيم نفسها. وقد ركزت نيتفلكس الآن على إضافة المزيد من اللغات «بما في ذلك الترجمة»، وتحسين خوارزميات التخصيص في مكتبة عالمية للمحتوى، وتوسيع نطاق دعمها لمختلف أجهزة العرض، والشراكات، وعمليات الدفع. بعد ستة أشهر من دخول بولندا وتركيا في عام 2016 –يواصل برينان كلامه– أضافت «نتفليكس» اللغات المحلية إلى واجهة المستخدم الخاصة بها، والترجمة، والدبلجة. وكما هو الحال مع الأسواق التي دخلت إليها في وقت سابق، أطلقت الشركة خدمة تستهدف المستخدمين الأوائل، ثم تكررت بسرعة لإضافة ميزات لجذب جمهور أوسع.

تلبية احتياجات مختلف المشتركين

وقد أدركت «نتفليكس» أن الهاتف المحمول، لا سيما في الاقتصادات الناشئة والنامية، هو الطريقة الأساسية لمعظم الأشخاص في تصفح الإنترنت –ينوه برينان– لذا بدأت الشركة أيضًا في التركيز على تحسين المشاهدة عبر الهاتف المحمول، بما في ذلك عمليات الاشتراك ووسائل السداد، والواجهة، وكفاءة البث. وقد تم تطوير العلاقات مع صناع الأجهزة ومشغلي الهواتف المحمولة والتلفزيون، ومزودي خدمات الإنترنت كذلك.

وقد دخلت «نتفليكس» في شراكة مع الشركات المحلية الرئيسية في الأسواق التي دخلتها لإقامة علاقات ناجحة للجانبين. وفي بعض الحالات، انضمت إلى مشغلي الهواتف المحمولة وشبكات التلفزة المدفوعة لتوفير المحتوى الخاص بها كجزء من عروض الفيديو الموجودة عند الطلب. على سبيل المثال، عندما أطلقت شركة فودافون خدمة تلفزيونية لعملائها في أيرلندا، شملت تبويبًا مخصصًا لـ«نتفليكس» في أجهزتها. وفي الآونة الأخيرة، أعلنت «نتفليكس» عن عقد صفقات مع تيليفونيكا في إسبانيا وأمريكا اللاتينية ومع KDDI في اليابان.

المنافسة تشتد في سوق البث عبر الإنترنت

ترفع «نتفليكس» شعار «رواية القصص الرائعة تتخطى الحدود» –يقول برينان– لذا فقد استجابت الشركة لتفضيلات العملاء للمحتوى المحلي: فهي تنتج حاليًا محتوى أصليًا في 17 سوقًا مختلفة. الأهم من ذلك، ترى الشركة أن المحتوى المحلي يمكن بثه عالميًا. بعبارة أخرى، يهدف هذا البرنامج إلى جذب جمهور عالمي للإنتاجات المحلية. على هذا النحو، يحتمل أن تحصد «نتفليكس» فوائد الاستثمار في المحتوى المحلي في جميع أنحاء العالم.

وفي سبيل إنتاج محتوى محلي بالتعاون مع الاستديوهات الكبرى، فقد سعت «نتفليكس» بشكل متزايد إلى عقد صفقات ترخيص عالمية حتى تتمكن من تقديم المحتوى عبر جميع أسواقها في وقت واحد. وقد بدأت الشركة أيضًا في إنتاج محتوى على المستوى الإقليمي، مما يوفر فرصة مربحة لكل هؤلاء المنتجين للعثور على جمهور عالمي.

وتقوم الشركة أيضًا بتطبيق رؤيتها العميقة للعملاء في الأسواق الدولية، حتى تنتج محتوى يجذب مجموعة واسعة من شرائح العملاء. وعلى الرغم من انتشارها السريع للغاية، فإن «نتفليكس» قد نفذت إلى جميع الأسواق عبر نفس نموذج العمليات المرتكز على العملاء والذي كان مفتاح نجاحها في الولايات المتحدة. تقوم الشركة بتحليل بيانات استخدام العملاء لتحديد أفضل العروض التي يمكن تقديمها. ونظرًا لأن «نتفليكس» تعمل في العديد من البلدان، فهي قادرة على تجربة أساليب مختلفة في الأسواق المختلفة. ومع نمو عدد المشتركين الدوليين، يستمر أداء خوارزمياتها التنبؤية في التحسن.

ساعدت دراسة الأحوال في البلدان النامية في نجاح تمدد «نتفليكس» إلى الأسواق المحلية –يشدد برينان– يجب أن تكون هذه المعرفة واسعة وعميقة، وتشمل المجالات السياسية والمؤسسية والتنظيمية والتقنية والثقافية والمنافسة. إن فهم الثقافات المحلية جعل الشركة تستجيب للفروقات الثقافية. وهو ما عزز من مصداقيتها وساعدها على إقامة علاقات سلسة مع أصحاب المصلحة الرئيسيين.

باختصار، تشكل عناصر استراتيجية توسع «نتفليكس» نهجًا جديدًا أسماه برينان «العولمة المتسارعة». إنها دورة توسع منظمة بعناية، يتم تنفيذها بسرعة متزايدة، إلى عدد متزايد من البلدان. وقد ساعد هذا النهج الشركة على التوسع بسرعة أكبر من المنافسين. من الآن فصاعدًا، ستواجه «نتفليكس» منافسة متزايدة ليس فقط من اللاعبين العالميين الآخرين مثل Amazon Prime ولكن أيضًا من الوافدين الجدد واللاعبين الإقليميين أو المحليين. وفي هذا الصدد، سيتعين عليها مواصلة توسيع المحتوى العالمي والإقليمي.

وبالنسبة للعديد من العوامل السوقية والتكنولوجية، بما في ذلك الافتقار إلى خدمات الإنترنت عالي السرعة في كثير من أنحاء العالم، كانت العولمة المتسارعة غير قابلة للتطبيق قبل بضع سنوات. ولكن مع انتشار الإنترنت بشكل عام، بما في ذلك عبر الهواتف والأجهزة اللوحية وأجهزة التلفزيون الذكية، أثبتت «نتفليكس» أن هذه الاستراتيجية هي الآن خيار قابل للتطبيق. ولكن يتطلب الأمر التمكن من السياقات المحلية، بما في ذلك القدرة على اكتساب المعرفة المحلية والسرعة والاستجابة. ستحتاج الشركات العاملة في مثل هذه الأسواق إلى اتباع استراتيجية تدويل مشابهة لـ«نتفليكس». وعندما يتعلق الأمر بالمرحلة التالية من النمو في الشركة، وكيف ستستجيب إلى المنافسين الجدد، فمن المرجح أن تكون التتمة جذابة كالأصل.

بين السينما والعلم والجريمة.. 9 أفلام وثائقية أنتجتها «نتفليكس»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!