قال كل من يوهان لانجيروك ومارتن هيتلاند في مقال لهما على موقع مجلة «فورين أفيرز»: إن المسؤولين الهولنديين يغضبون عندما يصف شخص ما بلدهم بالملاذ الضريبي. وأوضح الكاتبان أن إدارة أوباما صنفت هولندا كواحدة من البلدان التي أنشأت فيها عشرات الشركات الأمريكية الكبرى فروعًا من أجل تجنب دفع الضرائب. في مؤتمر صحافي، أشار البيت الأبيض إلى أن هولندا، جنبًا إلى جنب مع برمودا وأيرلندا، احتضنت ما يقرب من ثلث إجمالي الأرباح الأجنبية التي أبلغت عنها الشركات الأمريكية في عام 2003.

أثارت هذه التصريحات غضبًا في هولندا واحتجاجًا من السفير الهولندي في واشنطن. وقال جان كيس دي جاجر، وزير المالية الهولندي: «نحن مستاؤون. أتوقع أن يكون هناك توضيح، ولن ننتهي في قوائم مثل هذه في المستقبل». يبدو أن ردة الفعل الهولندية تشير إلى أن الجميع يعلم أن تلك الأماكن – وغيرها، مثل جزر كايمان وسويسرا – تعتبر ملاذات ضريبية، وهو ما اعتبرته هولندا إهانة شديدة.

وعلى الرغم من تراجع الأمريكيين عن وصف هولندا بالملاذ الضريبي، إلا أن الحقيقة هي أن الأخيرة كانت تنتمي تمامًا إلى قائمة الملاذات الضريبية الكبرى – وما زالت كذلك، حتى اليوم.

في عام 2017 – يكشف الكاتبان – بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في هولندا 5.2 تريليون دولار. لكن الغالبية العظمى من هذه الأموال لم يتم استثمارها على الإطلاق: فقط 836 مليار دولار دخلت بالفعل الاقتصاد الهولندي. أما الأموال الأخرى التي تبلغ 4.3 تريليون دولار فقد ذهبت إلى شركات تابعة جرى تأسيسها لتجنب دفع الضرائب في أماكن أخرى.

ماذا تعرف عن جزر الملاذات الضريبية.. الممر الآمن للتهرب الضريبي؟

واتضح أن هذا ليس من عمل بعض الشركات الصغرى: بل بعض من أكبر اللاعبين في الاقتصاد العالمي. تعد «جوجل» و«آي بي إم» من بين العديد من الشركات الأمريكية التي أجرت عمليات في هولندا من أجل التهرب الضريبي. معظم الناس يعتبرون شركة فيات كرايسلر إيطالية أمريكية، ولكن فعليًا هي شركة هولندية، بعد أن قررت لأغراض ضريبية تأسيس مقرها الرسمي في أمستردام في عام 2014.

في عام 2016 كانت هولندا تمثل 16% من جميع الأرباح الأجنبية التي تطالب بها الشركات الأمريكية. وهذا ليس لأن الشركات الأمريكية تبيع كمية غير عادية من السلع والخدمات إلى الهولنديين. وإنما لأن هولندا تسمح لتلك الشركات بتخزين الأموال التي تجمعها في أماكن أخرى في شركات فرعية هولندية، أو نقل هذه الأرباح من خلال كيانات وهمية في هولندا، التي تعمل كجسر يؤدي إلى الملاذات الضريبية الأخرى. على سبيل المثال: في عام 2017 حصلت «جوجل» على 22.7 مليار دولار من الأرباح التي حققتها خارج الولايات المتحدة وحولتها عبر هولندا إلى برمودا، للتهرب الضريبي.

لطالما أكدت الحكومة الهولندية أن الأمر ليس ممنهجًا – يشدد الكاتبان – جميع الشركات وكل هذه الأموال، كما يزعم المسؤولون، ليست سوى نتائج ثانوية للسياسات الضريبية المبتكرة التي تحمي الشركات الهولندية في اقتصاد عالمي شديد التنافسية. على الرغم من هذه الاحتجاجات، فإن الحقيقة هي أن هولندا قد أثبتت نفسها عن عمد لعقود من الزمن كملاذ ضريبي على حساب جيرانها الأوروبيين والولايات المتحدة والدول النامية.

لكن في السنوات القليلة الماضية، بدأ عدد من الصحافيين والباحثين دق ناقوس الخطر. وفي الوقت نفسه، بدأ الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في ممارسة الضغط على هولندا لتعديل سلوكها. وسئم الجمهور الهولندي من هذا الوضع. فوعدت الحكومة بالإصلاح واتخذت بعض الخطوات الأولية، لكن الإصلاحات المقترحة هي في الغالب ذر للرماد في العيون: إذ تأمل الحكومة الهولندية أن يفقد الجميع الاهتمام بعد تقديم بعض التنازلات غير المؤلمة نسبيًا. لذا فمن أجل القضاء على ملاذ الضرائب الهولندي إلى الأبد، فإن الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والهيئات الرقابية في الصحافة والمنظمات غير الحكومية بحاجة إلى مواصلة الضغط.

الميزة الهولندية

هولندا بلد صغير تمتع بثقل في الاقتصاد العالمي لعدة قرون – يضيف الكاتبان – أولًا كقوة استعمارية بحرية، ثم كمركز رئيس للتمويل والتجارة الأوروبية. يتمثل أحد عناصر نجاحها في تصميم القواعد الضريبية بهدف تحسين قدرتها على المنافسة في الخارج. في وقت مبكر من عام 1893 أرست هولندا الأساس الذي حولها في نهاية المطاف إلى ملاذ ضريبي بقاعدة تعرف باسم «إعفاء من المشاركة»، وتضمن عدم فرض ضرائب على الأرباح المحولة من شركة تابعة إلى كيان أصل. في النهاية ستعمل هذه القاعدة على حماية الشركات الهولندية التي تعمل في الخارج والتي يخضع دخلها الأجنبي للضرائب في الدول الأخرى.

Embed from Getty Images

في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، جرى تكريس هذه الفكرة في السياسة الخارجية الهولندية عندما بدأت هولندا في التفاوض على معاهدات ضريبية مع دول أخرى من شأنها أن تعطي ميزة للشركات الهولندية الكبرى مثل «Shell» و«KLM» و«Unilever» و«Philips». تسمح مثل هذه المعاهدات للشركات والمستثمرين الهولنديين بتحويل الأرباح المحققة في الخارج إلى هولندا، مع تجنب فرض ضرائب إضافية عبر الحدود. في المقابل، تأمل الدولة التي تحقق فيها الأرباح تشجيع المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر. بدأت هولندا بعدد قليل من هذه المعاهدات، لكن لديها الآن حوالي 100 معاهدة، أي أكثر بكثير من متوسط ​​عدد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

كانت إحدى هذه المعاهدات مزعجة – ينوه الكاتبان – المعاهدة بين هولندا والولايات المتحدة. فبموجب شروطها، أنشأت الشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها شركات هولندية تدعي شراكات محدودة، تعتبرها الحكومة الأمريكية خاضعة للضريبة من الناحية الفنية في هولندا وبالتالي لا تخضع للضرائب الأمريكية، على الرغم من أنها في الواقع لا تخضع للضريبة في هولندا.

ونتيجة لذلك فإن أرباح هذه الشركات لا تخضع للضريبة من قبل أي من البلدين. قدّر تقرير أصدره تحالف أوكسفام في وقت سابق من هذا العام أنه في عام 2016 وحده، سمحت هذه الثغرة للشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مثل «Google» و«Pfizer» و«Nike» و«Uber» تجنب دفع ضرائب بأكثر من 100 مليار دولار من الأرباح الخارجية.

من خلال العمل كملاذ ضريبي، تسمح هولندا للشركات بحرمان الحكومات الأخرى من الأموال التي تحتاجها للخدمات الأساسية: البنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم وما إلى ذلك. وهذا يضر الحكومات والناس العاديين في كل مكان، ولكن التأثير ربما يكون أكثر ضررًا في البلدان النامية، إذ إن الاحتياجات ماسة للغاية والقاعدة الضريبية ضئيلة بالفعل.

خذ على سبيل المثال شركة التعدين البريطانية الأسترالية «Rio Tinto». كما ظهر في تقرير عام 2018 الذي نشره مركز أبحاث الشركات المتعددة الجنسيات «SOMO»، ومقره في هولندا، و«OT Watch»، وهي مجموعة منغولية للدفاع عن البيئة وحقوق الإنسان، فقد استخدمت «Rio Tinto» في السنوات الأخيرة هولندا ولوكسمبورج كملاذات ضريبية من أجل خفض الضرائب التي يتعين عليها دفعها على الأرباح التي حققتها من التعدين في منغوليا. من خلال القيام بذلك، تمكنت الشركة من تخفيض فاتورتها الضريبية بمبلغ 230 مليون دولار، وهو مبلغ يمكن أن يسمح للحكومة المنغولية بمضاعفة إنفاقها على التعليم أو الرعاية الصحية.

سد الثغرات

تحولت هولندا إلى ملاذ ضريبي بسبب الدعم الواسع من مختلف الأطياف السياسية – يواصل الكاتبان حديثهما. فقد مارست الحكومات الهولندية من جميع الأوساط اللعبة، وحتى وقت قريب، كانت هناك مقاومة خجولة من المؤسسات المدنية مثل الصحافة أو الأوساط الأكاديمية. وفي الوقت نفسه، ساعدت مجموعة واسعة من المصالح الخاصة في بناء الملاذ الهولندي وحمايته من التدقيق.

عندما تنتقد السياسات الضريبية الهولندية، فإن المدافعين لديهم إجابة موثوقة: إذا غيرت هولندا قوانينها، فستفقد مكانتها الفريدة كدولة صغيرة قادرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي؛ مما قد يؤدي إلى تراجع قوتها الاقتصادية والسياسية. في الواقع تتمتع شريحة صغيرة من المجتمع الهولندي بثمار كونها ملاذًا ضريبيًا: حوالي 10 آلاف من المحاسبين والمحامين والمستشارين الذين يعملون في صناعة التهرب الضريبي. ولا يستفيد الاقتصاد الهولندي الأوسع إلا قليلًا: في النهاية، فإن الغالبية العظمى من «الاستثمار» الذي تتلقاه هولندا بسبب سياساتها الضريبية تنتقل بسرعة للملاذات الضريبية الأخرى.

أظهرت دراسة أصدرها البنك المركزي الهولندي في عام 2018 مدى ضآلة المكاسب: فالمبلغ الإجمالي الذي تنفقه الشركات الوسيطة سنويًا على الرواتب وأقساط برامج الرعاية الاجتماعية التي تديرها الحكومة يبلغ حوالي 1.1 مليار دولار، وهو مبلغ صغير عند النظر إلى الناتج المحلي الإجمالي السنوي في هولندا الذي يبلغ أكثر من 820 مليار دولار.

وعلى الرغم من أن صناعة تجنب الضرائب قد نجحت في ممارسة نفوذ كبير في هولندا – يقول الكاتبان – إلا أنها أقل جاذبية في بقية أوروبا. خاض الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية معركة طويلة وإن لم تكن فعالة بشكل خاص لإقناع الهولنديين بتغيير طرقهم. في عام 1999 أصدر الاتحاد الأوروبي تقريرًا يحدد هولندا كدولة في الاتحاد الأوروبي ذات الأنظمة الضريبية الأكثر سوءًا.

ورفض وزير الدولة الهولندي للمالية في ذلك الوقت، ووتر بوس، هذا الوصف وعزاه إلى «الغيرة البحتة»، وكانت هولندا لأكثر من عقد من الزمان قادرة على تجنب أي حملة حقيقية. ولكن في عام 2013 جددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية اهتمامها الشديد بالتجنب الضريبي، وفي السنوات التالية تبنى الاتحاد الأوروبي هذه القضية أيضًا، إذ وافق على توجيهين مهمين لمعالجة المشكلة.

وفي وقت سابق من هذا العام، فعل البرلمان الأوروبي ما لم تجرؤ أي مؤسسة أوروبية أخرى على فعله من قبل واعترف رسميًا بهولندا كملاذ ضريبي. وقد حصلت هذه الخطوة على دعم عدد من الأعضاء الهولنديين في البرلمان الأوروبي، وهو موقف يعتبره بعض السياسيين في الوطن بمثابة خيانة.

في أعقاب هذا التصنيف – يؤكد الكاتبان – لم تعد الحكومة الهولندية قادرة على الاستمرار كما فعلت من قبل. وفي الأشهر الأخيرة بدأت في إصلاح القواعد الضريبية لسبب واحد، سيجري إغلاق الثغرة في معاهدة الضرائب الأمريكية الهولندية العام المقبل. وقد تقدمت الحكومة الهولندية باقتراح فرض ضريبة محجوزة على مدفوعات الفوائد والملكية التي توجه إلى الملاذات الضريبية الأخرى. إلا أن القيام بذلك من شأنه أن يضع حدًا لحصة محدودة للغاية من المعاملات؛ مما يجعل دور هولندا سليمًا كقناة لمثل هذه الأموال.

إذا كانت هولندا تريد حقًا تغيير طرقها، فسيتعين عليها اتخاذ المزيد من الخطوات الصعبة. أولها هو ضمان فرض ضريبة، بالمعدل الطبيعي، على جميع الفوائد وإيرادات حقوق الملكية التي توجه إلى هولندا أو عبرها. وسيتعين على الحكومة أيضًا إصدار تشريع يجعل من الصعب إنشاء شركة وسيطة، ومراجعة معاهداتها الضريبية لمنع إساءة الاستخدام، وسد الثغرات التي يمكن أن تستمر الشركات في استغلالها حتى لو جرى إصلاح المعاهدات.

أخيرًا، بدلًا عن عرقلة الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سيحتاج الهولنديون إلى التعاون مع المنظمتين في جهودهما لمحاربة التهرب الضريبي. كل هذا يتطلب تغييرًا جذريًا في السياسة الهولندية، ومن غير الواضح ما إذا كان هناك شيء مثل هذا في الأفق. لأول مرة منذ عقود يبدو أنه من الممكن أن تقوم هولندا بتنظيف عملها.

رجال أعمال مصريين نجوا من وثائق بنما رغم استثماراتهم في الملاذات الضريبية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد