بالرغم من كل ذلك القلق داخل أمريكا من الخطر الذي يشكله اللاجئون السوريون، إلا إنه اتضح حتى الآن أن الإرهابيين الذين شاركوا في الهجمات على باريس ليسوا لاجئين على الإطلاق، بل مواطنين أوروبيين.

هذا يدفعنا لتسليط الضوء على تهديد حقيقي في منتهى الخطورة وهو انضمام بعض الغربيين إلى جماعات إرهابية مثل داعش، وارتكاب مواطنين فرنسيين وبلجيكيين أفعالًا مروعة ضد الأبرياء.

عضوة في جبهة النصرة تقف في أحد شوارع مدينة حلب شمال سوريا يوم 11 يناير 2014

عضوة في جبهة النصرة تقف في أحد شوارع مدينة حلب شمال سوريا يوم 11 يناير 2014

 

هذا التهديد غالبًا ما يُشار إليه ب”التطرف”. ولكننا نسيء فهم بعض الأسئلة المتعلقة به مثل: كيف يحدث، وما سبب حدوثه، ومن يمكن أن يتأثر به. ففهمنا للطريقة التي يحدث بها التطرف فعليًا هو الخطوة الأولى لمكافحته.

 

التطرف ليس حكرًا على أي جماعة أو دين

التطرف هو العملية التي يعتنق خلالها الأفراد أو الجماعات آراء متطرفة وخصوصًا الآراء السياسية والاجتماعية والدينية. ولكن التطرف لا يعني الإرهاب، فليس كل الأفراد الذين يتبنون وجهات نظر متطرفة يقررون المشاركة في أعمال العنف.

والتطرف لا يقتصر على أي دين أو عرق أو بلد أو نوع.

فعلى سبيل المثال، تفجير مدينة أوكلاهوما عام 1995 ارتكبه اثنان بيض كانا في الجيش الأمريكي من قبل.  وفي دراسة حديثة أجرتها نيو أمريكا ونُشرت في صحيفة نيويورك تايمز، وجدت أنه منذ أحداث 11 سبتمبر، فإن أعداد الذين قُتِلوا على يد المتعصبين البيض، والمتطرفين المناهضين للحكومة، وغيرهم من المتطرفين غير المسلمين بلغ حوالي ضعف عدد من قُتِلوا على يد مسلمين متطرفين. وأشار تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالية بخصوص الأعمال الإرهابية في الولايات المتحدة في الفترة بين عامي 1980 و2005 إلى حدوث 318 عملا إرهابيا (بما في ذلك تفجيرات، وحرائق، وتدمير، وإطلاق نار)، فقط 7% من هذه الأحداث يُنسَب لمتطرفين إسلاميين.

فتبني آراء متطرفة وارتكاب أعمال عنف بشعة لا يقتصر على المسلمين أو العرب، أو أي مجموعة من الناس، بل هو أمر يمكن أن يقوم به أي إنسان.

 

ما هي الأسباب الرئيسية للتطرف؟

بصفة عامة، هناك عاملان رئيسيان يزيدان من احتمالات توجه شخص ما إلى التطرف والعنف وهما العوامل المجتمعية، والعوامل الفردية.

ومن تلك العوامل المجتمعية التي تؤدي إلى التطرف:

  • وجود أقلية مهمشة اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا
  • معاملة جماعات بعينها على أنها جماعات “مشبوهة”.
  • العداوة الثقافية أو السياسية تجاه الدين عمومًا، والإسلام بالأخص.
  • السياسات الخارجية التي تلقى معارضة كبيرة، مثل دعم الأنظمة القمعية والمشاركة في حملات عسكرية، وخصوصًا في بلد الكثير من سكانه مسلمون.
  • وجود شبكات تجنيد (وهي أحد أسباب انضمام أعداد كبيرة لتلك الجماعات).

أما العوامل الفردية فتتضمن:

  • وجود صلة شخصية بأحد الأفراد المتطرفين.
  • الإحساس بالفشل، والذي غالبًا ما يرتبط بتطلع الشخص للقيام بشيء هام في حياته.
  • الرغبة في المغامرة والتمرد.
  • البحث عن الانتماء.
  • الشعور بالتعاطف مع معاناة الآخرين، الذين قد يكونون من نفس الدين.

بالتأكيد، هذه ليست قائمة شاملة، ووجود بعض هذه العوامل في شخص ما لا يعني بالضرورة أنه سيتجه إلى التطرف، وغيابها لا ينفي احتمالية اتجاهه للتطرف كذلك.

 

من يصبح متطرفًا، وكيف يحدث ذلك؟

لا يوجد نموذج يوضح كيفية تطرف الأفراد، ولا يوجد كذلك نموذج للشخص المتطرف، فالأمر يختلف من شخص لآخر. والمتطرفون يأتون من خلفيات مختلفة، وينجذبون للفكر المتطرف لأسباب مختلفة.

قد يكون لديك صورة في رأسك لنموذج الشخص المتطرف: وهو ذكر، يتراوح عمره بين 18 و24 عامًا، غاضِب، مسلم محافظ متشدد، مثل هذا الرجل:

2

ولكن هذه الصورة ليست كاملة، ولا حتى قريبة من الحقيقة.

عليك بقراءة القصص الثلاثة التالية، وسوف تجد أنه ليس هناك طريق أو نموذج معين للتطرف.

1- محمد مراح كان مواطنا فرنسيا من أصول جزائرية وكان يبلغ من العمر 23 عامًا، وقد قتل سبعة أشخاص في 2012 –من بينهم عدد من المسلمين، وحاخام، وثلاثة تلاميذ يهوديين- في سلسلة من عمليات إطلاق النار في مدينتي تولوز ومونتوبان. أصيب محمد مراح خلال الهجمات برصاصة في رأسه علي يد القوات الخاصة الفرنسية كما قفز من نافذة شقته في الطابق الأول بعد اقتحام القوات لشقته بعد حصار استمر لأكثر من 30 ساعة.

اشترك محمد في أعمال عنف 15 مرة على الأقل، وكان يوصف بأنه لديه مشاكل سلوكية منذ مرحلة الطفولة. وفقًا لصحيفة واشنطن بوست، قال معارفه بأن محمدا لم يكن مهتمًا بالدين. وهناك تقارير متضاربة بشأن متى وكيف أصبح متطرفًا، فيدّعي البعض أنه أصبح متطرفًا في السجن، بينما يلقي أخاه اللوم في تطرفه على والديه وأخته.

2- أقصى محمود هي فتاة شابة من أحد الأحياء الثرية في أسكتلندا، والتي  تركت جامعة غلاسكو في 2013 وهي في عمر التاسعة عشر لتتزوج من مقاتل داعشي في سوريا وهي الآن واحدة من كبار المجندين في التنظيم. كما ذكر موقع ديلي بيست، بدأت أقصى في التطرف في سن الخامسة عشر –وكان ذلك خفيًا عن والديها وصديقاتها- وأمضت أوقاتًا طويلة حبيسة في غرفتها تتفاعل مع منتديات الدردشة الخاصة بالمسلمين المتطرفين.

3- نضال مالك حسن كان طبيبًا نفسيًا في الجيش الأمريكي، وكان يبلغ من العمر 39 عامًا. في 2009، قام نضال بإطلاق النار على قاعدة عسكرية في فورت هود بولاية تكساس  ليقتل 13 جنديا ويصيب 28 آخرين. كطبيب نفسي في الجيش الأمريكي، كان جزءًا من وظيفته أن يقدم النصيحة للجنود الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بعد قتالهم في العراق وأفغانستان. يقال إن ما دفعه للقتل هو “كراهيته للعمل العسكري  الأمريكي في العالم الإسلامي، ورغبته في حماية زعماء طالبان في أفغانستان”.

 

السجن والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والعلاقات الشخصية ببعض المتطرفين هي الأسباب الأكثر شيوعًا التي تقود الناس لأفكار متطرفة. إذا ما تعرض شخص ما لأحد الأفكار المتطرفة فإنه يجلس وحيدًا في غرفته يقرأ العدد الأخير من المجلة الدعائية لتنظيم داعش، وتدريجيًا يبدأ في الاقتناع عن طريق بعض العبارات في مجلة أو عن طريق مقاطع الفيديو، أو عن طريق قضاء بعض الوقت مع صديق اكتسب هذا الفكر المتطرف حديثًا ويحاول نشره، أو من خلال التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي مع غرباء تبدو أفكارهم ومعتقداتهم مثيرة وعميقة، فالعنصر المشترك هو التعرض للأفكار وللأيديولوجية. المجموعات الإرهابية مثل داعش يعرفون ذلك جيدًا، وهذا هو السبب في أنهم ينشرون موادهم الدعائية بأشكال متعددة- كالمجلات الرقمية، ومقاطع الفيديو العنيفة، وعن طريق مجموعة من الأغبياء ممن يرددون أفكارهم باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي، أو عن طريق المجنِّدين الذين يستهدفون بعض الناس الذين يتأثرون بالأفكار المتطرفة بشكل سريع.

المفهوم الخاطئ الشائع عند كثير من الناس، هو أن التطرف يحدث داخل المسجد. ولكن في الواقع –مع وجود القليل من الاستثناءات- فإنه من المرجح إذا ما رأى إمام المسجد أحد الأشخاص يسلك طريق العنف فإنه يتدخل ويحاول تصحيح المفاهيم الخاطئة التي يمتلكها هذا الشخص عن الإسلام، ويقوم بإبلاغ عائلته بذلك ليساعدوه، أو حتى يقوم بإبلاغ السلطات عنه. الأفراد الذين يتبنون أيديولوجية جهادية عنيفة في كثير من الأحيان يتوقفون عن الذهاب إلى المسجد لهذا السبب.

حتى إذا كانت الأجهزة الأمنية قادرة على التعرف على الأفراد المتطرفين في مجتمعاتهم، لا يمكن التنبؤ أي من هؤلاء الأفراد يمكن أن ينخرط في عمل إرهابي، وأيهم مجرد متعاطف سلبي. النوع الثاني يصعب مراقبته لكثرة عددهم، بالإضافة إلى أن التعاطف ليس جريمة.

حتى في الحالات التي يكون فيها الشخص المتطرف قد سبق تحديده من جانب الأجهزة الأمنية أنه يمثل تهديدًا بارتكاب هجمات إرهابية –كما هو الحال مع عبد الحميد أبا عود الذي تعتقد السلطات الفرنسية أنه العقل المدبر لهجمات باريس الأخيرة- قد يكون من الصعب تحديد مكانه، أو التنبؤ بمكان وزمان حدوث الهجوم. في العديد من الهجمات الإرهابية الأخرى التي حدثت مؤخرًا في فرنسا، كان الجناة معروفين لدى الأجهزة الأمنية الفرنسية، ولكنهم لم يتمكنوا من منع حدوث تلك الهجمات.

 

لماذا فرنسا وبلجيكا؟

 

أوضحت هجمات باريس الأخيرة أن هاتين الدولتين لديهما مشكلة حقيقية مع التطرف، فالإرهابيين الستة الذين تم تحديدهم حتى الآن، كان خمسة منهم مواطنين فرنسيين –يعيش ثلاثة منهم في بلجيكا- وواحد كان مواطنًا بلجيكيًا.

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن السلطات الفرنسية –منذ الهجوم- قامت ب 400 مداهمة داخل فرنسا، واعتقلت 60 شخصًا، وصادرت 75 سلاحًا، ووضع 118 شخصًا تحت الإقامة الجبرية. كما قامت الشرطة بعدة غارات في بروكسل، واعتقلت ما لا يقل عن عشرة أشخاص للاشتباه في تورطهم في الهجمات.

كل من فرنسا وبلجيكا لديهما أحد أعلى النسب في أوروبا من حيث المواطنين الذين سافروا إلى سوريا والعراق للانضمام لداعش والجماعات الأخرى التي تقاتل هناك.

لا يمكن لسبب واحد أن يفسر ذلك، ولكن بعض العوامل قد تساعدنا في فهم كيفية حدوث ذلك.

كل من البلدين لديهما أعداد كبيرة من الأقلية المسلمة والذين هاجروا من شمال أفريقيا (وبالأخص من المغرب وتونس والجزائر) والذين يتم تهميشهم اجتماعيًا واقتصاديًا. يوجد في فرنسا العدد الأكبر من المسلمين مقارنة بأي دولة أوروبية أخرى، حيث يقدر عدد المسلمين في فرنسا بنحو خمسة إلى ستة ملايين، أي حوالي 8% من إجمالي السكان. كما يبلغ عدد المسلمين في بلجيكا حوالي 600 ألف، أي نحو 5%-6% من إجمالي السكان.

 

في بلجيكا، هذه المجتمعات الناطقة بالعربية أصبحت تمثل تحديًا أمنيًا،  مثل حي مولنبيك في بروكسل والذي لديه تاريخ مقلق لاتصاله بالعديد من الهجمات الإرهابية، وهذا يحد من قدرة السلطات على التواصل مع السكان مما يؤدي إلى انعدام الثقة لدى كلا الطرفين. أيضًا، يعتبر معدل البطالة في حي مولنبيك أعلى بكثير مما هو عليه في مناطق أخرى في بلجيكا، وفقًا للبيانات الصادرة عن معهد بروكسل للإحصاء والتحليل.

وفي فرنسا، أنشأت الليبرالية العلمانية مناخًا يرفض الإسلام بل ويعاديه أحيانًا.

 

كلا البلدين أيضًا لديهما شبكات تجنيد جهادية، والتي تتواجد بقوة في السجون الفرنسية، وفي بلجيكا تم تحديد منظمة تسمى شريعة فور بلجيوم ((Sharia4Belgium أنها “أبرز مجنِّدي المقاتلين في سوريا والعراق”، بالرغم من حلّ الجماعة مؤخرًا بعد اعتقال عدد من قادتها وأعضائها.

وأخيرًا، شاركت كلا البلدين (وبالأخص فرنسا) في قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد داعش، وهذا هو السبب الرئيسي -حسبما  ذكرت داعش في بيان إعلان مسئوليتها عن هجمات باريس- لاستهدافهم لفرنسا.

 

نظرًا لأن فرنسا وبلجيكا لديهما الكثير من العوامل المجتمعية المسببة للتطرف، فمن المرجح أن تحدث هجمات أخرى مثل التي حدثت في باريس. ولكن علينا أن نتذكر أن تلك العوامل الخارجية ليست كافية لدفع الإنسان للتطرف، وأن أي شخص يقرر الانضمام لداعش أو يقوم بهجمات إرهابية غالبًا ما يكون له دوافعه الشخصية التي تحركه، وهذا بالضبط ما يجعل التصدي للتطرف أمر صعب للغاية.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد