أعد الصحافي المخضرم في مجال الطاقة، لويلين كينج، مقالًا نشرته مجلة «فوربس» الأمريكية، قال فيه إن العديد من البلدان قليلة السكان تلعب أدوارًا أعلى من وضعها الاسمي. تعرض هذه البلدان «مساعيها الحميدة» لحل النزاعات وتلعب دور المحاور بين الدول المتخاصمة أو التي في حالة حرب.

أبرز هذه البلدان هي الدول الأوروبية التي أقامت محادثات سلام، وتقدم اتصالات عبر القنوات الخلفية. من تلك الدول مجموعة بلدان الشمال الأوروبي، وأيرلندا، وأهمهم، سويسرا.

عربي

منذ شهر
«ن. تايمز»: من أفغانستان إلى كأس العالم.. قطر «الصغيرة» تنشط على الساحة العالمية

والآن تنضم إليهم قطر – يوضح كينج. لطالما كانت الإمارة الخليجية في المقدمة والمركز بصفتها منتجًا للنفط، حيث تمتلك 1.5% من الاحتياطي المؤكد في العالم، وكذلك الغاز الطبيعي، الذي تمتلك منه 5% من الاحتياطي المؤكد في العالم. ويرى الكاتب أنها تمكنت من تحويل عائداتها الهائلة من النفط والغاز إلى قوة دبلوماسية.

يضيف كينج أن الفضل يعود إلى قطر في تمكين الولايات المتحدة من التفاوض مع طالبان، وتنفيذ الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. كما استقبلت قطر لاجئين من أفغانستان أكثر من أي دولة أخرى، وهي التي تدير المطار في كابول لطالبان. يشير كينج إلى أن قطر تتحرك شرقًا وغربًا وبعمق في المنطقة.

تكاليف استخراج منخفضة

تستند الثروة العظيمة للإمارة – حيث تتمتع بأعلى دخل للفرد في العالم بعد دولة موناكو – إلى قلة عدد سكانها وانخفاض أسعار النفط والغاز فيها. حيث عُثر على الغاز في أحواض ضحلة ويمكن الوصول إليه بسهولة. استخدمت قطر هذه الوفرة في بناء منشآت متطورة لإسالة الغاز الطبيعي؛ إذ تتمتع بمكانة فريدة من نوعها في السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال.

لفهم قطر – يضيف كينج – عليك أولًا أن تدرك أنها شبه جزيرة صحراوية على شكل إبهام بارزة في الخليج العربي. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان قطر يبلغ 2.88 مليون نسمة، لكن هناك 400 ألف فقط من المواطنين. ومعظم العمال الضيوف من جنوب آسيا.

الدوحة، العاصمة، هي المدينة الوحيدة في قطر، وهي تحفة مالية مشرقة تلتقي مع الهندسة المعمارية. سرعان ما أصبحت واحدة من جواهر المنطقة بمبانيها الشاهقة ومنتزه ساحلي ساحر. إنها دولة حديثة ذات طابع إسلامي قوي، كما يصفها الكاتب.

قد يلاحظ المسافرون أن المشروبات الكحولية متوفرة، على عكس السعودية. يؤكد كينج أنه استمتع بالجعة في فندق ريتز كارلتون الدوحة. يلعب هذا الفندق دورًا في الدبلوماسية القطرية: حيث يلتقي الدبلوماسيون القطريون مع نظرائهم هناك، وهو المكان الذي يستضيف الأحداث المهمة غالبًا.

Embed from Getty Images

تشتهر قطر لدى الكثيرين بأنها الدولة التي أنشأت شبكة تلفزيونية عالمية، الجزيرة، وهي حالة شاذة في منطقة تسعى فيها الأسر الحاكمة للسيطرة على وسائل الإعلام، وليس الترويج لها. كان استقلال قناة الجزيرة، التي تبث باللغتين الإنجليزية والعربية، أحد أسباب خلاف قطر مع الرباعي العربي: المملكة العربية السعودية ومصر والبحرين والإمارات العربية المتحدة.

في عام 2017، فرضت هذه الدول الأربع حصارًا على قطر. أُغلقت الحدود البرية الوحيدة للبلاد، مع السعودية، وحُرمت قطر من حق الطيران فوق البلدان الأربعة. شملت الأسباب الدعم القطري لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وغيرها، وتغطية قناة الجزيرة للقضايا التي اعتُبرت منتقدة لأعضاء الرباعية، وعلاقات قطر الودية مع إيران. رأت الدول الأربعة في هذا الانفتاح الدبلوماسي خيانة.

أفضل صديق لأمريكا في الخليج

مع وجود قاعدة العديد الجوية، مقر القيادة المركزية الأمريكية والقيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية، يمكن القول إن قطر هي أفضل صديق لأمريكا في الخليج. لكنها أيضًا صديقة لطالبان في أفغانستان – ينوه كينج – وتتوافق مع تركيا وإيران وإسرائيل. تود تركيا أن تساعدها قطر في محاولاتها للتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص، التي تقاومها اليونان.

بسبب الحصار الرباعي، كانت السنوات القليلة الماضية صعبة على قطر. لكنها خرجت منها أقوى وأصبحت نقطة للمساعدة الدبلوماسية، حسبما يرى كينج.

في يناير (كانون الثاني) الماضي، انتهى الحصار بصفقة توسطت فيها الكويت. استقبل ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في السعودية ، وكان واضحًا للكاميرات ووسائل التواصل الاجتماعي معانقة كل منهما الآخر.

لقد عادت قطر إلى البيت الخليجي، وتحولت الدول العربية من سنوات الاتهامات والتظلم إلى عام جديد من الدبلوماسية. وفجأة امتلأ الشرق الأوسط بالدبلوماسيين الذين يسافرون ذهابًا وإيابًا ويسعون إلى تحقيق أهدافهم عن طريق التفاوض.

كانت هناك تكهنات بأنه بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ستتلاشى أهمية قطر. لكن النهضة الدبلوماسية العربية جارية، وقطر في قلبها تحاول حل الخلافات من السودان إلى اليمن، بحسب الكاتب. بل إنها تستضيف ما كان يمثل السفارة الأمريكية في كابول التي تعمل الآن في قطر، مما يشير إلى مكان الإمارة في السلك الدبلوماسي.

تطمح الدوحة إلى أن تكون معروفة بأكثر من مجرد غناها بالغاز الطبيعي، وأن تصعد إلى نادي الدول التي زينت أسماء مدنها المعاهدات، بما في ذلك هلسنكي وأوسلو وفيينا وجنيف. فهل ستكون الدوحة التالية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد