يعاني العالم في الوقت الحالي من أزمة اللاجئين التي انفجرت إثر كل الأحداث العالمية الجارية، وتتداول وسائل الإعلام تفاصيل الأزمة من حيث أعدادهم، وجنسياتهم، وكيفية دعمهم، وتأثير وجودهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا في المجتمعات اللاجئين إليها.

تأخذنا صحيفة «الجارديان» البريطانية في رحلة إلى مدينة «كلاركستون» الواقعة في ولاية جورجيا بعمق جنوب الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أعدت الصحفية كاتي لونج قصةً عن هذه المدينة البعيدة عن الأضواء، التي يبلغ عدد سكانها 13 ألف نسمة وشهدت وفود أكثر من 40 ألف لاجئ خلال ربع قرن مضى، وتنوعت جنسياتهم بين إثيوبيين وإريتريين وصوماليين وفيتناميين وسودانيين، قبل وفود موجات السوريين والكونغوليين.

لاجئة مع طفليها في حديقة تتبع مجتمع (أصدقاء اللاجئين). مصدر الصورة: (الجارديان)

تصف الصحيفة كلاركستون بأنها تعود بك إلى السبعينات من القرن الماضي، بأشياء نادرًا ما تراها في أي مكان آخر داخل الولايات المتحدة، ليتجول بصرك بين تصميم مراكز التسوق، والتجمعات السكنية، وواجهات محال رملية اللون مخطوط عليها جمل بلغات إفريقية كالأمهرية والنيبالية تجاور ترجمتها بالإنجليزية التي تحمل الكثير من المعاني، وبين نساء يجتمعن بجوار محال بقالة إفريقية يغطين رؤوسهن بحجاب إفريقي ذي ألوان زاهية، في الوقت الذي تعبر الطريق أخريات تنسدل شعورهن خلف ظهورهن مرتدين الملابس الآسيوية التقليدية.

وتحاول الصحيفة الإجابة عن السؤال: كيف تمكنت مدينة أغلب سكانها من طبقة العمال ليس فقط من تسكين حوالي 1500 لاجئ سنويًّا، بل من جعلهم يندمجون ويرتبطون بهوية المكان؟

اقرأ أيضًا: كيف يمكن هندسة «أزمات اللاجئين» وتحويلها لأسلحة شاملة؟

وينقلنا التقرير  إلى شاحنة تقف في أحد جوانب المدينة، ذات سطح أملس مكتوب عليها «مقهى اللاجئين»، لتبدأ صاحبته كيتي موراي – أمريكية تعمل كاتبة حرة وفدت إلى المدينة حديثًا– في سرد القصة لتذكر أنها اشترت تلك الشاحنة قبل عامين بقيمة 3 آلاف دولار، واستأجرت جراجًا قديمًا لتوفر فيه مقاعد المقهى، بهدف خلق مساحة للتواصل المجتمعي، ومعرفة قصص اللاجئين بدقة، وخلق فرص عمل وتدريب لهم، وخلال حوارها مع الصحيفة يظهر أحمد أحد العاملين في المقهى ليصب القهوة، وهو أحد اللاجئين السوريين الذي كان يعمل صيدلانيًّا قبل عمله الحالي.

كيتي هي واحدة من العديد من الأمريكيين الذين أتوا إلى كلاركستون للعمل مع اللاجئين، أو بالأحرى للعيش معهم، إذ يتضمن استقبالهم قضاء ساعات طويلة في بيوت اللاجئين الجدد للتعرف إليهم، محاولين التغلب على الحواجز الثقافية خلال تناول الشاي معًا.

كاتي لونج معدة التقرير، تجلس مع كيتي موراي، صاحبة مقهى اللاجئين. مصدر الصورة (الجارديان)

كما أجرت الصحيفة مقابلة مع أريز التي وفدت إلى المدينة عام 2015 مع زوجها وطفليها، بعد أن قضوا أربع سنوات في تركيا، وأشارت إريز بحماس إلى حبها للولايات المتحدة، وحكت قصة ريبيكا، التي وصفتها بأنها أختها الأمريكية والتي ساعدتها على الاستقرار في كلاركستون، كما يساعدها أصدقاؤها الأمريكيون في تعلم الإنجليزية.

بينما يرى بريان بولينجر، المدير التنفيذي لمؤسسة «أصدقاء اللاجئين»، وهي مؤسسة تعمل في خدمة اللاجئين، أن سبب إقبال اللاجئين على المدينة هو سبب اقتصادي بحت، مع توافر أماكن سكنية بمبالغ منخفضة، والقرب من شبكة الطرق وهو ما يجعلها وجهة أيضًا للشباب الأمريكيين، وما جعل المدينة جاذبة للسكان منذ التسعينات.

وأشار بولينجر إلى أن العديد من سكان المدينة رووا أنه لم يكن مرحب بوجود اللاجئين سابقًا، من قبل السكان الأصليين، ولكن الجيل الحالي أكثر انفتاحًا وتحررًا من الجيل السابق، كما أطلق على عمدة المدينة الشاب المنتخب عام 2013 أنه التجسيد الحي لتغير هذه النظرة، الذي قال خلال استقباله وفدًا من الشرق، إن مجتمع كلاركستون مجتمع رحيم.

اقرأ أيضًا: «تُجار اللجوء».. عصابات تكسب المليارات من تهريب اللاجئين

ومن السكان الأصليين، هناك كبار السن المتقبلين فكرة المساواة مع اللاجئين، وحاورت الصحيفة بيتي كاردل (93 عامًا)، التي وفدت إلى المدينة عام 1950 من كاليفورنيا، وقالت عن اللاجئين «إنهم بشر مثلنا، لم يكن لدي أبدًا مشكلة معهم، كما أنني لا أرغب في الرحيل، فأنا أحب كلاركستون لأنها ما زالت مدينة صغيرة».

وتصف الصحيفة كلاركستون بأنها محطة البداية للاجئين، حيث ينطلقون منها للنجاح مستشهدة بـهيفال محمد، الذي أتى إلى الولايات المتحدة بعد قضاء ست سنوات في ألمانيا، ساعيًا لتحقيق الحلم الأمريكي في العيش بمنزل أنيق منعزل يحيط به خضرة وبحيرة، إلا أنه بدأ يعمل في غسيل الأطباق في كلاركستون إلى أن أصبح طبيب قلب في مدينة ليبورن التي تبعد عنها مسافة 10 أميال.

هيفال – الذي كان يجهز حفل شواء ليدعو أصدقاءه القدامى تتنوع جنسياتهم بين سوري وعراقي وسوداني وكردي وأمريكي أيضًا- وصف استقباله في كلاركستون، وقال إنه بعد يومين من وصوله زاره هؤلاء الأصدقاء وعرضوا عليه المساعدة لتعلم اللغة الإنجليزية. وبسبب شعوره بالامتنان تجاه هذه المدينة يعود إليها بانتظام ليتطوع في العيادة الصحية، أو ليشرف على تدريس بعض الطلاب.

حكمة الله، لاجئ أفغاني، يصب الشاي لزوجته وحيدة في منزلهما. عمل حكمة الله صحافيًا لمدة 25 عامًا قبل الهجرة إلى أمريكا، ويعمل حاليًا في مركز توزيع التجزئة في أتلانتا. مصدر الصورة (الجارديان)

كما أن قصص كرم اللاجئين مع جيرانهم الأمريكيين لا تحصى، إذ قالت هايدي ميلر، مسؤولة في برنامج «إمبراس» لدعم الأمهات والحوامل من اللاجئين، أن عليهم زيارة بيوت اللاجئين ليختبروا حسن الضيافة الحقيقي.

وتواجه المدينة العديد من التحديات التي سردتها الصحيفة، منها تحديات اقتصادية ومعيشية، إذ ذكرت الصحيفة أنها تعاني من عدم صلاحية العديد من الوحدات السكنية للاستخدام، الأمر الذي لا تقوم حياله السلطة بأي إجراء، كما أنها تعاني من ارتفاع نسبة الفقر بمعدل يفوق الـ40%. بالإضافة إلى تحديات سياسية بخصوص اللاجئين.

ويشير التقرير إلى محاولة محافظ جورجيا ناثان ديال إصدار أمر بمنع اللاجئين السوريين عام 2015، أي قبل قرار مشابه اتخذه الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلا أن المفارقة التي حدثت هي زيادة عدد المتطوعين في منظمة أصدقاء اللاجئين الموجودة داخل المدينة بنسبة 400% منذ قرار منع السفر.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن ساكني كلاركستون ينتمون إليها بشدة، سواء كانوا لاجئين أو حتى الأمريكيين الذين يتجهون إليها هربًا من المناطق التي يسودها الاستقطاب والغضب، الأمر الذي ظهر في حديث هايدي ميلر حين قالت إنها تعتقد أن «اللاجئين لديهم ما يكفي كي يعلموا الأمريكيين التسامح».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد