الصور الرمزية الثورية منتشرة الآن في كل مكان، لكن التغيير الهيكلي الفعلي ينطوي على ما هو أكثر من تحطيم تماثيل الرموز التي يعترض الجمهور على إرثها التاريخيِّ، وما يحدث بعد ذلك إنما يكون من قبيل المصادفة.

نشرت صحيفة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا لأستاذة التاريخ بجامعة إنديانا، ريبيكا إل سبانج، حول الثورات وكيفية حدوثها، مشيرةً إلى أن الثورات تحدث عندما تتلاقى الاهتمامات المتباينة لعدد من المجموعات المختلفة وتلتحم معًا لمدة من الزمان طالت أم قصرت، لافتة إلى أن الأحداث الثورية، تلك التي تؤدي إلى تحولات مستدامة في المجتمع، لا تصنعها خطة استراتيجية.

وفي مستهل مقالها، تقول أستاذة التاريخ: إنه قبل ثلاثة أشهر، بدت جائحة عالمية وأزمة اقتصادية مفاجئة من الخطورة بما يكفي للإشارة إلى أن شيئًا ما – إن لم يكن ثورة أو على الأقل إرهاصات لعصر الثورة – ماضٍ قدمًا في الطريق إلينا.

ومنذ ذلك الحين، اكتسبت الثورة ضد الأوضاع السابقة لتفشي فيروس كورونا زخمًا وأصبحت أصلب عودًا. وانتشرت مسيرات الحشود الهادرة بأن «حياة السود مهمة/Black lives matter» و«كفى تعني كفى/Enough is enough» في طول البلاد وعرضها. وحُطِّمت التماثيل، وأُعيدت تسمية المباني، وأفاد مستطلعو رأي الجماهير أن الرأي العام تغير بسرعة غير مسبوقة تقريبًا. وفي مدينة فيرجسون بولاية ميزوري الأمريكية، ومدينة سان خوان عاصمة بورتوريكو، حمل المتظاهرون مقصلة (آلة حادة = للإعدام استُخدِمت في تسعينيات القرن التاسع عشر وأصبحت رمزًا للثورة الفرنسية).

تضيف الكاتبة: بصفتي مؤرخة للثورة الفرنسية، لا يسعني إلا أن أركز على المقصلة. وإذا لم تكن الولايات المتحدة الآن في الأشهر الأولى للثورة، فمن المؤكد أن الأمريكيين محاطون بمؤشرات الثورات التي حدثت في الماضي.

دولي

منذ شهرين
«و. بوست»: الاحتجاجات ضد عنصرية الشرطة في أمريكا.. لماذا هي مهمة للعالم؟

هكذا تحدث الثورات

وتشير الكاتبة إلى ما أكده كارل ماركس ذات مرة بأن الثورات ترتدي ثوب الماضي، وتتحدث بخطاب الماضي للسبب نفسه، وهو أن الناس الذين يتعلمون لغة جديدة يبدأون بترجمة كلمة بكلمة مقابلة لها من لغة يعرفونها بالفعل. ومن خلال تكرار الإشارات والشعارات التي تبنَّتها الاضطرابات الماضية – مثل تدمير تمثال لويس السادس عشر، الملك الفرنسي الذي أعدم (بالمقصلة) في عام 1793 – يُضفِي الأشخاص الذين يضغطون من أجل تحقيق التغيير الاجتماعي الدائم على الحاضر صبغة الثورة. وقد يرددون «هكذا تكون الثورة».

وفي الوقت نفسه، يمكن للمعارضين استغلال ارتباط كلمة الثورة بالعنف لكي يبدو أي تغيير مخيفًا. وعندما أظهرت نتائج الانتخابات التمهيدية في ولايتي نيويورك وكنتاكي تفوَّق التقدميون (من الحزب الديمقراطي) على حساب مرشحي السلطة (من الحزب الجمهوري)، غرَّد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام قائلًا: إن الثورة الفرنسية جاءت لصالح الحزب الديمقراطي.

Embed from Getty Images

وفي مقال يُشبِّه «اليسار غير الليبرالي» و«التشهير عبر الإنترنت» بماكسيمليان روبسبيير (محامٍ فرنسي كان أحد أشهر الشخصيات وأكثرها تأثيرًا في الثورة الفرنسية)، تنبأ المؤلف الليبرالي صموئيل جريج بأن الولايات المتحدة على وشك الوقوع في هوة رعبٍ كبير يفتقر إلى التسامح.

وفي صور انتشرت على نطاق واسع يوم الأحد، لوَّح محامٍ من سانت لويس مهددًا ببندقية يحملها بينما كان المتظاهرون يمرون من أمام منزله الفخم. وأخبر أحد المحاورين لاحقًا أنه اعتقد أنهم «يقتحمون سجن الباستيل».

تستدرك الكاتبة قائلةً: ومع ذلك، ينسى كل من الثوريين والراديكاليين المناهضين للثورة أن الثورات الحقيقية دائمًا ما تفاجئ الناس. إذ تحدث الثورات عندما تتلاقى الاهتمامات المتباينة لعديد من المجموعات المختلفة وتلتحم معًا لمدة من الزمان طالت أم قصرت – على أن هذا التلاقي والالتحام لم يُخطط له مسبقًا، ولكنه ينتج من طريق الصدفة إلى حد كبير. وهذا ما يطلق عليه المؤرخون «حادثًا طارئًا»، أي: أمر ما ينبني على أمر آخر بطريقة لا مفر منها ولا يمكن تحويل دفتها بسهولة.

خيوط متشابكة

تستشهد الكاتبة بالثورة الروسية؛ حين وقعت تمردات في الجيش، وإضرابات في المصانع، وكانت هناك هيئة برلمانية على استعداد لتجاهل القيصر وإعلان نفسها حكومة مؤقتة، وظلت كل هذه الصراعات المثيرة لشهور قبل أن يتولى البلاشفة السلطة في نهاية المطاف.

وعلى المنوال ذاته، كانت حركة «حياة السود مهمة» تتشكل منذ سنوات. والآن ساعدت أزمة كوفيد-19 والمعارك المستمرة بين سياسيين محنكين ودونالد ترامب، في دفع مخاوف حركة «حياة السود مهمة» لتصبح في مركز السياسة الأمريكية.

والتهديد الذي يتعرض له السود من العنف الرسميِّ، وفشل كل شيء مثل سياسة الصحة العامة، والمقياس الكارثي للبطالة، وعدم كفاية تدابير الإغاثة على المستوى الفيدرالي وعلى مستوى الولايات، وأزمة المناخ، والأزمة الدرامية الخاصة بفقدان أمريكا لمكانتها الدولية على مدى السنوات الأربع الماضية؛ كل هذه الخيوط أصبحت متشابكة الآن. ومن السابق لأوانه تحديد الشكل الذي سيكون عليه النسيج الاجتماعي الناتج من ذلك.

 - الثورات- الاحتجاجات - السود

ولفتت الكاتبة إلى أن المؤرخ ويليام سيويل جونيور  يُفرِّق على نحو مفيد بين «الأحداث العادية» و«الأحداث التاريخية». فالأحداث التاريخية يتردد صداها ليغير العالم، لأنها بطريقة أو بأخرى تغير هيكل الحياة اليومية. وفي تحليله، يحدد رد الفعل على الحدث والتأثيرات المترتبة عليه – وليس الحدث نفسه فقط – ما إذا كان الحدث تاريخيًّا أم لا.

تخيَّل، على سبيل المثال، إذا كانت البحرية الأمريكية قد ردَّت على قصف ميناء بيرل هاربر بإخفاء عدد الأرواح التي أُزهقت (أسفرت الهجمات عن مقتل 2.402 شخص وجرح 1.282 آخرين) والقول إنها خططت منذ فترة طويلة لإغراق البارجة الحربية «يو إس إس أريزونا» عمدًا؛ كان الهجوم سيحدث حقًّا، لكن حدث «بيرل هاربر» في هذه الحالة لن يكون تاريخيًّا (غيَّر هذا الحدث مجرى التاريخ وأرغم الولايات المتحدة على دخول الحرب العالمية الثانية).

أو تأمل الثورة الفرنسية؛ ففي صيف عام 1789، دعا الملك لويس السادس عشر ما يقرب من 1.100 رجل من صفوة النخبة في فرنسا (الضباط العسكريون الأرستقراطيون، وكبار ملاك الأراضي، والمحامون، ورجال الدين) في الاجتماع الأول للجمعية الوطنية (أقرب شيء في المملكة الفرنسية إلى البرلمان الوطني) طوال 175 سنة.

ورفض عديد من المندوبين التقيد بالقواعد التي أسكتت فعليًّا معظم أولئك الذين يفترض أنهم ممثلون (ذلك أن تزييف الانتخابات عن طريق التقسيم الانحيازي للدوائر الانتخابية وقمع الناخبين يحبط الإرادة الشعبية حتى اليوم)، وبدلًا من ذلك أعلنوا أنفسهم أعضاءً في الجمعية الوطنية، وهي هيئة جديدة مهمتها كتابة الدستور. ووصلوا بذلك إلى طريق مسدود، وليس إلى ثورة.

تمرد وليس ثورة

وأضافت الكاتبة: وبعد مرور بضعة أسابيع، استدعى الملك القوات العسكرية إلى باريس وعزل مستشاره صاحب الشعبية الكبيرة. وتدفق الباريسيون إلى الشوارع، وفي 14 يوليو (تمّوز)، اقتحم حوالي 800 رجل منهم الباستيل، تلك القلعة الواقعة على حافة المدينة، حيث كانوا يأملون في العثور على الأسلحة والبارود.

في البداية، رحَّب بهم المدافعون عن القلعة، ثم أطلقوا النار عليهم، ونجحت الحشود في نهاية المطاف في دفع القوات إلى إنزال الجسر المتحرك ومغادرة الباستيل. ثم أمروا الجنود بالسير إلى وسط باريس، وقتلوا الضابط القائد، وعلَّقوا رأسه على رمح في أحد الشوارع. وأصبحت الاضطرابات الشعبية تمردًا، لكنها لم تكن ثورة.

الشرطة الأمريكية

وعندما وصلت كلمة العنف والفوضى في باريس لأول مرة إلى الجمعية الوطنية، الواقعة على بعد 20 ميلًا في مدينة فرساي، شعر أفرادها بالهلع. ولم يُظهِر الرجال المتعلمون، وكان كثير منهم يتمتعون بثروات ضخمة، سوى القليل من التعاطف الشخصي مع حشود العمال والمحرضين. وخوفًا على حياتهم، خشي كثيرون من أن يكونوا هم الضحايا القادمين.

لكن في غضون أيام، تحول قلقهم إلى أمل، إذ أفاد أعضاء الجمعية الوطنية الذين شاركوا في بعثة تقصي الحقائق التي أُوفِدت إلى باريس بأن حشدًا سلميًّا مبتهجًا كان متلهفًا لمصافحتهم. وتحدث الرجال الذين يمكن أن نَصِف سياستهم اليوم بأنهم من اليمين الوسط بلغة إيجابية عن الهجوم على القلعة، واصفين غزوها بأنه مقاومة شرعية للاستبداد، مثل قرارهم الخاص بكتابة دستور.

وتكمل الكاتبة تحليلها قائلة: يمكن أن نعزو المفهوم الحديث للثورة – بوصفها تغييرًا سياسيًّا واجتماعيًّا دائمًا أحدثه العمل الجماهيري – مباشرة إلى إعادة التقييم هذه. إذ لم يكن إنشاء الجمعية الوطنية ولا الهجوم على الباستيل ثورة في حد ذاتها.

وقد يُرفضان على أساس أن كلًّا منهما كان بمثابة «عمل رمزيٍّ» طالما أن أيًّا منهما لم يحقق أي شيء من أهدافه المعلنة. لكن الأحداث الثورية، تلك التي تؤدي إلى تحولات مستدامة في المجتمع، لا تصنعها خطة استراتيجية. وليس للأحداث الثورية إنجازات أو نتائج مفصلة في نقاط، وليس لها مقاييس واضحة للنجاح. وإذا كان لها ذلك، فإنها أحداث معتادة، وليست ثورة.

أنصار بارزون

وأردفت الكاتبة: وبالمثل، جمع المتظاهرون الذين يسعون إلى تحقيق العدالة لجورج فلويد بين الإبداع الجماعي، والتفاني في التظاهرات، والقدرة على كسب تأييد التيار الأكبر من الناس.

وعملت حركة «حياة السود مهمة» لسنوات على الوقوف في وجه وحشية الشرطة، وإظهار كيف يدين نظام العدالة الأمريكي السواد، وكيف أنه يفترض على نحو روتيني أن المذنبين هم الفتيان والشبان السود.

وكانت الآثار الصحية والاقتصادية غير المتناسبة على نحو صارخ لجائحة كوفيد-19 سببًا في إلقاء الضوء على التفاوتات الأساسية. لكن دونالد ترامب كان يشجع حكام الولايات على «التعامل بقسوة» مع المتظاهرين، وهدَّد بنشر جيش الولايات المتحدة لوقف الاحتجاجات؛ مما جذب أنصارًا بارزين وسياسيين محنكين – بما في ذلك الرئيس السابق جورج دبليو بوش والسيناتور ميت رومني وغيرهم – لمناصرة القضية.

والآن يوجد ائتلاف غير متوقع ومتنامٍ. فعلى المستوى الأساسي، هذه احتجاجات مؤيدة للديمقراطية، وكان الاعتراف بها على هذا النحو أمرًا صعبًا؛ لأنها تحدث في بلد تُعد على نطاق واسع ملاذًا رائدًا للديمقراطية الليبرالية. وقد رفض النقاد على عَجَل تصريحات رومني وبوش وغيرهم عن المظاهرات بأنها مجرد استعراض، لكنهم يشيرون إلى تغيير حاسم في اتجاه الرأي العام. وقد يكون القادة الجمهوريون (في نظر كثيرين من النشطاء) واقفين على الجانب الخطأ من التاريخ، لكنهم يريدون أن يكونوا على الجانب الصحيح من المستقبل.

ومع ذلك، إذا كان هناك درس رئيس مستفاد من الثورة الفرنسية، فهو أن هؤلاء الناس يصنعون التاريخ، والدرس الآخر هو أن الأمور نادرًا ما تجري كما هو مخطط له.

فلم يكن أعضاء الجمعية الوطنية الأولى في فرنسا من الرجال الذين لديهم مصلحة واضحة في الإخلال بالوضع القائم. وكانت دوافعهم الواعية في الأشهر الأولى من الثورة دوافع مُحافِظة من نواحٍ كثيرة؛ أرادوا حماية أنفسهم، وضمان الاستمرارية في مناصبهم، وإنهاء الأمور في أسرع وقت ممكن.

لكن، وباسم سداد ديون الملكية المطلقة، اختار عديد منهم سياسات (مثل تأميم الممتلكات التي تحتفظ بها الكنيسة الكاثوليكية وصك عملة جديدة) أثبتت أنها أكثر إرباكًا بكثير مما كان متوقعًا. وقد نفكر في راديكالية الثورة بوصفها شريط موبيوس (عالم رياضيات وفلك ألماني الجنسية) – التحرك في ما يبدو أنه اتجاه واحد- لكنها مع ذلك وصلت إلى الجانب الآخر من الشريط المجازي.

كيف تسقط الأنظمة القديمة؟

وأفادت الكاتبة أنه إذا كانت الولايات المتحدة في خضم ثورة أمريكية جديدة، فستمر أشهر وربما سنوات قبل فهم آثارها أو أسبابها فهمًا كاملًا. وحتى عندما تكون الكيانات غير مستقرة وتفتقر المؤسسات القائمة إلى الشرعية، فإن «الأنظمة القديمة» لا تسقط أبدًا بصورة منظمة وكاملة، بل يجب تفكيكها قطعة قطعة.

لقد استغرق هدم الباستيل قرابة عام؛ ومرت سنوات كثيرة قبل دفع أجور العمال الذين نفذوا العمل. وفي وقت متأخر من ليلة 4 أغسطس (آب) 1789، صوَّت أعضاء الجمعية الوطنية للتخلي عن الامتياز وإلغاء الإقطاع.

لكن الامتياز كان تأسيس النظام القضائي والإداري الكامل للمملكة الفرنسية. وبعد عقود من الصراع القانوني والسياسي العنيف، استقر شيء ما وكأنه نظام جديد.

واليوم تتعرض البروتوكولات والمعايير التي ظهرت في أعقاب ثورات القرن الثامن عشر – حرمة الملكية الخاصة، والفكرة المجردة للفرد صاحب الحقوق، ودولة التمويل العسكري القومية – للهجوم بوصفها أشكالًا من الامتيازات نفسها.

ولكن لا يجب أن تُفسَّر هذه الأفعال التي تغير مسار الأمور على أنها ثورة بحد ذاتها. فمن أجل التغيير الهيكلي الفعلي، يحتاج الأمريكيون إلى النظر ليس خلفهم بحثًا عن يقينٍ زائل، ولكن إلى الأمام بحثًا عن الاحتمالات غير المؤكدة.

واختتمت الكاتبة مقالها متسائلةً: ما الفرق بين الثورة وفشل الدولة أو انهيار الإمبراطورية؟ في الثورة وحدها، يمتلك عديد من الرجال والنساء والأطفال الطاقة العاطفية لتخيل مستقبل أفضل وبذل كثير من العمل الإبداعي في محاولة تحويل هذا الخيال إلى واقع.

علوم الثورة

منذ 3 شهور
«ذي أتلانتك»: مقارنة بعصر الثورة الفرنسية.. هل دخلت أمريكا في حالة ثورة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد