اعتبر فرهاد رضائي، وهو زميل باحث في معهد الشرق الأوسط، جامعة ساكاريا بتركيا، أن المملكة العربية السعودية وإسرائيل لا يزالان يشعران بقلق عميق إزاء الاتفاق النووي الإيراني، الذي تم توقيعه في يوليو (تموز) من عام 2015 بين إيران والمجتمع الدولي.

واستعرض رضائي في مقال نشرته مجلة «ذي ناشيونال إنترست» الأمريكية ردود الفعل الإسرائيلية والسعودية حيال الاتفاق، وجهود البلدين الحثيثة لتقليص الدور الإيراني في المنطقة.

واستهل رضائي المقال بقوله: «في مناقشة رد الفعل على الاتفاق النووي، والمعروف باسم خطة العمل المشتركة الشاملة، الذي تم توقيعه من قبل إيران والمجتمع الدولي في يوليو (تموز) عام 2015، حذر مراقبون من سلسلة محتملة من الانتشار النووي في الشرق الأوسط».

خطة العمل المشتركة الشاملة

وأشار رضائي إلى أن المراقبين كانوا قلقين بشكل خاص من ردود فعل بلدين رئيسيين في الشرق الأوسط إزاء خطة العمل المشتركة الشاملة، وهما إسرائيل والمملكة العربية السعودية. وفي حين أشاد مهندسو الاتفاق النووي بكونه وسيلة للحد من الانتشار النووي في المنطقة، فقد جادل منتقدوه أن هذه الصفقة ستؤدي إلى اندلاع سباق نووي.

وفقًا لخطة العمل المشتركة الشاملة، تلتزم إيران بالتراجع عن مشروعها النووي في مقابل رفع العقوبات. وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، منحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية شهادة لإيران نظرًا لامتثالها للاتفاق، مما مهد الطريق لتخفيف العقوبات. ووعدت الوكالة بالرقابة الصارمة لبرنامج إيران النووي المدني لمدة خمس عشرة سنة من توقيع الاتفاق. كما أعربت جميع الأطراف عن تفاؤلها بأن الصفقة التاريخية من شأنها أن تمنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، ذكر رضائي أن إيران لديها تاريخ طويل من إثارة التوتر في المنطقة وسجل طويل من الخداع في التعامل مع وكالة الطاقة الذرية. ونتيجة لذلك، خيمت بقايا قوية من عدم الثقة في إنجازات خطة العمل المشتركة الشاملة. وقد أثيرت مخاوف من أن إيران ورغم الرقابة الصارمة، يمكنها أن تقوم بتشغيل برنامج أسلحة بصورة غير مشروعة. كما أثيرت تساؤلات حول نية إيران في نهاية المطاف من تحقيق الهيمنة النووية في الشرق الأوسط.

موافقة مشروطة

رضائي ذكر أن كلًا من إسرائيل والمملكة العربية السعودية منحتا موافقة مشروطة لخطة العمل المشتركة الشاملة ولكنهما احتفظتا بالحق في إعادة تقويم قرارهما إذا فشلت إيران في الامتثال للاتفاق.

وبالتالي فإن سلوك إيران في المستقبل يمثل أهمية حاسمة في تشكيل الاستجابات الخاصة بكل منها. وقد برزت إسرائيل، الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك أسلحة نووية، بوصفها أبرز معارضي الاتفاق النووي.

وقال رضائي: «كما أراد ديفيد بن جوريون، فقد تم إنشاء الترسانة النووية الإسرائيلية لتوفير الردع ضد تهديدات الجيوش العربية. للحفاظ على هذه القوة الرادعة، احتكرت إسرائيل القوة النووية في المنطقة. ونتيجة لهذا الافتراض، تحت ما يسمى بعقيدة بيجن، قصف سلاح الجو الإسرائيلي المفاعل النووي العراقي في عام 1981 والمفاعل السوري في 2007«.

وتابع رضائي بقوله أنه بعد اكتشاف البرنامج النووي الايراني في التسعينات، شنت إسرائيل حملة متعددة الأوجه لمنع البرنامج النووي الإيراني. باستخدام مجموعة من الأدوات السرية، وأجهزة الاستخبارات، والعمل بمفردها أو مع الولايات المتحدة، سعت إسرائيل لكشف وتدمير البنية التحتية النووية الإيرانية.

جهود إسرائيلية

وعلى الصعيد الدبلوماسي، قادت تل أبيب حملة لفرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران. وبحلول عام 2009، ومع ذلك، خلصت حكومة الليكود المنتخبة حديثًا إلى أنه وعلى الرغم من بعض النجاح الذي حققته الإجراءات الإسرائيلية، فإن هذه التدابير قد تفشل في وقف تقدم إيران النووي.

بدلًا من ذلك، فإن نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك خططا لتنفيذ ضربة وقائية على منشأة طهران النووية. وفي عدد من المناسبات المختلفة بين عامي 2010 و2012، حاول نتنياهو وباراك إقناع الحكومة الأمنية بتوجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية، إلا أن الفشل كان حليفًا لهما بسبب الاعتراضات القوية من قبل الجيش الإسرائيلي، وقادة الاستخبارات وعدد من أعضاء مجلس الوزراء. بل وقال المعارضون أيضًا إن أي هجوم على إيران سيشكل تحديًا عسكريًا أكثر تعقيدًا، والذي لا يمكن تنفيذه دون مساعدة من الولايات المتحدة.

وذكر رضائي أن حكومة الليكود، مدفوعة للعودة إلى المسار الدبلوماسي، حثت الولايات المتحدة للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق يلزم إيران بعدم تخصيب أي وقود نووي، وهو موقف نظرت إليه إدارة أوباما على أنه غير واقعي، حيث أن معاهدة حظر الانتشار النووي تسمح لإيران بامتلاك برنامج نووي مدني.

وعلى الرغم من أن خطة العمل المشتركة الشاملة مثلت انتكاسة شديدة لإيران، فقد حشد نتنياهو اللوبي الإسرائيلي في واشنطن لهزيمتها في الكونجرس. وخلال حملة مريرة، اتهم نتنياهو وأنصاره من الأمريكيين إدارة أوباما بتعريض إسرائيل لمحرقة ثانية بيد إيران النووية.

ومع ذلك، فقد حقق الحرس الثوري الإيراني نقطة نجاح في القيود المتعلقة بخطة العمل المشتركة الشاملة بشأن الصواريخ الباليستية. في الأسابيع الأخيرة من المفاوضات، سعى المسؤولون الإيرانيون لتخفيف قرار مجلس الأمن رقم 1929، والذي نص على أنه «يجب على إيران عدم القيام بأي نشاط يتعلق الصواريخ الباليستية القادرة على حمل أسلحة نووية». أما قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 المؤرخ في 20 يوليو (تموز) 2015، الذي أيد الاتفاق النووي، فقد كان أكثر تساهلًا حيث «دعا إيران إلى عدم القيام بأي نشاط يتعلق بالصواريخ الباليستية التي صممت لتكون قادرة على حمل أسلحة نووية».

في الأساس، فإن القرار الجديد غير الملزم قانونيًا كما هو الحال مع خطة العمل المشتركة الشاملة، خلق ثغرة لإيران لاستغلال وتعقيد الجهود الرامية إلى تحديد أي نوع من الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية. وفقًا لنظام مراقبة تكنولوجيا القذائف، وهي مجموعة غير رسمية تعمل على تكنولوجيا الصواريخ ذات القدرة النووية، يمكن للصواريخ ذات مدى يبلغ ثلاثمائة كيلو متر وحمولة من خمسمائة كجم أن تحمل حمولة نووية.

بحسب رضائي، فإن صواريخ إيران البالستية التي يتم استخدامها في التجارب تنتهك بوضوح قرارات 1929 و 2231. وفي ديسمبر (كانون الأول)، أطلق الحرس الثوري صواريخ بالستية متوسطة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية.

الصواريخ البالستية

وغني عن القول، فقد أثار اختبار إيران للصواريخ البالستية رد فعل سلبي. وأشارت وسائل الإعلام إلى تصريحات قيادي في الحرس الثوري، التي أشار فيها إلى أن الصواريخ كانت تهدف إلى الوصول إلى إسرائيل. واقترح المعلقون أن المتشددين في إيران لم يتخلوا عن حلمهم في التغلب على الدولة اليهودية.

ولمواجهة تداعيات الاستفزاز الإيراني، عجلت واشنطن بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي فيما يتعلق بمضادات الصواريخ. ولزيادة الاستعداد للقتال، حافظت الولايات المتحدة وإسرائيل على مناورات مشتركة نصف سنوية تستمر خمسة أيام ضد التهديدات الإقليمية، بما في ذلك الهجمات الصاروخية.

ووفقًا لرضائي أيضًا، فقد ضاعفت إسرائيل الجهود الدبلوماسية والسياسية. وقدمت تل أبيب شكوى إلى الأمم المتحدة ومجموعة 5+1 حول ما وصفته بأنه تجاهل إيران للقرار 2231 وروح خطة العمل المشتركة الشاملة. وطالب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة في مجلس الأمن بمعاقبة إيران. وكان هناك بعض التعاطف مع الموقف الإسرائيلي بين مجموعة 5+1، إلا أن مجلس الأمن لم يتحرك، بسبب معارضة روسيا والصين.

وأوضح رضائي أن إسرائيل تسعى إلى معاودة إصدار قانون العقوبات على إيران، والذي من المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وإضافة مجموعة متنوعة من القيود الجديدة. وحذرت منظمات اللوبي الإسرائيلي مثل «متحدون لمناهضة مشروع إيران النووي» و«مشروع إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، الشركات والبنوك في الولايات المتحدة والخارج من التعامل مع إيران.

تقليص الفوائد الاقتصادية لخطة العمل المشتركة الشاملة سيؤثر على الخطاب الداخلي في إيران. المتشددون في طهران اتهموا بالفعل الرئيس روحاني بالتخلي عن جزء كبير من البرنامج النووي لبعض الفوائد الاقتصادية، وهو موضوع من المتوقع أن يهيمن على الانتخابات الرئاسية في عام 2017.

السعودية

وفيما يتعلق بالموقف السعودي، أشار رضائي إلى أن المملكة العربية السعودية، شأنها في ذلك شأن إسرائيل، لديها تاريخ طويل من الصراع مع إيران.

فعلى الفور وبعد أن استولى على السلطة في عام 1979، فقد شن النظام الجديد، الذي كان عازمًا على تقويض المملكة السنية، شن عمليات ضد الرياض ودول الخليج المجاورة. في أحدث مشروع لها، شجعت إيران على التمرد الحوثي في اليمن. وقد اتخذت الرياض أيضًا نظرة قاتمة من دعم إيران الثابت لبشار الأسد في سوريا.

وبالتالي، فليس من المستغرب أن النظام الملكي نظر إلى الطموح النووي الإيراني باعتباره مظلة واقية لمتابعة الهيمنة في المنطقة.

وأضاف رضائي أن استعداد الرئيس أوباما للتفاوض مع الإيرانيين قوبل بجزع كبير في الرياض. وإن كان أقل صخبًا بشكل علني من الحكومة الإسرائيلية، أشارت وثائق ويكيليكس ومصادر أخرى، إلى أن السعوديين كانوا محبطين جدًا من مبادرة أوباما.

بالنسبة للنخبة السعودية، كانت خطة العمل المشتركة الشاملة مؤشرًا على استعداد واشنطن للتسامح مع إيران التوسعية على حساب تحالفها التاريخي مع الدول العربية في الشرق الأوسط. وحث بعض المسؤولين المملكة لمتابعة التطورات النووية الإيرانية. على سبيل المثال، الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية السابق وعضو مؤثر في النخبة، أعلن أن الرياض لن تعيش في ظل وجود إيران مسلحة نوويًا. في عام 2011، ذكر أنه إذا تخطت إيران العتبة النووية، فإن المملكة العربية السعودية قد ترد ببناء قدراتها لتخصيب اليورانيوم.

رضاي ذكر أن المملكة العربية السعودية وضعت بالفعل الأساس للبنية التحتية النووية الخاصة بها. ومن المسلم به، أن برنامج الطاقة النووية يوفر البنية الأساسية لبرنامج الأسلحة السرية، خصوصًا إذا ما قررت الرياض تخصيب اليورانيوم الخاص بها. لكن مراقبين قالوا إن شراء تكنولوجيا التخصيب، أو الأفضل من ذلك، الأسلحة النووية من باكستان هو السيناريو الأكثر ترجيحًا. المملكة العربية السعودية لديها تاريخ طويل من التعاون مع باكستان.

وقال رضائي: «السعوديون لديهم مصلحة في إثبات أن الاتفاق النووي مع إيران سيؤدي إلى انتشار الأسلحة النووية. بعد أن اعترضوا على خطة العمل المشتركة الشاملة، وجد السعوديون أنه من المفيد أن يتم الكشف عن معلومات تعزز سيناريو انتشار الأسلحة النووية».

وأخيرًا ذكر أن السعودية قبلت تقلص دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتحول نظرتها تجاه إيران. في الواقع، هذا هو جوهر «عقيدة سلمان» المتطورة، والتي تتوخى أيضًا عزل إيران دبلوماسيًا.

واختتم بقوله أنه في الوقت الحاضر لا يوجد شيء في «عقيدة سلمان» يلمح إلى الانتشار النووي، ولكن اعتمادًا على التطورات في المستقبل، يمكن إدراج الخيار النووي.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد