لطالما كان الجهل أمرًا واقعًا على مر تاريخ المجتمع البشري، لم تكُن هناك قط معلومات كافية عن العالم وكيفية سَيره، وحتى عندما كانت توجد معلومات، لم يكُن يستطيع الوصول إليها سوى القليل من الناس. وكان يمكن لفروعٍ بأكملها من المعرفة أن تُصبِح مفقودةً أو راكدة ببساطة، مثل أغلبية العلوم والرياضيات في العصور المظلمة الأوروبية.

غيَّر الإنترنت ذلك كلَّه، فالبيانات في كل مكان، والمعرفة في أي موضوع ممكن مُتاحَة من خلال بضعة ضغطات زر. انتقلنا فجأة من كَوننا جاهلين بجهلنا، إلى كَوننا عُملاء مسرورين يكافحون ليجاروا المعلومات المحيطة بهم.

لن نتوقَّف أبدًا عن الانبهار بالمعرفة، وكذلك ليس علينا الاحتفاء بالجهل، ولكن لا يمكننا أيضًا علاجه. ولكن الطُلَّاب في حاجةٍ إلى تعلُّم كيفية التصفُّح – بمساعدة جيلٍ جديدٍ من المشاريع الناشئة المختصة بالتعليم – في عالمٍ تتوسَّع فيه جبهة المعرفة وتتغيَّر بسرعة. نحن في حاجةٍ إلى غرس فكرة التعلُّم المدفوع بالهدف والابتعاد عن نموذج التعلُّم بالتهام كل البيانات الموجودة في العالم.

أوقِفُوا الطوفان

 

عندما يصِف المثقَّفون البيانات في القرن الحادي والعشرين، يلجؤون غالبًا إلى تعبير «الفيضان» المجازي، واصفين به «اجتياح» البيانات أو «غمرها» لنا. لقد منحنا الإنترنت حقًّا فرصةً غير محدودة ومجَّانية تقريبًا للوصول إلى مجموع المعرفة البشرية بأكملها بطريقةٍ غير مسبوقة في التاريخ.

ولكن مجاز «الفيضان» لن يصمُد أمام الفحص السريع، والعميق رغم ذلك. فالبيانات لا تتدفَّق مُسرِعة نحونا بينما نكافح لنرسو فوق الطوفان، ولكنَّنا قد خلقنا أدوات مُتطوِّرة لتصفية تلك البيانات والعثور بينها على ما يهمنا أكثر من غيره. ومع ذلك ما نزال نشعُر أنَّنا غارقين وسط ذلك كلُّه، فنحن نقلق كثيرًا بشأن البريد الوارد التالي أو الرسالة النصية التالية لدرجة أنَّنا قد نشتري أجهزة خاصة نرتديها حول معاصمنا للتأكُّد من عدم تخلُّفنا عن الركب. وعلى صعيد العمل، ليس الوضع أفضل، إذ يشعر أغلبية المسؤولين التنفيذيين بالعجز عن التعامل مع تيار البيانات المتدفِّقة.

التحدِّي الذي يواجهنا أنَّ مُعظمنا في الحقيقة ليس مُتعلِّمًا جيِّدًا حقًّا، يمكننا بالطبع السعي وراء الحقائق وقراءة المقالات الإخباريَّة والتغريدات وتحليل المشاكل الصعبة. يمتلئ مجال البرمجيَّات على الأخص بالمتعلِّمين الذاتيِّين الذين باستطاعتهم تعلُّم المعمارية عالية المستوى لنظام كمبيوتر عملاق وتفاصيل التطبيق الدقيقة للغاية واللازمة لتشغيله. البيانات وفيرة، ويمكننا الاطِّلاع عليها كلها إن توافر الوقت الكافي.

ولكن البيانات ليست مَعرفة، والمَعرفة ليست حِكمة. أذكُر أنَّ أحد أصدقائي اعتاد أن يضغط على زر المقال العشوائي في موقع ويكيبيديا ويلتهم المقالات بأسرع ما يمكن، كان الكثيرون يعتبرونه ذكيًّا، بل وحتى عبقريًّا. ولكن البيانات كانت سطحيَّة، كانت تكفي لإجراء محادثة مع أحد المتخصِّصين، ولكن دون قدرةٍ على الانخراط بصورةٍ كاملة في الموضوع.

يمكننا الاطِّلاع على كل الحقائق الموجودة في العالم، ولا نستوعب مع ذلك ما يحدث حقًّا. يُعَدّ انتشار الصحافة التفسيرية ترياقًا جُزئيًّا لهذه المشكلة. ولكنَّنا ننتقل فقط من مرحلة البيانات إلى المعرفة، ولم نعثُر على الحِكمة بعد.

فجوة الجهل

وصَفَ أحد أساتذتي التعليم بالكَسر؛ بَسطُه المعرفة التي نعرفها عن العالم، ومَقامُه فهمنا لكل المعرفة التي توجَد في العالم. كان يقول إنَّ المدرَسة الابتدائيَّة تزيد من البَسط والمقام بقدرٍ متساوٍ، والجامعة تزيد من البَسط بمُعدَّلٍ أسرع قليلًا، مما يُشعِر الجميع بالثقة. والنُكتة أنَّ الحصول على درجة الدكتوراة يزيد من البَسط فقط، وهو ما يجعل الناس يشعرون بعد خمس سنوات إضافية أو أكثر في الجامعة بأنَّهم أكثر غباءً ممَّا كانوا عند التحاقهم بها.

أحد أسباب شعورنا بالغَرَق وسط كل هذه البيانات أنَّنا أصبحنا نعرف فجأة مقدار ما لا نعرفه عن العالم، فقد ازدادت مقامات كُسورنا الجمعيَّة بسرعة في العشرين عامًا الماضية، دون زيادة مُصاحِبة في قاعدتنا المعرفيَّة. فدائمًا ما تواجهنا قصصٌ لا نعرف عنها شيئًا، تحدث في دولٍ لم نعرف بوجودها من قبل.

علينا تقبُّل حالتنا الحالية؛ أنَّ جهلنا بالعالم سيظل دائمًا أكثر من معرفتنا به. إنَّ مجتمعاتنا مُعقَّدة للغاية وفترة حياة الإنسان قصيرة للغاية بما لا يسمح بأن نأمل حتى في محاولة سَدّ تلك الفجوة. علينا بدلًا من ذلك تقبُّل الجهل والتعامل معه بلُطفٍ، ولا يعني ذلك أنَّ علينا التمتُّع بجهلنا، ولكن لا ينبغي أن ننزعج لعدم معرفتنا بأحدث النزعات أو بعض الأخبار، ولا أن نحكُم على الآخرين بأنَّهم «أغبياء» لعدم معرفتهم ببعض الأخبار المزعومة المتداوَلة. نخشى أن نُجرِي مُحادثةً دون أن نكون على علمٍ بآخر الأخبار، ولكن ما الهدف من المحادثة إذا كان كل ما نتبادله هو الحقائق التي نعرفها بالفعل؟ تأتي الحِكمة عندما نزيد كلًا من البَسط والمَقام، نحتاج إلى أن نعرف ما الذي نعرفه، وأن نعرف ما يمكن معرفته عمَّا لا نعرف.

كيف علينا أن نتعلَّم؟

ازدادت منتجات التعلُّم المنشورة على الإنترنت ازديادًا هائلًا، سواء كانت مواقع توفِّر مكتبةً ضخمةً من المحتويات مثل ويكيبيديا، أو مساقات إلكترونية مفتوحة المصدر (MOOCs) تتضمَّن المزيد من التفاعلية مثل Udacity وCoursera. يمكننا اليوم تعلُّم أي موضوع نتخيله، والحصول بالطبع على التفاصيل والبيانات التي يُوفِّرها الإنترنت دائمًا. ولكن هذه الشركات قد بدأت بالكاد في بناء منصات للتعلُّم المدفوع بالهدف، وقد ركَّز الخطاب حول التعليم الإلكتروني في الحقيقة كثيرًا على المهارات والشهادات المعتَمَدة وآليات المساءلة، لدرجة أنَّنا أهملنا تنمية المهارة الأكثر جوهريةً، وهي ببساطة معرفة أي المعلومات ثمين للغاية في أحد المجالات، وأيها قيِّم فقط، وأيها عديم الفائدة.

نحن بحاجة إلى تنمية مُفكِّرين وليس مُعالجي بيانات، وذلك صعب جدًا في عالم يريد فيه الطُلَّاب الحصول فورًا على مهارات مفيدة تساعدهم على الحصول على مكافآت في مجال عملهم. انظروا إلى كل المشاريع الناشئة لتعليم الترميز، فهي تُغطِّي في العديد من مُقرَّراتها تدرُّجات CSS أكثر كثيرًا من اللوغاريتمات. ولكن تلك المواد الأكثر عُمقًا هي بالتحديد ما سيُميِّز الطُلَّاب الذين سيُصبِحون مُطوِّري برامج مُفكِّرين.

نحن نؤذي الطُلَّاب عندما نركِّز فقط على البَسط الذي يشمل المعرفة التي يعرفونها، بدلًا من المَقام الذي يشمل المعرفة التي يَعُون بوجودها في العالم. نحن نريد أن يعرف الطُلَّاب كيفية معالجة نموذج HTML أو إجراء تحليل للانحدار، ولكننا نريدهم كذلك أن يصبحوا مُتعلِّمين مُستقلِّين، أفرادًا ناضجين يعرفون متى يحتاجون إلى المساعدة وكيف يسعون للحصول على الإجابات التي يبحثون عنها.

سألتُ منذ أسبوعين لِمَ ما تزال الجامعة باقية؟ تكمُن الإجابة باختصار في قُدرتها على تعليم الطُلَّاب كلٍ من المعرفة والحِكمة. ليس هناك ما يمنع فعل ذلك من خلال الإنترنت أو الكُتُب، ولكن ذلك لم يحدث حتى الآن. تظل هذه من بين أكبر الفُرَص في مساحة التعلُّم المتاحَة أمام روَّاد الأعمال اليوم في مجال تكنولوجيا التعليم.

قد يكون المرء ذكيًّا للغاية، بل وحتى عبقريًّا في بعض الأحيان، ومع ذلك يكون سيئًا في التعلُّم العميق. لقد منحنا الإنترنت عِلمًا كُلِّيًا لم نحظَ به من قبل قط، وأصبحت لدينا فجأةً القُدرة على رؤية كل التفاصيل التي لا نعرف عنها شيئًا. نحن بحاجة إلى غرس مهارات تصفُّح ذلك العالم وتحمُّل الغموض والجهل، وأن نصبح مُتعلِّمين مدفوعين بالهدف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد