كشف تحليل استقصائي قامت به صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن شبكات التواصل الاجتماعي قوضت التحول الاجتماعي في مصر، وعملت على نشر الخوف بين أطياف المجتمع.

وأشار تقرير الصحيفة الأمريكية إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي لم تكن السبب الوحيد، والأكثر أهمية، الذي أدى إلى فشل التحول الديمقراطي في مصر، عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011.

وقالت صحيفة «واشنطن بوست» في مستهل تقرير خصصته للشأن المصري: «أصبحت ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر نموذجًا لنجاح استخدام الشبكات الاجتماعية لإسقاط نظام استبدادي راسخ. الأدب الشعبي، والأكاديمي نظر إليها باعتبارها نموذجًا لتأثيرات الشبكات الاجتماعية على السياسة المثيرة للجدل».

وأشار التقرير إلى أن نشطاءً من البحرين وتركيا وأوكرانيا وسانت لويس تعلموا وطبقوا أساليب الاحتجاج المصرية، مثل إقامة المخيمات في الأماكن العامة، وإعداد وسائل لمقاومة هجمات الشرطة، وتنظيم مواقع الاحتجاج وتوقيتاته على مجموعات فيسبوك، وسرعة نشر أشرطة الفيديو وصور الاحتجاجات على وسائل الإعلام.

لكن تقرير الصحيفة عاد ليقول إنه من الجدير بالملاحظة أيضًا أن محاولة مصر للتحول إلى الديمقراطية بعد إطاحة الرئيس حسني مبارك، انتهت باستقطابٍ سياسي عنيف، وانقلاب عسكري.

وتساءل التقرير بقوله: هل تسهم الشبكات الاجتماعية أيضًا في فشل تعزيز الديمقراطية؟ ماذا يعني هذا بالنسبة للمحاولات المستقبلية في التحول الديمقراطي؟

 

 

وتابع التقرير بقوله إنه ومن خلال تقرير جديد في سلسلة المدونات PeaceTech Lab، استخدمت الصحيفة الأمريكية في تحقيق استقصائي بيانات فريدة من تويتر وفيسبوك؛ لاستكشاف كيف ساهمت الشبكات الاجتماعية في نشر الاستقطاب والخوف في مصر، وتقويض مرحلتها الانتقالية.

الشبكات الاجتماعية، بطبيعة الحال، ليست السبب الوحيد، أو حتى الأكثر أهمية، في هذا الفشل، حسبما ذكر التقرير. لكننا نقول إن الشبكات الاجتماعية تتحدى تعزيز الديمقراطية من خلال تسريع وتكثيف الاتجاهات الخطيرة، مثل الاستقطاب، والخوف، وتجريد المنافسين من صفة الإنسانية؛ مما يجعل أولئك الذين يتعرضون لهذا المحتوى يواجهون ردود فعلٍ أكثر تطرفًا.

وفقًا للتقرير، فإن الشبكات الاجتماعية هي مناسبة بشكلٍ خاص لتفاقم الاستقطاب السياسي، والاجتماعي؛ بسبب قدرتها على نشر الصور العنيفة، والشائعات المخيفة للغاية، بسرعة، وبشكل مكثف خلال مجتمعات مغلقة نسبيًّا لها نفس التفكير.

التحقيق الاستقصائي للصحيفة الأمريكية طور مجموعتين من بيانات الشبكات الاجتماعية لمعرفة ما إذا كان هناك دليل عملي لهذه الديناميكية.

أولًا، اعتمد التحقيق على تطوير بيانات تويتر لمجموعة من التغريدات العامة التي تحتوي على كلمة «مصر» باللغة العربية، أو الإنجليزية، بين يناير (كانون الثاني) 2011، وأغسطس (آب) 2013. وهذا يشمل ما يقرب من 62 مليون تغريدة نشرها أكثر من 7 مليون مستخدم.

ثانيًا، إنشاء مجموعة من بيانات فيسبوك تستند إلى منشورات من الصفحات العامة. واختيار عينة بشكل عشوائي تشمل ألفًا من المشاركات في كل صفحة خلال عام واحد، امتد بين انتخاب الرئيس الأسبق «محمد مرسي» في يونيو (حزيران) عام 2012، وانقلاب يوليو (تموز) 2013، مقسمة إلى 26 أسبوعًا، ثم استخراج جميع التعليقات، وهي 593,428 في المجموع.

وذكر تقرير «واشنطن بوست» أنه بينما يستكشف ذلك التقرير قضايا مختلفة، فإن إحدى القضايا الديناميكية المثيرة للاهتمام بشكل خاص التي كشفها، هي كيف يؤثر تجمع مستخدمي الشبكات الاجتماعية بشكل غير متساوٍ على انتشار الخوف.

أهمية تحديد المجموعة غير السياسية

خلال الأيام العنيفة من الثورة، بدا أن الشبكات الاجتماعية ستوحد المصريين ممن ينتمون إلى تياراتٍ إيديولوجية متباينة حول هدف محدود مشترك، لكن ذلك لم يدم. مع مرور الوقت، شجعت الشبكات الاجتماعية المجتمع السياسي على تقرير المصير، وتكثيف التواصل بين أعضاء ينتمون لنفس المجموعة، مع زيادة المسافة بين الجماعات المختلفة.

 

البيانات التي جمعها التحقيق الاستقصائي من الشبكات الاجتماعية أتاحت تحديد عددٍ كبيرٍ من المجموعات، من بينها مجموعات تنتمي للنشطاء اﻹسلاميين، وغيرها من التيارات.

وكشف التحليل عن أربعة مؤشرات إحصائية لديناميكية تجميع الجمهور المصري عبر الإنترنت، ووجد أن مجموعات متماثلة فكريًّا، ولكن بعيدة سياسيًّا قد صنفت نفسها مع مرور الوقت: أصبحت مجموعات إسلامية متعددة مجموعة إسلامية واحدة، وأصبحت مجموعات متعددة لناشطين متعددين مجموعة واحدة، وهكذا دواليك.

وقال التقرير إن مجموعات الشبكات الاجتماعية تصبح أكثر انعزاليةً، وأقل انفتاحًا مع مرور الوقت.

أصبحت هذه التجمعات معزولة على نحوٍ متزايد مع مرور الوقت، تتبادل المحتوى بشكلٍ أقل، وتتفاعل بشكل أقل مع المجموعات الأخرى. زادت المسافة بين مجموعات الإخوان المسلمين والجمهور السياسي الأوسع، والنشطاء وحزب الكنبة بشكل ملحوظ، وخاصةً مع مرور الوقت بداية من يوليو (تموز) 2012، وحتى 30 يونيو (حزيران) 2013.

كيف تؤثر المجموعات في الخوف وتصورات العنف

بحسب التقرير، فإن واحدًا من الآثار السياسية لهذه المجموعات هي أنها كثفت من تأثير العنف الحقيقي، وغير الحقيقي، والصراع السياسي. بسبب التكتل، انتشرت الصور المخيفة عبر المجتمع السياسي المصري، وانتشرت بسرعة من خلال الشبكات الاجتماعية الموثوقة، بطرق زادت من تأثيرها.

كانت المجموعات المختلفة تتلقى الأحداث بطريقة مختلفة عن بعضها البعض، وتعرب عن غضبها في أوقات مختلفة وتحتفي بشهداء مختلفين. أطروحاتهم ووجهات نظرهم السياسية أصبحت على نحو متزايد، غير مفهومة، حيث تقاسموا معلومات أقل، وتفاعلوا بشكل أقل كثيرًا بطرق إيجابية.

 

كان الخوف متفشيًا.. ولكن فقط بين بعض الجماعات

تتبع التحليل انتشار الخوف من خلال نهج قائم على استخدام الكلمات الرئيسية ذات الصلة بالخوف، والعنف.

ولاحظ التحليل الاستقصائي أنه في أواخر يوليو (تموز) 2012، تصاعد استخدام مصطلحات من قبيل العنف، والخوف، والفوضى. كما اختلفت روايات العنف بشكل كبير من قبل مختلف المجموعات.

وأضاف التقرير أنه في ديسمبر (كانون الأول) 2012، على سبيل المثال، هذه الكلمات أدت لاشتباكات خارج القصر الرئاسي في الاتحادية، وهجمات شهدها شهر مارس (آذار) 2013 ضد مقرات جماعة الإخوان.

وأخيرًا، قال التقرير إن هذه الأدلة التي كشف عنها التحليل الاستقصائي مهمة، ليس فقط بالنسبة لمصر، ولكن لكل محاولة انتقال مستقبلية تتجلى في بيئة تتأثر كثيرًا بالشبكات الاجتماعية. الحشد على الإنترنت في مجتمعات لها ذات التفكير له عواقب في العالم الحقيقي لتعزيز الديمقراطية.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد