نشر موقع شبكة «بلومبرج» تقريرًا عن شركة «صودا ستريم» الإسرائيلية، تصفها فيه بالشركة التي تنشر السلام وتروج له، بينما يرى فلسطينيون أنها شركة تدعم أعداءهم، وتدعو حملات حقوقية لمقاطعتها. كل هذا في وقت تضاءلت فيه فرص السلام بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

التقت في التقرير عددًا من العاملين بالشركة، والذين يتميزون بتنوعهم الشديد، إلى حد قول مدير الشركة أنها نسخة مصغرة عن الأمم المتحدة؛ تضم يهودًا روسيين وإثيوبيين، وبدوًا وفلسطينيين ودروزًا، حتى إن أحد موظفيها من اليهود السود الذين يزعمون انحدار نسلهم من بني إسرائيل. يقع الجزء الأكبر من مصانع «صودا ستريم» في مدينة رهط في صحراء النقب، وتبلغ قيمة الشركة 1.5 مليار دولار، وتنتج أجهزة لصنع المياه الغازية في المنزل.

يبدأ التقرير بزيارة مدير الشركة «دانيل بيرنبوم» للمصنع، في نهاية يوم عمل وحينما كان المبنى – الذي يشغل 1700 شخص – على وشك أن يكون فارغًَا. يعمل بعض الموظفين على خطوط التجميع مقابل أجر إضافي، وعليهم جميعًا أن يحافظوا على ابتسامتهم في وجه المدير والصحفيَّين بصحبته. لكن الكاتب يصف مودتهم بالحقيقة والمتبادلة، فها هو مدير الشركة يمزح مع شروق القريناوي، الفلسطينية المحجبة ذات الملامح البدوية، ويصفها بأنها «أكثر من يحبه من الفلسطينيين».

دانيل بيرنبوم يخاطب الموظفين أمام مصنع الشركة في رهط.

يقول عنها بيرنبوم: «إنها امرأة مذهلة. هي فتاة بدوية تبلغ 22 عامًا، وهي من يدير المناوبة. إنها قائدة فريق. هل تصدق هذا؟ ماذا عن فريقك؟» يسأل المدير القرناوي، وترد بأنه يضم رجلين بدويين وفلسطينيًا وروسيًا ويهودية، ويضيف بيرنبوم أن جميعهم أكبر منها سنًا وهذا ما يجعلها هي المستقبل الحقيقي.

ارتفعت مبيعات الشركة بمقدار  22% العام الماضي لتصل إلى 2.9 مليون جهاز، وهي أجهزة صغيرة تخلط ماء الصنبور بثاني أكسيد الكربون لصنع أنواع مختلفة من المياه الغازية. قد يسعد مدير الشركة بالحديث عن المزايا العديدة لهذه الأجهزة، سواء في الحفاظ البيئة أو بسبب سر الخلط. لكن لم يكن هذا سبب زيارة صحفيي «بلومبرج»، خاصة بعد قرار ترامب، فقد جاؤوا لزيارة الرجل الذي يزعم أنه يروج للسلام، وليس فقط للمياه الغازية، والذي يقول أن طريقته يمكن أن تحل أحد أكثر صراعات العالم تعقيدًا.

لا يدعي بيرنبوم أنه يساري، فهو يؤمن بأن الضفة وغزة هما أرض اليهود تاريخيًا، مثله مثل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وأن إسرائيل حررتهما في حرب الأيام الستة عام 1967. يضيف أيضًا أن هذا الكلام غير مهم، فهو يفضل حل الدولتين، والذي تتنازل إسرائيل فيه عن معظم الأراضي للفلسطينيين. لكنه يبقى احتمالًا بعيدًا في رأيه، ما لم يتم التعامل مع مشكلة التوظيف العويصة التي يعاني منها الفلسطينيون، والتي تخلق الضغينة والعنف. ويشير التقرير أن البطالة في قطاع غزة وصلت 42%، وهو نفس معدل البطالة في الصومال. أما الضفة الغربية فيبلغ معدل البطالة فيها 18%.

يوضح التقرير أن الفلسطينيين الذي يعملون ليسوا راضين تمامًا، فهناك حوالي 117 ألف فلسطيني يذهبون يوميًا للعمل في إسرائيل وفي مستوطناتها. ورغم أنهم يجنون ضعف ما قد يجنونه في الأراضي الفلسطينية، إلا أنه يظل أقل مما يكسبه العمال اليهود من نفس الوظائف، كما يجب عليهم أن يقضوا ساعات على المعابر كل يوم، وبجانب أنها لا تحسب ضمن عملهم، فهم يلقون عادة معاملة مهينة من الجنود الإسرائيليين.

اقرأ أيضًا: 4 أفلام وثائقية قد تغنيك عن «كورس» في القضية الفلسطينية!

يرى بيرنبوم أن إسرائيل يجب أن تسمح للمزيد من الفلسطينيين بالدخول إلى إسرائيل ليعملوا في شركات مثل «صودا ستريم»، حيث يمكنهم أن يعملوا بجانب أقرانهم اليهود، أو حتى مديرين عليهم، وأن يحظوا بنفس المرتبات والمزايا. وذلك لأن العمال العرب واليهود يكتشفون ما هو لمشترك بينهم عندما يعملون سويًا، ويتوقفون عن النظر للآخر بطريقة سيئة. بمعنى آخر، أن العمل على السلام يجب أن يبدأ في مكان العمل.

يشير التقرير إلى الجانب الآخر من «صودا ستريم» وحملة بيرنبوم، حيث طالبت جماعات حقوقية بمقاطعة الشركة في السنين الأخيرة، وبحسب قولهم، فقد نجحوا عام 2014، عندما أعلنت الشركة عن إغلاقها مصنعًا لها في الضفة الغربية، والتي يرى الداعون للمقاطعة أنها جزء من الأراضي التي تحتلها إسرائيل بشكل قانوني. كما نالت القصة اهتمامًا إعلاميًا لأنها جاءت بعد ظهور سكارليت جوهانسون في إعلان للشركة أثناء مبارة «سوير بول».

أجهزة صودا ستريم أثناء حفل توقيع التعاقد مع سكارليت جوهانسون

بينما يعتقد بيرنبوم أن المقاطعة تضر الفلسطينيين أكثر مما تساعدهم؛ فقد المئات منهم وظائفهم بعدما أغلقوا مصنع الضفة الغربية ونقلوا مصنعهم إلى رهط. ويضيف: «فيم يفكر هؤلاء؟ أن الضفة الغربية يجب أن تجوع وأن الفلسطينيين يجب أن يبقوا بلا عمل؟ إن كرههم لإسرائيل أقوى من حبهم للفلسطينيين».

لكن بيرنبوم يقابل تعقيدات في حملته كما يقابل الصراع تعقيدات. فقد تنازع مع حكومة نتينياهو على فصل 74 من موظفي الشركة الفلسطينيين العام الماضي، والتي يراها طريقة نتنياهو لزيادة شعبيته بين مؤيديه اليمينيين، بينما وصفه مساعدو نتنياهو بأنه فنان استعراضي، وهو ما يقول الكاتب بأنه قد يكون صحيحًا، فمن الواضح أنه شخص يحب النزاع والشهرة التي تأتي معه. يقول عنه أحد مديريه السابقين كاميل سلاتس: «دائمًا ما يحب أن يكون النسخة العصرية من داوود الذي يحارب جالوت». كما أنه لا يستحي أن يستخدم محن الفلسطينيين العاملين لدى الشركة في الترويج لها ولمصالحها.

وفي حين يصعب حساب مدى تأثيره، إلا أن مبيعات الشركة قد أصبحت 4 أضعاف ما كانت عليه منذ عامين، حين كون المستهلكون صورة عن الشركة أنها صحية وعادلة. وهو ما يفسره رئيس شركة «إيفا دايمنشنز» بالقول: «لقد أصبح النضال جزءًا من حياة الناس، ليس فقط في الأعمال اليومية، بل في عاداتهم الشرائية والاستهلاكية. وتحاول الشركة أن تبقى على الجانب الصحيح، فتقدم نفسها على أنها علامة تجارية جديدة ومعاصرة وذات نية حسنة».

رحلة العمل اليومية

التقت «بلومبرج» نبيل بشارات، أحد العاملين الفلسطينيين بالشركة، لتسأله عن رأيه في حملة بيرنبوم. يفيق نبيل – 43 عامًا – كل يوم في الساعة الرابعة صباحًا، ويجاهد كي لا يفيق زوجته وأولاده النائمين في وقتها، ثم يؤدي صلاته، فهو مسلم وسطي كما يصف نفسه. يخرج بعدها من منزله في قرية جبعة الواقعة قرب مدينة رام الله في الضفة الغربية، ليسير على طريق شبه مرصوف حتى يصل محطة انتظار الحافلة. تستغرق هذه الرحلة في مجملها ثلاث ساعات، هذا إن نجح في المرور من المعابر الإسرائيلية.

يحول نبيل العبور يوميًا من معبر قلندية، هو والآلاف من الفلسطينيين. يقفون في صف واحد ليمروا من خلال كاشف المعادن، وصف آخر لفحص الحقائب، وثالث للكشف عن بصماتهم. ينتظرون بعدها إذنا من الجنود الإسرائيليين بالمغادرة، وقد يستمر الأمر كله لـ45 دقيقة يشوبها القلق. على الجهة الأخرى من المعبر، تنتظر الحافلات العمال حتى الخامسة والربع، تنطلق بعدها ولا يجد من يفوتها أجر يومه.

اقرأ أيضًا: «القدس عربيّة رغم أنف إسرائيل».. كيف يقاوم المقدسيون التهويد الممنهج؟

يقول نبيل: «يريد الجميع الخروج من هناك في نفس الوقت، أشعر وكأنني حيوان. هناك من توقفوا عن الذهاب لإسرائيل وقالوا إنهم لا يريدون هذا الكابوس. وأسأل نفسي أحيانًا: لم أفعل هذا؟ لكن هناك شيء ما يحفزني ويستحوذ على أفكاري». عمل نبيل في الشركة لسبع سنوات، ويدين لها بالولاء بشكل ما ويعتبر المصنع منزله.

لماذا يحب ابن الحاخام الفلسطينيين؟

ولد بيرنبوم في نيويورك لكنه ترعرع في كيبوتس وكان أحد جيرانه ديفيد بن جريون، وهو ابن حاخام محافظ ترك أوروبا الشرقية واتجه للولايات المتحدة هربًا من الهولوكوست. كان كسب المال يشغله منذ الطفولة، باع لزملائه بيتزا مصنوعة من الخبز المحمص والصلصة وشرائح الجبن.

وتذكر أمه أنه حاول في مرة بيع الحجارة لزملائه. حصل على شهادة إدارة الأعمال من جامعة هارفارد عام 1992، عمل بعدها لوهلة في «بروكتر آند جامبل» قبل أن يعود لإسرائيل. أنشأ فرعًا لشركة «بلزبيري» ثم ترأس لاحقًا شركة «نايكي» في بلاده، حيث زادت المبيعات بعدما قام بعدد من المفاجآت التسويقية، مثل الحفلة في محطة قطار الأنفاق القديمة في تل أبيب، والتي جذبت السياسيين ونجوم السينما والصحفيين الذين كتبوا عن الرئيس المتهور لفرع «نايكي» في إسرائيل.

صورة لبيرنبوم بصحبة العمال الفلسطينيين

يقول مديره السابق سلاتس أن الشركة كانت سترقيه بعدها، إلا أنه لم يكن يريد الرحيل عن إسرائيل. بدلًا من ذلك، تولى منصب المدير التنفيذي لشركة «صودا ستريم» في 2007. كان عمر الشركة في ذلك الوقت 104 أعوام، لكنها كانت على حافة الإفلاس قبل أن تشتريها شركة للأسهم الخاصة بقيمة 3 ملايين دولار.

أحيا بيرنبوم مبيعات الشركة، وكان من ضمن الأسباب الدعاية الملفتة، فقد انتقد شركتي «بيبسي» و«كوكاكولا» بسبب مخلفات القنينات، وهددت شركة «بيج كولا» بمقاضاته، وأعلن عن ذلك وهو سعيد به. يقول بيرنبوم: «كنا شركة إسرائيلية صغيرة ظهرت فجأة على الخريطة العالمية لتغير شكل صناعة كبيرة».

بعدما ارتفعت مبيعات الشركة، اضطر لجلب المزيد من الموظفين. تقدم عدد قليل من الإسرائيليين للعمل، فقررت الشركة تعيين فلسطينيين. يقول بيرنبوم «كان الإرهاب مستمرًا وقتها، وكان اليهود يظنون أن أي فلسطيني ستعينه سيفجر نفسه». لذا، وضع كاشفًا للمعادن، ورفض اقتراحًا بأن يكون ملزمًا للفلسطينيين فقط، وجعله للجميع. وتقدم ثلاثة موظفين إسرائيليين باستقالتهم لأنهم لا يريدون العمل بجانب العرب. ويقول بيرنبوم أنه تفاجأ بكفاءة العاملين الفلسطينيين، فـ«بعضهم لم يحصل على أي إجازة مرضية».

بعد ذلك بوقت قصير، كونت الشركة أكبر مجموعة مختلفة عرقيًا من العمال، قوامها 1400 عامل. كما كان سعيدًا للغاية باندماج الإسرائيليين والفلسطينيين في العمل رغم عدائهم التاريخي، ويقول بأنهم لم يعلموا ماذا فعلوا، فقد حدث الأمر دون تدخلنا.

تعرف بيرنبوم أكثر على الفلسطينيين في الشركة، وبدأ يخالجه شعور أبوي تجاههم. علم أن بعضهم لم ير البحر مطلقًا، فحصل على إذن من السلطات، أخذ بموجبه عددًا من حافلات الشركة المحملة بالموظفين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى الشاطئ في جنوب تل أبيب. يقول بيرنبوم «كان الأمر مضحكًا جدًا. فهم يسبحون بكامل ملابسهم – دون ملابس للبحر – ما يجعلهم يغرقون لامتصاص هذه الملابس جزءًا كبيرًا من الماء. بل حتى لا يعلمون كيف يسبحون».

قد يراه موظفوه غير مبال بمصائبهم بسبب تعليقات مثل هذه، لكنه يقوم أيضًا ببعض الأعمال الإنسانية التي تعزز ما ينادي به هو وموظفوه، والتي تثبت حقيقة اهتمامه وأنه لا يعامل الفلسطينيين على أنهم مفيدون للشركة فقط. بعد الرحلة إلى الشاطئ، عرض بيرنبوم أن يبني مسبحًا لنبيل و150 آخرين من العمال الفلسطينيين في الضفة، ليتعلموا السباحة فيه، لكن السلطة الفلسطينية منعت إقامته لأنها لا تريد أخذ مال من شركة إسرائيلية تعمل في الأراضي المحتلة، بحسب قول نبيل. أما مسؤلو السلطة فرفضوا التعليق على الأمر لـ«بلومبرج».

يشير التقرير إلى موقف آخر ظهر فيه حبه للأفعال ذات الدلالات الكبيرة وتحويل الأضواء تجاهه، وذلك حين دعى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بيرنبوم ليتلقى جائزة أفضل شركة تصدير. جلب معه ثلاثة من العمال الفلسطينيين كان من بينهم نبيل، لكنه صدم بتنحيتهم جانبًا وتفتيشهم بتجريدهم من ملابسهم، فطلب معاملته بالمثل، إلا أن الحراس رفضوا.

لاحقًا خلال الحفل، وحينما كانت الكاميرات تعمل، وجه كلمته لبيريز بالعبرية، قائلًا: «لقد أوضح لي هذا الحدث أهمية أن نسأل أسئلة أكبر من التصدير، ألا وهي: كيف نعامل – نحن البشر – بعضنا البعض؟». كانت فرصة كبيرة ليذكر العالم بتحمسه للسلام، وتهجمه من طريقة تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين. وينبه التقرير إلى أن مبيعات الشركة تتركز في أوروبا، التي يتعاطف فيها الناس مع الفلسطينيين أكثر من الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: ما الذي يدفع الإمارات للتطبيع مع إسرائيل بهذه السرعة؟

الجانب الآخر

قربت تلك الحادثة بيرنبوم من نبيل، لكن هذا لم يكن شعور كل الفلسطينيين. يسكن إسماعيل أبو زياد (27 عامًا) في أبو ديس، وكان قد عمل في مصنع «صودا ستريم» في الضفة الغربية حتى قبل إغلاقه بوقت قصير. كان يقدر حصوله على أجر ومزايا أعلى من المتوسط، لكنه كان يشعر بأنه يجعل الإسرائيليين أغنى، وهم من يعتبرهم أعداء شعبه. يعمل الآن مدرسًا للأحياء بمدرسة ثانوية، بنصف مرتبه سابقًا، لكنه لا يمانع فهو يشعر بأنه حر.

بعد لقاء عماد، اتجه الصحفيون إلى معبر قريب من القدس مستقلين سيارة أجرة، ترجلوا منها في الأمتار الأخيرة فباغتهم ثلاثة جنود إسرائيليين. رفع أحدهم – وهو إثيوبي بشعر مجدل – يمناه ليضعها على زناد سلاحه، قبل أن يتدخل جندي آخر ليفحص هوياتهم ويهدئ من الموقف. قال لهم الجندي: «لا يسمح بالمشي هنا، وعادة ما نوجه أسلحتنا صوب من يفعل ذلك». فسأل أحد الصحفيين «لماذا إذن لم توجهوا أسلحتكم صوبنا؟ ألهذا علاقة بمظهرنا الأوروبي؟»، ورد جندي آخر بأنه لو كانت بشرتهم أغمق قليلًا لفعل ذلك، ثم عاد لمكان حراسته.

بحسب التقرير، لم يحصل بيرنبوم على أي ثناء من الحقوقيين الفلسطينيين رغم وقوفه بجانب موظفيه، بل هاجموا الشركة بسبب مصنعها في الضفة الغربية.

تعد حركة «مقاطعة، سحب استثمارات، فرض عقوبات» المعروفة باسم «BDS» ألد أعداء الشركة، وتحاول الحركة إجبار إسرائيل على تسليم الضفة الغربية وغزة بأساليب تشبه الأساليب الناجحة لحركة مقاومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في الثمانينيات. وافق أحد مؤسسي الحركة على لقاء «بلومبرج» قبل أن يعلم بوجود صحفي إسرائيلي، ويلغي المقابلة.

أرسل عمر رسالة إلكترونية بدلًا من اللقاء، وقال فيها: «لعقود عدة، استمر التدمير الممنهج لقطاعي الصناعة والزراعة الفلسطينيين، فصادروا أراضينا الخصبة وآبار المياه الوفيرة، ثم فرضوا قواعد صارمة على حركة الأفراد منعت العديدين من الوصول لأماكن عملهم، فأجبر الاحتلال الإسرائيلي عشرات الآلاف من الفلسطينيين على هجر أراضيهم. لقد ساهم هذا في إجبار العمال والفلاحين على البحث عن وظائف في مشاريع الاحتلال في المناطق الاستيطانية. إنها علاقة قهرية تمامًا كما يقول التعريف».

نشرت الحركة مجموعة من الصور الساخرة على الإنترنت بعد إعلان جوهانسون المليء بالمرح عام 2014، منها صورة وهي تشرب المياه الغازية من الجدار العازل، وأخرى لجهاز «صودا ستريم» يصب دماءً. كما وضع المتظاهرون الأوروبيون ملصقات على الأجهزة الموجودة في المتاجر، يقولون فيها «كل جهاز يباع يقابله عائلة تقتل»، وقامت سلسلة بريطانية كبرى بسحب الأجهزة من فروعها.

تهاوت أسهم الشركة، ويرى البرغوثي أن هذا أثبت نجاح المقاطعة، أما بيرنبوم فيرى أن السبب كان هبوطًا عامًا في استهلاك المياه الغازية التقليدية. وفي كلتا الحالتين، فقد نقلت الشركة نشاطاتها من الضفة إلى رهط بداخل إسرائيل، وأعلنت عن تغيير نشاطها لتصنع أجهزة المياه الفوارة بدلًا من المياه الغازية المحلاة.

برغم اعتبار الحركة أن انسحاب «صودا ستريم» نصرًا عظيمًا، لكنها لم تتوقف عن الدعوة لمقاطعتها. السبب بحسب ما يقول البرغوثي، هو أن الشركة أقامت مصنعها الجديد على أرض سرقها الإسرائيليون من البدو، في «محاولة للتطهير العرقي ضد الإسرائيليين البدو ذوي الأصول الفلسطينية». لكن بيرباوم يرى أن هذا كلام مناف للعقل، وكذلك المسؤولون البدو. ففي 2015، أرسل عمدة رهط البدوي طلال القريناوي رسالة إلى لجنة من الكونجرس، يقول فيها إنه «يسعد» باستضافة المصنع، وأنه يود التأكيد على أنه «لا نزاع على الأرض المقام عليها المصنع، ولم يسبق أن كان عليها نزاع، رغم خطاب الكراهية المتداول في بعض وسائل الإعلام أحيانًا».

انخفض عدد العمال الفلسطينيين في «صودا ستريم» بشدة بعد انتقالها إلى رهط. لم يرد العديدون أن يقضوا ساعات عدة في السفر من الضفة الغربية وإليها كل يوم. كما لم يحصل بعضهم على تصاريح العمل، والتي قد تصدرها إسرائيل فقط للفلسطينيين المتزوجين ممن هم أقل من 22 عامًا ويملكون طفلين على الأقل.

لكن حتى هذا لم يضمن لـ74 فلسطينيًا – استوفوا الشروط وكانوا مستعدين للقيام بهذه الرحلة اليومية المؤلمة – أن يحصلوا على التصاريح، وحصلوا فقط على تصاريح مؤقتة، قبل أن يمنع نتنياهو تجديدها في عام 2016. ويقول بيرنبوم أنها كانت محاولة من إدارة نتنياهو للرد على حركة المقاطعة «BDS».

العمال الفلسطينيون بعد خسارتهم لمعركة التصاريح الأمنية

ويضيف: «أرادوا أن ألوم حركة المقاطعة على إغلاق المصنع والقول بأن هذه تبعاته، أن يخسر الفلسطينيون عملهم. لكن الفلسطينيين خسروا عملهم بسبب الحكومة الإسرائيلية». كما ينتقد الإدارة التي تلمح بأن حركة المقاطعة كان لها تأثير على «صودا ستريم»، ويكمل: «لا تنسب أي شيء لحركة إرهابية، فهم يقاتلون من أجل الاعتراف بتأثيرهم». ورفضت إدارة نتنياهو التعليق على الأمر لـ«بلومبرج».

نشرت الشركة بعدها مقطعا مصورًا على الإنترنت، يودع في بيرنبوم موظفيه الفلسطينيين، ويخبرهم ألا يصيبهم الكره والسخط بسبب طريقة معاملتهم، وأن يظلوا مؤمنين بالسلام. «حتى لو استسلموا فأنا لن أستسلم، وأنتم لن تستسلموا»، قالها مشيرًا بإصبعه كقائد عسكري.

حث بعدها الحكومة الإسرائيلية على استعادة التصاريح لعام ونصف العام. ثم حاول بعدها أن يقيم شركة للإنتاج في جبعة، بحيث يكون مالكها هو نبيل بشارات، بينما يأتي تمويلها بالكامل من «صودا ستريم»، وبهذه الطريقة لن تتهم الشركة بالعمل في الأراضي المحتلة مجددًا. لكنها فشلت بعد وقت قليل، ما جعل بيرنبوم يتساءل إن كان الفلسطينيون مستعدين لتولي مسؤولية كهذه. لكن لم تكن هذه المشكلة بحسب ما يقوله نبيل، فقد استدعاه أمن الدولة الفلسطيني، ليذهب للحديث مع ضابطين أخبروه بأنه لن يحب «وجع الرأس» المصاحب لهذا الأمر إن استكمله. فهم نبيل التحذير الذي «لا تحتاج أن تكون عبقريًا لتفهمه»، كما يقول.

في النهاية، لجأ بيرنبوم للقنوات الرسمية، والتي كان من ضمنها التهديد بنقل مصنع الشركة خارج البلاد. وفي مايو (أيار) 2017، أرسل للـ74 عاملًا الفلسطينيين يخبرهم بأنهم سيعودون قريبًا للعمل. ولا زال نبيل يحتفظ بتلك الرسالة على هاتفه، ويقول إنه كان سعيدًا بعد تلقيها لدرجة أنه لم يستطع النوم لأيام.

بينما تبني الآن، الشركة مبنى للزوار تستضيف فيه الأوروبيين والأمريكيين ليروا التناغم بين العرب واليهود في المصنع. كما يحاول بيرنبوم أن يعين عمالًا من غزة المحاصرة، ويجري محادثات مع الصليب الأحمر ليتوسط لدى الحكومة الإسرائيلية في هذا الأمر. ويقول: «سنتحمل تكاليف نقلهم، ونعينهم، ونمنحهم رواتب إسرائيلية، ما يعني أنهم سيكونون من أصحاب الملايين في غزة».

ينتهي التقرير بالقول إن السلام الحقيقي يبقى بعيدًا. فبعدما أصدر ترامب قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لم يخرج حديث نبيل ورفاقه على المعبر عن هذا الموضوع. إذ يقول نبيل: «أكبر مخاوفنا هي أن يؤدي هذا لجولة جديدة من العنف، عنف من الجانبين»، لكنه يقول إن قرار ترامب لم يقسم العاملين في المصنع، ويكمل بالقول: «يرى الجميع أنه لم يكن ضروريًا». ويختم: «آمل أن أرى هذه المدينة عاصمة للجميع، للمسلمين والمسيحيين واليعود والدروز. لا يهم من تكون».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات