طلبت إدارة بايدن من شركائها في منطقة الخليج وأماكن أخرى الضغط على الجنرالات في السودان – الذين نفذوا انقلابًا قبل أيام – للإفراج عن السجناء، بمن فيهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وإعادة الحكومة المدنية، وذلك في ضوء محدودية النفوذ الأمريكي على زعيم الانقلاب الجنرال عبد الفتاح البرهان وقادة عسكريين آخرين، وكثير منهم تربطهم علاقات وثيقة بالسعودية والإمارات، حسب ما جاء في تحليل للدكتور جيمس دورسي، الصحافي والباحث في معهد الشرق الأوسط التابع لجامعة سنغافورة الوطنية.

استثناء في دليل الثورات المضادة

يقول دورسي في مستهل تحليله المنشور في مجلة «جلوبال فيليج سبيس»: إن السودان هو الاستثناء من القاعدة في دليل الإمارات للثورات المضادة. وعلى عكس ما فعلته في مصر أو اليمن، حيث بذلت جهودًا مضنية للمساعدة في دحر إنجازات الثورات الشعبية، فَرِحت الإمارات برحيل الرئيس السوداني عمر البشير.

كان الجيش السوداني قد أطاح بالبشير في أبريل (نيسان) 2019، إذ طالبت الاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للحكومة بتغيير النظام. وضمن الجيش أن تميل الترتيبات الانتقالية لتقاسم السلطة – الذي جرى التفاوض بشأنه مع الجماعات السياسية، ومجموعات المجتمع المدني – لصالحه.

Embed from Getty Images

واتفقت الإمارات والولايات المتحدة في ذلك الوقت على أن الوقت قد حان لرحيل البشير. إلا أنهما اختلفتا على الأرجح حول من يجب أن يخلفه؛ فقد دفعت الولايات المتحدة من أجل الانتقال إلى ديمقراطية يقودها المدنيون، بحسب تحليل دورسي.

توظيف نفوذ الإمارات

وأشار الكاتب إلى أن قادة الإمارات رفضوا مرارًا الديمقراطية نموذجًا مناسبًا للحكم. وهذا لم يمنع إدارة بايدن، التي علَّقت 700 مليون دولار أمريكي من المساعدات للسودان في أعقاب انقلاب الشهر الماضي، من الاعتماد على الإمارات للضغط على قادة البلاد العسكريين لاستعادة الهيكل الانتقالي. واستجابةً لذلك يُعتقد أن الإمارات أقنعت الجيش بالإفراج عن رئيس الوزراء المخلوع عبد الله حمدوك، الذي كان قد احتجزه الانقلابيون في البداية.

دولي

منذ شهر
معركة لا يمكنها خسارتها.. لماذا تدعم موسكو انقلاب السودان؟

ونقل الكاتب عن مسؤول أمريكي قوله: «نحن نركز حقًا على إشراك الإماراتيين، الذين لديهم علاقة مع الجنرال البرهان، وتوظيف هذا الانخراط على المدى القصير مستخدمين مصداقيتهم مع الجنرال البرهان للإفراج عن الذين أُلقي القبض عليهم»، وكان المسؤول يشير إلى عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني الذي استولى على السلطة الشهر الماضي.

وكانت السعودية والإمارات، اللتان أرضاهما إرسال البشير لآلاف الجنود السودانيين لدعم تدخل دول الخليج في اليمن، قد دعمتا نظامه لفترة طويله باستثمارات ودعم مالي بقيمة مليارات الدولارات. ومع ذلك فقد شعرتا بالاستياء المتنامي إزاء فشل البشير في العمل على الإيفاء بالوعود التي قطعها بالانفصال عن قاعدة دعم الإسلاميين ومؤيديها، المتمثلة في تركيا وقطر، بحسب دورسي.

وأصبح تصميم الرئيس على التزام الحياد أكثر إزعاجًا بعد إعلان الإمارات، والسعودية، ومصر، والبحرين، في عام 2017 مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية لقطر بسبب دعمها المزعوم للإسلاميين.

كيف يواجه السودان الأزمة؟

وأوضح دورسي أن رفض البشير تنفيذ ما تريده الإمارات أدى إلى وقف الأخيرة إمدادات الوقود والمساعدات المالية للسودان في عام 2019، الأمر الذي فاقم بدوره الأزمة الاقتصادية التي كانت تغذي الاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للحكومة. وكان قطع الدعم هو الخطوة الأولى التي اتخذتها الدولة الخليجية نحو دعم تغيير النظام حتى لو فضَّلت بديلًا يسيطر عليه الجيش بدلًا عن الجماعات السياسية والسياسيين.

Embed from Getty Images

وقد كان ذلك على الأرجح أحد الأسباب الرئيسة وراء امتناع الإمارات ومصر حتى الآن عن إدانة الانقلاب العسكري، والذي قضى على العنصر المدني للسيد حمدوك في هيكل الحكم الانتقالي. وبصفته معارضًا شرسًا لهيمنة الجيش السوداني المدعومة من الإمارات على القطاعات الحيوية للاقتصاد، فقد كان حمدوك بمثابة شوكة في خاصرة القوات المسلحة.

حصن ضد الإسلاميين

ولفت الكاتب إلى أن الخارجية الإماراتية شدَّدت في بيان عقب الانقلاب على «ضرورة الحفاظ على المكاسب السياسية والاقتصادية التي تحققت.. والحرص على رؤية الاستقرار في أسرع وقت بما يحقق مصالح وتطلعات الشعب السوداني في التنمية والازدهار»، حسب ما ذكرت «وكالة أنباء الإمارات الرسمية (وام)».

ويمثل تلك التطلعات، في رأي الإمارات، الجنرال البرهان والجنرال محمد حمدان دقلو «حميدتي»، قائد قوات الدعم السريع سيئة السمعة التي تربطها علاقات طويلة الأمد مع الإمارات والسعودية. وقد نجح الرجلان في إبراز نفسيهما على أنهما حصن مناهض للإسلاميين.

كواليس دعم إطاحة البشير

وأضاف الكاتب أن الإماراتيين أشاروا في وقت مبكر إلى دعمهم لإسقاط البشير في اتصالات عام 2019 مع عناصر من المعارضة والقوات المسلحة في وقت كان يفكر فيه الجيش والقوات شبه العسكرية في إطاحة الرئيس والسيطرة على السلطة. وقد افترض المسؤولون الإماراتيون أن الجيش وقوات الدعم السريع ستظهر بوصفها قوة مهيمنة في السودان الجديد.

Embed from Getty Images

ثم زار صلاح قوش، رئيس المخابرات السودانية، معارضي البشير المسجونين في الوقت نفسه تقريبًا لالتماس دعمهم لتغيير يديره الجيش. وأفادت تقارير – بحسب دورسي – أن قوش أخبر القادة المسجونين بأنه جاء للتو من أبوظبي، حيث أكدوا له أن الإمارات ستدعم إطاحة البشير من خلال إعادة شحن الوقود، وتقديم المساعدات المالية لحكومة جديدة.

وقد رفض البشير حلًا للأزمة تدعمه الإمارات ويحفظ ماء وجهه، وهو ما كان يسمح له بالبقاء في السلطة لفترة انتقالية تعقبها انتخابات. وكان الاتفاق يتطلب من الرئيس التنازل عن قيادة حزب المؤتمر الوطني الذي ينتمي له، وعدم السعي إلى إعادة انتخابه.

تحالف الإمارات والسعودية

ونوَّه الكاتب إلى أن الإمارات والسعودية سارعتا إلى التعهد بتقديم 3 مليارات دولار في شكل مساعدات عندما أقال الجيش أخيرًا البشير من منصبه في أبريل 2019. وفي المقابل سارع القادة العسكريون السودانيون، بمن فيهم الجنرال حميدتي، بالتعهد بإلغاء قرار حمدوك سحب القوات السودانية من اليمن.

واستفادت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع من نشر أفراد عسكريين للقتال إلى جانب القوات المدعومة من الإمارات والسعودية في ليبيا واليمن، حيث يمثل الجنود السودانيون غالبية القوات البرية للتحالف المناهض للحوثيين.

عربي

منذ سنة واحدة
«ميدل إيست آي»: كيف تستغل الإمارات شباب السودان لتأمين مصالحها في اليمن وليبيا؟

وسعى نائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، شقيق ولي العهد والرجل القوي محمد بن زايد ومالك نادي مانشستر سيتي، في أعقاب إقالة البشير مباشرة إلى حشد دعم المعارضة والمجموعات المتمردة للاستيلاء على السلطة.

وتزعم مصادر سودانية أن الجنرال عبد الغفار الشريف، المقيم في أبوظبي، والرئيس السابق للمخابرات السودانية، قد ساعد الشيخ منصور في الخفاء.

تعزيز المصالح الإماراتية

وتطرَّق الكاتب إلى التحول السريع في سياسة الإمارات نحو تعزيز المصالح الإماراتية بغض النظر عن مدى تأثير ذلك على الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في السودان. وكان أحد الأهداف المباشرة يكمن في تسهيل اعتراف السودان بإسرائيل على خطى الإمارات في إقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة اليهودية، حتى ولو عارض الكثير من النخبة السياسية، وشرائح كبيرة من الشعب تلك الخطوة.

وكذلك عملت التسهيلات الإماراتية على توسيع الفجوة بين الجناحين العسكري والمدني لهيكل الحكم الانتقالي في السودان. ورتبت الإمارات لعقد اجتماع سري في أوغندا في فبراير (شباط) 2020 بين الجنرال ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو دون إشراك نظيره السوداني حمدوك.

Embed from Getty Images

وحذر المحلل السياسي محيي عمر قائلًا: «إن انخراط إسرائيل الحصري مع الجيش السوداني يضفي الشرعية على سعي الجيش للبقاء في السلطة ويضعف المكون المدني للحكومة… وربما تكون إستراتيجية إسرائيل لبناء تحالفات قوية مع الأجهزة العسكرية والأمنية قد نجحت في بعض دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط. ومع ذلك من غير المرجح أن ينجح هذا النهج في السودان».

وألمح الكاتب إلى أن تسهيل الإمارات لعلاقة سودانية ـ إسرائيلية تزامن مع العلاقة الإماراتية مع إسرائيل، لافتًا إلى أن خطوة التراجع عن الدفع الكامل لحزمة مساعدات ما بعد البشير البالغة 3 مليارات دولار يبدو أنها تهدف إلى تقوية يد الجيش والجنرال حمديتي على حساب هيكل الحكم المدني.

وفي الوقت نفسه، وبدلًا عن المساعدة في توفير بيئة تكفل تكافؤ الفرص، ضمنت الإمارات عدم وجود مصلحة للجيش في تحول ديمقراطي يضع العسكريين تحت السيطرة المدنية، ويحد من قدرتهم على تحويل إيرادات الدولة إلى حسابات في البنوك الإماراتية.

تحذير متجدد

ولفت دورسي إلى أن إبراهيم البدوي، المسؤول السابق بالبنك الدولي، أطلق اتهامات في حديثه قبل أسابيع من استقالته من منصب وزير المالية السوداني في يونيو (حزيران) 2020 بأن عائدات تصدير اللحوم إلى السعودية تذهب إلى جيوب العسكر في حين تجمع شركة مقرها سويسرا إيرادات سلطات الطيران المدني وتحوِّلها إلى حساب في الإمارات.

وأكَّد البدوي أن ما يقرب من 200 شركة يسيطر عليها الجيش مع عائدات تقدر بنحو 2 مليار دولار والتي ينبغي أن تتدفق إلى خزائن الدولة لم تزل خارج اختصاص وزارته.

ورجَّح الكاتب أن يكون وصف البدوي للحالة في ذلك الوقت أحد العوامل التي دفعت مجموعة الأزمات الدولية للتحذير من أن الفشل في دعم حمدوك «يمكن أن يُعرِّض عملية الانتقال الديمقراطي للخطر، مع عواقب مأساوية على شعب السودان والمنطقة».

ويختم دورسي تحليله بالإشارة إلى أن المجموعة أصدرت تحذيرها قبل أربعة أشهر من الانقلاب، وهو تحذير يُدَوِّي اليوم مع دعوة الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والولايات المتحدة، وحتى السعودية إلى العودة إلى الحكم المدني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد