أدَّى الخوف من أن يُضعِف الإصلاح السياسي قبضة الجيش على المجتمع السوداني إلى الانقلاب، حسب ما يخلُص أحمد أبو دوح في تقريره الذي نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية.

يستهل الصحافي المختص في شؤون الشرق الأوسط تقريره بإلقاء الضوء على مشهد اعتقال الوزير السوداني في الحكومة المُنحلَّة خالد عمر، إذ لم تكن الساعة قد تجاوزت الثالثة والنصف صباحًا عندما جاء الجنود إلى منزله. ولما رأتهم نجلة الوزير هرعت إلى غرفة والديها لتحذير والدها، مع خوف يعلو وجهها الطفولي الصغير.

حالة من الفزع

يوضح التقرير أن الجنود كانوا يرتدون ثياب مدنيين ومُدَجَّجين بالسِّلاح. ودفعوا الباب وانتشروا على الدرج في تشكيلٍ هجومي كما لو كانوا يحرِّرون حصنًا عسكريًّا من أيدي غزاةٍ أجانب في معركةٍ مجيدة. كان الوزير في حالة من الفزع. ولم يمضِ سوى عامين على اختياره وزيرًا في الحكومة الانتقالية في السودان، ومن ثم شَهِد انهيار الشراكة التي كانت مع الجنرالات العسكريين.

ولم تسمع ابنته، التي رأت جيشًا جرَّارًا قادمًا من أجل إلقاء القبض على والدها، سوى جنود يصرخون على والدتها أميمة النيل ويأمرونها بالدخول إلى المنزل. تقول أميمة لصحيفة «الإندبندنت»: «لقد رفضوا التعريف بأنفسهم، وكل ما قالوه لخالد هو: تعالَ معنا. وعبثًا سألتُهم من هم، لكن ما مِن مجيبٍ».

وتابعت: «كانت بناتنا الثلاث يشعُرن برعبٍ شديد؛ إذ شاهدن عدد الأسلحة والقوة الكاسحة التي جاءت للقبض على زوجي ووالدهم، الذي كان أعزلَ، ولم تكن معه أي حراسة أمنية». وقالت والألم يعتصرها: «لا أعرف حقًّا مكان وجوده، ومن هم هؤلاء الأشخاص الذين أخذوه من بيننا».

السطور الأخيرة للاتفاق

وأشار التقرير إلى أن خالدًا لم يكن وحده في هذا الوضع. ففي وقتٍ مبكرٍ من صباح ذلك اليوم، الإثنين، اعتقل الجيش عددًا من القادة السياسيين البارزين في السودان، وكان من بينهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، في إطار انقلاب بعد عامين من إدارة حكومة ائتلافية مدعومة من المدنيين تشكلت في أعقاب اتفاق انتقالي عندما أطيح بالديكتاتور عمر البشير في عام 2019.

ووفقًا لهذا الاتفاق، يرأس جنرال عسكري مجلس السيادة حتى العام المقبل، ثم تنتقل السلطة إلى المدنيين. لكن الأحداث التي وقعت يوم الإثنين كتبت السطور الأخيرة في فصل الاتفاق الذي أُبرِم قبل عامين.

عربي

منذ شهر
«الجارديان»: بذور نُثِرت بعد سقوط البشير.. هل تقف مصر والإمارات وراء انقلاب السودان؟

وبرر الجنرال عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، وهو أعلى منصب عسكري-مدني في السودان، خطوة يوم الإثنين بقوله إن الاقتتال بين الفصائل على المكاسب السياسية قد شل الاقتصاد وعطَّل الخدمات الأساسية. وتعهَّد بإدارة البلاد حتى الانتخابات العامة في يوليو (تموز) 2023 وقيادة السودان خلال مرحلة انتقالية جديدة ستسفر عن حكم ديمقراطي.

ولفت الكاتب إلى أن آلاف المتظاهرين خرجوا إلى الشوارع بعد الإعلان رفضًا للانقلاب، ولقي سبعة على الأقل مصرعهم وأصيب المئات في اشتباكات مع الشرطة.

وصفة للاضطرابات

ونوَّه الكاتب إلى أن مراقبين عدة في السودان توقعوا انقلاب الجيش، ويقولون إن تنفيذ بعض البنود الواردة في اتفاق تقاسم السلطة كان وصفةً للاضطرابات.

ونقلت الصحيفة عن عثمان ميرغني، الصحافي المخضرم والمحلل المستقل الذي يقيم في الخرطوم، قوله إن: «الاتفاق ينصَّ أساسًا على بناء مؤسسات معينة لدعم المرحلة الانتقالية ويميِّز بعض العلاقات بينها. ولكن هذه المؤسسات لم ترَ النور قط، وانتهى بنا الأمر إلى بلدٍ تديره الحماقات اليومية للأفراد الذين يتولون قيادة العملية الانتقالية، وليس المؤسسات».

Embed from Getty Images

وقال أندرو ياو تشيي، وهو باحث كبير في المعهد النرويجي للشؤون الدولية، إن: «الاتفاق الانتقالي نفسه كان دائمًا ضعيفًا. وفي الواقع، كان تحقيق عديد من البنود في إطار الاتفاق الفعلي أمرًا صعبًا». ويقول المحللون إن الجيش يقدِّم سرديات تستهدف تقويض حكم المدنيين والنَّيل من سمعتهم في القدرة على الحكم الرشيد وتحسين مستويات الحياة بمفردهم. يضيف تشيي: «كان هذا متوقعًا بعض الشيء؛ لأنه كان من الممكن أن تكون هناك دائمًا مشكلة عندما يتعلق الأمر بتسليم السلطة».

بصمات الجيش

وتطرَّق التقرير إلى أن كثيرين في السودان يعتقدون أن بصمات الجيش واضحة على الاحتجاجات والاعتصامات التي تطالب بمنح العسكريين تفويضًا للعودة والحكم المطلق، بعد محاولة انقلاب سابقة قبل شهرٍ واحدٍ فقط. وقد أعلنت قبائل البجا العصيان المدني في شرق السودان، وأغلقت الطرق المؤدية إلى الميناء الرئيس على البحر الأحمر، الأمر الذي أدَّى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، وطالبت أيضًا بالسيطرة العسكرية.

وأكَّد الكاتب أن الانقلاب العسكري قد أجَّج الأحقاد بين الجانبين. فبعد الانقلاب الفاشل مباشرة، اتهم الجنرال محمد حمدان دقلو، نائب رئيس مجلس السيادة، المعروف أيضًا باسم حميدتي، القادة السياسيين بتجاهل المواطنين و«الاقتتال على المقاعد وتقسيم المناصب».

والواقع أن حميدتي، الذي يرأس أيضًا قوات الدعم السريع سيئة السمعة، كان محبطًا وغاضبًا بسبب تصاعد الضغط من مقترحات السياسيين المدنيين لإصلاح الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى.

«إما نحن أو هم»

وأضاف الكاتب أن الجنرالات شعروا برغبة لدى قوى الحرية والتغيير، أكبر تحالف سياسي في الحكومة، في إضعاف الجنرالات فعليًّا. وكان من المقرر أن يظهر المثال الأوضح لإضعاف قبضة الجيش على البلاد في خطوة نقل السلطة لقادة قوى الحرية والتغيير في العام المقبل. وكان مستقبل البرهان في قلب الجدل، إذ إن الانتقال إلى الحكم المدني سيعني أن البرهان وحميدتي، اللذين كانا رئيسين للمكتب الأعلى، سيضطران إلى قبول خفض رتبتيهما.

قال ميرغني: «إن النزول من منصب رفيع إلى رتبة أدنى أو من زعيم البلاد إلى مجرد عضو في المجلس هو تقليديًّا ليس خيارًا بين الجنرالات العسكريين في السودان». وأوضح: «لقد فهم البرهان أن مثل هذه الخطوة تعني أن على الجيش أن يستبدله بوصفه قائدًا أعلى وإبعاده عن الحياة السياسية»، مضيفًا أن «هذه هي المشكلة الأساسية، لأن البرهان لم يكن بالتأكيد مستعدًا للتقاعد والمضي قدمًا. وكان هذا الخيار لا يمكن تصوره».

Embed from Getty Images

ومن ناحيةٍ أخرى، هيمنت الاحتكاكات على أعضاء مؤيدي الديمقراطية. وسارع الجنرالات إلى الإشارة إلى أنه بدلًا من مطالبة الجيش بإعادة الهيكلة، ينبغي عليهم أيضًا إجراء إصلاح داخلي كبير. وأشار ميرغني إلى أنه «كان من الغريب رؤية سياسيين يطالبون بإصلاح عسكري وهم غير منظمين ويفتقرون إلى الشرعية في شكل برلمانٍ منتخب».

وقال: «اقتراحهم سيؤدي إلى تحويل الجيش السوداني إلى شيء مشابه للجيش العراقي، جيش تديره فعليًّا المليشيات». وفي نهاية المطاف، أسفر المأزق عن سياسة تتسم بالخوف المتبادل؛ فمن جهةٍ شعر الجنرالات بالرعب والخوف بسبب زحف الديمقراطيين على مكانتهم التاريخية بوصفهم «أوصياء» على الأمة، كما صاغها البرهان نفسه ذات يوم. ومن جهةٍ أخرى، كان المدنيون ينتابهم شعورٌ دائمٌ بالقلق إزاء طموحات الجنرالات، مثل حميدتي، الذين يتوقون إلى استعادة السيطرة والحيلولة دون محاكمتهم بتهمة ارتكاب فظائع في دارفور وقتل المتظاهرين أثناء الانتفاضة ضد البشير.

يقول المحللون إن حكام السودان عاشوا في ظل «عقلية إما نحن أو هم». وكتب كاميرون هدسون، الرئيس السابق لمكتب المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى السودان في وزارة الخارجية الأمريكية، قبل الانقلاب، قائلًا إن الوجود السياسي للسودان كان يحدده دائمًا نهج «الفائز يحصل على كل شيء»، وهو الأمر الذي طالما فهمه الزعماء الديمقراطيون بوصفه دافعًا محتملًا لاستيلاء الجيش على السلطة.

وينقل التقرير في الختام تعليق أميمة، زوجة خالد عمر، بأن زوجها كان يعارض الحكم العسكري بلا هوادة. وقالت: «كان خالد يتوقع دائمًا حدوث انقلاب عسكري وكان يقول إنه إذا لم يتحد الشارع وقوى الحرية والتغيير، فسوف يتولى الجيش زمام الأمور».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد