استعرضت صحيفة «الجارديان» البريطانية في تقرير نشرته مؤخرًا تجربة السويد في مكافحة عدم المساواة الاجتماعية، وخطتها الطموحة لخلق مدن تقل فيها الفجوة بين مواطنيها، وتمنح فيها الدولة إعانات كافية للأسر الفقيرة وتتكفل بحاجاتهم الاجتماعية.

ونقل تقرير الصحيفة البريطانية عن كارل مولر الذي ظهرت صورته في ملصق ظهر فيه الرجل الوحيد بين 12 امرأة تحمل كل واحدة منهن طفلًا على ذراعيها، نقل عنه قوله: «أنا لست معتادًا على ذلك، ولكنها تجربة جيدة – تمامًا عكس أماكن العمل الهندسية التي يهيمن عليها الذكور، التي اعتدت عليها».

تمتلك السويد الآن 178 مليارديرًا يمتلك كل منهم مليار كرون – بزيادة قدرها 22 مليارديرًا منذ عام 2015، كما وجدت دراسة استقصائية في العام الماضي. وهم يملكون معًا أكثر من ضعف الميزانية السنوية للدولة السويدية.

أشار التقرير إلى أن مولر البالغ من العمر 45 عامًا، هو جزء من برنامج واسع النطاق في مدينة جوتنبيرج السويدية لخلط الطبقات الاجتماعية، والأجناس والأعراق لجعل المدينة الثانية في السويد مكانًا أكثر مساواة للعيش.

تهدف «المراكز العائلية» المتكاملة الجديدة، مثل هذه المراكز التي افتتحت في مارس (آذار) الماضي، إلى توجيه الدعم للأسر التي هي في أشد الحاجة إليها. «من المهم بالنسبة لنا أن نكون في مناطق مختلطة لخلق المزيد من المساواة»، هكذا تقول مديرة البرنامج هيلين أنتونسون.

اقرأ أيضًا: لماذا تعد السويد أفضل بلد في العالم للنساء؟

جوتنبيرج متساوية

وفقًا للتقرير، فإن جوتنبيرج، والسويد ككل، تأخذ قضية المساواة على محمل الجد. وقد اعتبر البلد، الذي يحتل المرتبة الأولى من بين 152 بلدًا في الالتزام بمؤشر منظمة أوكسفام (اتحاد دولي لـلمنظمات الخيرية التي تركز على تخفيف حدة الفقر في العالم) الجديد للحد من عدم المساواة، في جميع أنحاء العالم منذ زمن طويل نموذجًا للمساواة.

يذكر أن تيار اليسار الوسط كان قد تولى مقاليد الحكم لمدة 81 سنة خلال السنوات المائة الماضية في البلاد التي تسعى إلى أن تكون «بيت الشعب» – أو فولخمت – التي كانت فيها الدولة الديمقراطية الاجتماعية مثل الأسرة. أصبحت السويد واحدة من أكثر البلدان التي ترعى المساواة الاجتماعية في العالم.

ومع ذلك، وعلى الرغم من سمعتها، فإن على السويد حتى أن تعترف بمشكلة عدم المساواة الخاصة بها في العقود الأخيرة، بحسب ما أورده التقرير.

التقرير نقل عن بير مولاندر، المستشار السابق لصندوق النقد الدولي ومؤلف كتاب: «التاريخ الحديث لعدم المساواة»، قوله: «الحقيقة هي أن تزايد معدلات عدم المساواة [في السويد] منذ الثمانينيات كان الأكبر بين جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية».

وأضاف مولاندر: «هناك الكثير من الاتفاق الخطابي بشأن المساواة: عدد قليل جدًا من السياسيين يقولون إنهم ضد المساواة لأن لدينا تقاليد مساواة متينة هنا. ولكن هناك فجوة كبيرة بين الخطابة والواقع».

بحسب التقرير، تمتلك السويد الآن 178 مليارديرًا يمتلك كل منهم مليار كرون – بزيادة قدرها 22 مليارديرًا منذ عام 2015، كما وجدت دراسة استقصائية في العام الماضي. وهم يملكون معًا أكثر من ضعف الميزانية السنوية للدولة السويدية، ويزداد عدد المليونيرات ارتفاعًا حادًا أيضًا.

في العام الماضي، أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن السويد كان لديها «مسار هبوطي» من حيث فرص حياة أطفالها الأشد فقرًا، والذين يعاني عدد متزايد منهم من أوضاع مزرية. وذكرت وكالة الصحة العامة فى البلاد أن المواطنين السويديين الذين لا يحصلون سوى على التعليم الأساسي يكون لديهم معدلات أعمار تقل خمس سنوات عن نظرائهم الذين حصلوا على التعليم الجامعي.

تعود جذور هذا التحول إلى الثمانينيات، بحسب ما نقل التقرير عن مولاندر، عندما بدأ الديمقراطيون الاشتراكيون بتجريب سياسات السوق الحرة وإلغاء القيود المفروضة على سوق الائتمان. ولكن التغيير تسارعت وتيرته بعد أزمة اقتصادية عميقة في أوائل التسعينيات.

يقول مولاندر: «بعد ذلك كان هناك نوع من اليأس، فقدان السيطرة – الطاقة السياسية للدفاع عن السياسات الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية لم تكن ببساطة متاحة».

واصل تيار يسار الوسط في السويد المضي قدمًا في إلغاء الضوابط التنظيمية وخصخصة البنية التحتية – مكتب البريد والكهرباء والاتصالات والسكك الحديدية – مع إدخال خدمة التعليم المجاني بالبلاد.

أما المحافظون السويديون فقد سيطروا على مقاليد الحكم في البلاد في الفترة من 2006 إلى 2014، وهو ما أدى إلى خفض الضرائب على الدخل والممتلكات، وإلغاء الضريبة على الثروة، بينما أدخلوا إعفاءات ضريبية لأصحاب الأعمال الصغيرة. وقد ارتفعت إيرادات رأس المال من بيع العقارات والأسهم بسبب ازدهار سوق الإسكان والبورصة.

اقرأ أيضًا: أفضل بلدان يمكنك الهجرة إليها في 2017

خلق مدينة متساوية

على الرغم من ثلاثة عقود من الأسواق المحررة، وتخفيضات الضرائب وخفض حجم الرعاية الاجتماعية، لا تزال السويد تمتلك بعض السياسات الضريبية والإنفاق الأكثر تقدمًا في العالم، كما تقول منظمة أوكسفام، في حين أن دعمها للمرأة في مكان العمل هو مثال يحتذى به.

ولكن التقرير الذي تقترحه السويد هو بذل جهود مضاعفة لتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

بدأ البندول يتأرجح مرة أخرى في عام 2014 مع انتخاب ائتلاف يتكون من الحزب الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) مع حزب الخضر، وهو الائتلاف الذي يطالب بوقف التخفيضات الضريبية غير المسؤولة. وبدعم من اقتصاد مزدهر، زاد الائتلاف من إعانات البطالة والمرض والأسر التي لديها أطفال، ورفع ضريبة الدخل على نحو أفضل، وحاول زيادة الضرائب على البنوك والطيران.

كما تم إنشاء اللجنة المعنية بالمساواة في الصحة، وهي اللجنة التي قالت إن الثغرات التي يمكن تفاديها في قطاع الصحة يجب أن تغلق في غضون جيل.

وفي حين أن التدابير حتى الآن لها تأثير صغير من حيث إعادة توزيع الثروة إلى الفقراء، تلقى هذه التدابير معارضة سياسية شرسة. «تهدد زيادة الضرائب الكبيرة الآن الوظائف والنمو»، هكذا تقول زعيمة المحافظين آنا كينبرج باترا.

في جوتنبيرج، قلب السويد الصناعي، جعلت رئيسة البلدية الجديدة معالجة عدم المساواة أولوية قصوى لها. ونقل التقرير عن رئيسة البلدية آن-صوفي هيرمانسون، 52 عامًا، قولها: «كسياسي اجتماعي ديمقراطي، لا يمكن أن يكون لديك طموح أكبر من مجتمع متساو». إن الأمر يتعلق بالأخلاق، ولكنه أيضًا جيد للاقتصاد… إذا زادت المساواة، فستحصل على ثقة أكبر ونمو أقوى: إنه وضع مربح للجانبين».

تضاعفت الفجوة بين الأغنياء والفقراء أربعة أضعاف تقريبًا في جوتنبيرج على مدى عقدين من الزمن، وفقًا لمسح أجراه مجلس المدينة. وكان الاكتشاف الأكثر إثارة للصدمة أن الناس في المناطق الغنية لديهم معدلات أعمار تزيد بمعدل تسع سنوات عن نظرائهم في المناطق الأكثر فقرًا.

عندما قارن الصحفيون بين شارع من القصور الخاصة على الساحل وبين الشقق المكتظة التي يشغلها أساسًا مهاجرون عاطلون عن العمل على الجانب الآخر من المدينة، وجدوا فجوة دخل أكثر من نصف مليون كرون (حوالي 50 ألف جنيه إسترليني).

استثمار طويل الأجل

يعد البرنامج الرئيس لرئيسة البلدية (جوتنبيرج متساوية) استثمارًا طويل الأجل لخلق مدينة أكثر مساواة. وتقول: «لسنوات عديدة كان لدينا مشاريع لإصلاح عدم المساواة. كنا نأخذ بعض المال، وكان سيكون لدينا مشروع في الضواحي، ثم نفد المال وتوقف المشروع. فكرة جوتنبيرج المتساوية ليست مشاريع صغيرة: علينا التفكير في المساواة طوال الوقت عندما نخطط».

فيما قال ديفيد ليجا، زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي في المدينة: «نحن والأطراف اليسارية لدينا نفس الهدف: أن تكون مدينة جوتنبيرج مدينة متماسكة. ولكن لدينا وسائل مختلفة للوصول إلى هذا الهدف. علينا بذل الكثير من الجهود لتحسين بيئة الأعمال الصغيرة، الأمر الذي يخلق تسع وظائف من كل 10 وظائف جديدة».

وفي حين أشادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في التسعينيات بتخفيض الأجور والرفاهية، فإنها تنتج الآن بحوثًا تبين أن عدم المساواة يضر بالنمو الاقتصادي. ويضع صندوق النقد الدولي، وهو محارب صلب للنيوليبرالية، معالجة عدم المساواة بشكل مباشر ضمن ولايته لمساعدة البلدان على تحسين أدائها الاقتصادي.

يقول مايكل إيفارسسون، مدير مشروع (جوتنبيرج متساوية): «إنها مشكلة كبيرة جدًا، وهناك الكثير من المسائل السياسية. عليك أن تكون متواضعًا جدًا».

بحسب التقرير، ستجد المدينة نفسها في الأضواء الأوروبية في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم عندما يجتمع زعماء الاتحاد الأوروبي في جوتنبيرج لحضور قمة اجتماعية خاصة من أجل الوظائف العادلة والنمو.

يقول البروفيسور مايكل مارموت، رئيس تقرير منظمة الصحة العالمية المنبثق عن عدم المساواة في مجال الصحة: ​​«تبدو السويد جيدة نسبيًا من حيث الصحة وعدم المساواة، ولكن افتراضنا – وافتراض الزملاء السويديين – أنهم يمكنهم أن يؤدوا بشكل أفضل. هذا هو ما يجب أن نبدأ به: هناك المزيد الذي يمكننا القيام به، يمكننا أن نحدث فرقًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد