قال«إميل حكيم»، محلل شؤون الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إن القوى السنية الثلاثة الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط، تركيا والسعودية وقطر، قد رهنت مواقفها في المنطقة بنتائج الحرب في سوريا، مشيرًا إلى أنه منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، كانت هذه القوى من أشد مؤيدي قوات المعارضة في قتالها ضد حكومة الرئيس «بشار الأسد».

وأضاف «حكيم» في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أنه في الأشهر القليلة الماضية، بات واضحًا أن هذه القوى كانت تقف في الجانب الخاسر. فالأحداث الأخيرة، بما في ذلك سقوط الجانب الشرقي من مدينة حلب مؤخرًا، تجعل هذه الدول مضطرة لضبط استراتيجياتها.

وذكر الكاتب أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم بوساطة روسية وتركية وأعلن عنه مؤخرًا، أظهر أن القوة تقود الدبلوماسية في الشرق الأوسط.

وتابع الكاتب بقوله: «قوات المعارضة الرئيسية التي دعمتها تركيا والسعودية وقطر منذ عام 2011، تتحول الآن إلى التمرد في المناطق الريفية. وهذا يعني أنها ستصبح أقل تهديدًا لحكومة الأسد، ولكن أكثر عرضة للهزيمة على يد الجماعات الجهادية، أو قد تنضم إليها».

تساؤلات سياسية

الكاتب رأى أن دعم قوات المعارضة قريبًا سيصبح أكثر صعوبة، خصوصًا إن نفذ الرئيس الأمريكي المنتخب «دونالد ترامب» ما تعهد به خلال الحملة الانتخابية بإنهاء الدعم الأمريكي المقدم لقوات المعارضة، والعمل بشكل وثيق مع روسيا لمحاربة الجهاديين في سوريا.

بالنسبة لتركيا والسعودية وقطر، يثير هذا الوضع تساؤلات أخلاقية وسياسية رئيسية هي: إذا كان النصر العسكري لم يعد مجديًا، لماذا يجب أن نستمر في دعم قوات المعارضة على حساب حياة الكثير من السوريين؟ هل يمكنهم مع قوات المعارضة السيطرة على مناطق النفوذ التي من شأنها أن تسمح لهم بتشكيل مستقبل سوريا؟ هل يجب على داعمي قوات المعارضة إجبار الثوار على الاستسلام في مقابل كل ما تعرضه روسيا مثل تسهيل السياسة التركية في آسيا الوسطى أو مساعدة المملكة العربية السعودية على إنهاء حرب اليمن؟ أو هل يجب عليهم أن يدعوا التمرد يموت ببطء؟ ألن يؤدي القيام بذلك إلى تشجيع العدوانية الإيرانية وإثبات صدق الجماعات الجهادية التي تقول إن الدول العربية باتت عاجزة؟

كل هذه التساؤلات السالفة الذكر أثارها الكاتب، وأضاف أنه من بين القوى السنية الثلاثة، تحظى تركيا بالمشاركة الأعمق.

في الصيف الماضي، أرسلت تركيا قواتها عبر الحدود لإبعاد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، ولاحتواء الجماعات الكردية، التي تطالب في سوريا (وفي تركيا) بالحكم الذاتي. ومنذ أن فقد الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» تأييد واشنطن وأوروبا في أعقاب حملته القمعية المحلية ومغامراته الخارجية، ترتبط حظوظه الآن بحسن النوايا الروسية. فيما تستغل موسكو ضعف تركيا ومشاعر الاستياء من الخيانة الغربية، بحسب الكاتب.

«فورين أفيرز»: كيف غيَّر الربيع العربي سياسة تركيا الخارجية؟

الكرملين المنتصر

وفقًا للكاتب، فإن هذا الوضع قد غير بالفعل الحرب السورية. قبلت تركيا على مضض سقوط حلب في مقابل الاعتراف بحكم الأمر الواقع لمنطقة نفوذها على طول الحدود السورية التركية. بدلًا من دعم قوات المعارضة التي تقاتل في حلب أو الضغط على قوات «الأسد» التي تحاصر المدينة، تسابق تركيا للسيطرة على الأراضي من قبضة تنظيم داعش قبل أن تسقط هذه الأراضي في قبضة الأكراد.

أوضح الكاتب أن الكرملين لم يعد يتصرف الآن فقط مثل المنتصر في سوريا، ولكنه يظهر أيضًا باعتباره الوسيط الوحيد بين أنقرة وحكومة «الأسد» وإيران. هذا الشهر، استضافت موسكو اجتماعًا لوزراء خارجية ودفاع روسيا وإيران وتركيا لبحث مستقبل سوريا. وكان هذا علامة على أشياء مقبلة.

حكاية «الجنود الأشباح».. الكرملين يدفع بمرتزقة روس للحرب دعمًا للأسد

بداية فقد تفوقت روسيا بذكاء وقامت بتهميش دور الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. والآن هي تشكل مستقبل الصراع. كان الهدف من وقف إطلاق النار، الذي توسطت للتوصل إليه، إدارة التنافسات في سوريا وإدارة الحرب وفقًا لشروط روسيا والنظام السوري.

كما اقترحت موسكو – بحسب الكاتب – أن يتبع وقف إطلاق النار المناقشات السياسية مع مجموعة مختارة من المعارضة السورية. ولكن لكي ينجح ذلك، تحتاج روسيا أن تقبل بعض الأطراف من المعارضة السورية ما هو أقل بكثير من رحيل «الأسد».

الكاتب قال: «الأسد قد لا يرغب في ذلك، لكنه من المرجح سيقبل بهذه العملية الروسية باعتبارها شر لابد منه. يتعين عليه اللعب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المنقذ، حتى لو لم يتنازل كثيرًا. كما أن انضمام تركيا إلى العملية ضروري للانطلاق في عملية السلام لاستئصال ما تبقى من جهود الولايات المتحدة والأمم المتحدة، التي كانت تهدف إلى تحقيق الانتقال السياسي – ورحيل الأسد».

وفقًا للكاتب، فإنه إذا انهار وقف إطلاق النار، ستظل حكومة «الأسد» قادرة على سحق فلول المعارضة بدعم روسي. وهذه الترتيبات أيضًا تمنع إنشاء كيان للحكم الذاتي الكردي، وهو أمر يعارضه النظام السوري وإيران وروسيا، وتركيا.

كل هذا يترك قطر، والأهم، المملكة العربية السعودية، وليس في جعبتهما سوى القليل. كان على البلدين في الماضي نقل الأسلحة والأموال عبر الأردن وتركيا لدعم قوات المعارضة. هذه المسارات الآن صعبة إن لم تكن مستحيلة. وفي الوقت الذي أصبحت فيه غير قادرة على تشكيل ساحة المعركة أو توجيه الدبلوماسية، باتت سوريا في أسفل قائمة أولويات المملكة العربية السعودية.

سيبقى الأسد عدوًا

الكاتب ذكر أن الدولتين الخليجيتين أدركتا أيضًا أن تركيا لن تخضع لرغباتهما. في الواقع، تركيا تقول الآن إن مشاركتها في الدبلوماسية التي تقودها روسيا ضرورية لوقف طموحات إيران، وتأمين انسحاب حزب الله وغيره من الميليشيات الشيعية الأجنبية من سوريا والحصول على ضمانات بأن «الأسد» سيخرج من اللعبة في نهاية المطاف. تسعى تركيا لضم قطر والمملكة العربية السعودية إلى هذه العملية.

ورجح الكاتب ألا تتخلى أي من هذه الدول عما سيتبقى من الثورة السورية، فتكلفة هذا ستكون هائلة؛ ستعاني سمعة هذه الدول كثيرًا، وستفقد أوراقًا أساسية في التأثير على مستقبل سوريا، كما أن قوات المعارضة السورية لن تختفي فقط لأنها تعرضت للهزيمة. بدلاً من ذلك، من المرجح أن يستمر الدعم والتمويل الرسميان ولكن بمستويات أقل وأهداف أكثر تواضعًا.

لا زالت تركيا بحاجة إلى المعارضة المسلحة لمحاربة تنظيم داعش والميليشيات الكردية. أما السعودية وقطر فلن يستطيعا تحمل عواقب اتهامهما بالتخلي عن السنة في وقت تتزايد فيه انقسامات المنطقة.

وأخيرًا، قال الكاتب إن هذه الدول سوف تقاوم أيضًا جهود عدد من الدول الغربية والآسيوية والعربية لتطبيع العلاقات مع الرئيس «الأسد». في نظرهم، لا يزال الأسد طرفًا عدائيًا، يجب أن يكون معزولًا وأن تتم الإطاحة به. كيف ومتى تبقى أسئلة مؤجلة ليوم آخر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد