من حلب إلى تدمر، تحول كثير من الكنوز المعمارية في البلاد إلى أطلال، لكن أعمال الترميم بدأت.

كتب روان مور، صحافي بريطاني يعمل ناقدًا معماريًّا، وحاصل على جائزة ناقد العام في الصحافة البريطانية في عام 2014م، مقالًا في صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية حول التراث المعماري الذي دمرته الحرب الأهلية السورية. ويبدي الكاتب تفاؤله بإعادة الإعمار، حتى وإن كانت محدودة، مع إعطاء الأولوية لاحتياجات عودة السكان الملحة إلى ديارهم.

عربي

منذ سنة واحدة
«فاينانشال تايمز»: هل يمكن إعادة إعمار سوريا رغم بقاء الأسد في السلطة؟

ويستهل الكاتب مقاله بقوله إن المدينة القديمة بحلب كانت أعجوبة في روعتها (أعلنتها منظمة اليونسكو جزءًا من التراث العالمي في عام 1986م)، وكانت دليلًا ظاهرًا على تعدد الآثار الإنسانية والآثار الحجرية على حد سواء. وكانت تجسيدًا للثروة المادية والثقافية التي جعلت من سوريا ذات يوم واحدة من أكثر الأماكن حظًّا وحضارة على وجه الأرض، فهي بمثابة كاليفورنيا في الشرق الأوسط، حيث حباها الله المناخ الطيب، والأرض الخصبة، والجمال المادي، وموقعًا بين البحر الأبيض المتوسط ​​وطريق الحرير المؤدي إلى الشرق.

كما أن سوريا «البلد الرائع»، الذي وصفه الإمبراطور البيزنطي هرقل، في القرن السابع أثناء وداعه لها بعد انتصار الفاتحين المسلمين (في معركة اليرموك)، قائلًا: «سلام إليك يا سوريا، وكل ما في هذا البلد الرائع يبقى للعدو»!

وكانت هناك قلعة في حلب وما تزال موجودة في الغالب، وتقوم هذه القلعة على تل مرتفع يتحول إلى أسوار ضخمة على نحو لا يُصدَّق؛ حلم وجود القلعة الذي تحول إلى حقيقة ذات أهمية كبيرة. ثم كانت هناك الأسواق، وهي شبكة ضخمة من الأزقة والشوارع المغطاة، ومساحات لبيع المنتجات الزراعية والمعاملات التجارية، فضلًا عن أعمال البناء، حيث تبرز جواهر العمارة في شكل بوابة متعددة الألوان، أو قبة جليلة وسط الحركة والجلبة، وزخارف من الأرابيسك مكللة على نحو سافر بمواسير الكهرباء ووحدات ترطيب الهواء.

الجامع الأموي

ثم كان هناك الجامع الأموي، الذي بُني في ساحة عامة من العصر الهلنستي، وسُمِّي باسم الأسرة الحاكمة التي أسسته في القرن الثامن الميلادي، لكن طراز بنائه الموجود جاء من فترات لاحقة. وتحولت الحجارة، المادة التي صُنع منها جبل القلعة وكهوف الأسواق، هنا في الجامع إلى سطح مصقول باعث على التأمل لفناء كبير وهادئ بقدر ما تعد الأسواق محمومة ونابضة بالحيوية، وكان من الطبيعي أن تتجمع مجموعات من الناس وتجلس فيه.

تسلسل يوضح إعادة إعمار سوق السقطية في حلب. المصدر: صندوق الآغا خان للثقافة

وهذه المجموعة المكونة من ثلاثة أجزاء تمثل سوريا التي سكنها الناس منذ آلاف السنين، وغزتها وأعادت غزوها الإمبراطوريات والعائلات الملكية. إنها دولة سجلت فيها أعمالها المعمارية الرائعة هذا التاريخ: مدينة تدمر الصحراوية ذات التأثير الروماني ومساجد الأمويين والعباسيين والعثمانيين وقصورهم، والقلاع الصليبية، وما كانت تُعد أكبر كنيسة في العالم في القرن الخامس، وهي دير القديس سمعان في ريف حلب خارج حلب.

روعة الأعمال الفنية

ولفت الكاتب إلى أنه زار سوريا مرتين، المرة الأولى عندما كان طالبًا وعبر الحدود من تركيا، والمرة الثانية في عام 2009م، لكتابة مقال عن السياحة في توقيت غير مناسب يشيد بآفاقها بوصفها وجهة سياحية. أتذكر في هندستها المعمارية روح الابتكار الحر والبهجة (إذا جاز لي أن أستخدم التعميم على نحو صادم حول قرون عديدة من الثقافة) التي يمكن العثور عليها في تيجان الأعمدة في دير القديس سمعان، حيث صممت أوراق الشجر الرصينة للعمارة الكلاسيكية لتبدو وكأنها تتحرك في مهب الريح. ويوجد شيء مشابه في فسيفساء الجامع الأموي في دمشق، حيث تظهر جنة تضج بالخضرة على خلفية ذهبية، أو في تدفقات الأقمشة التدمرية شبه المثيرة على تماثيل تدمر.

تتجلى هذه الروح في تعدد ألوان المباني الإسلامية، في الأعمال الحجرية التي تبدو وكأنها بساط مزخرف، في مظاهر الاستدعاء الهندسي للانسجام اللامتناهي في وسط البلدات المتنافرة. والأماكن الخارجية القاسية، سواء كانت صحاري أو شوارع المدينة، تفسح المجال للملاذات والملاجئ، حيث يمكنك الجلوس على أرضية رخامية باردة، وتجربة انحراف الضوء والنسيم إلى ظلال مزخرفة.

سوريا موطن العديد من الثقافات والأديان

وأضاف الكاتب أن سوريا كانت أيضًا موطنًا لعديد من الثقافات والأديان، غالبًا ما يعيشون في تسامح وتعاون، وأحيانًا في تعايش غير مستقر، إلى أن حُبست في قفص الحدود القبيح الذي نَصَّت عليه اتفاقية سايكس بيكو عام 1916م، حيث أثارت السياسات المستهينة والجهات الفاعلة الخارجية الخلافات في البلاد وأججتها، وقضت سوريا العقد الماضي وهي تمزق نفسها بنفسها، أو تُمزَّق على أيدي غيرها.  

وكان الإرث المعماري السوري ضحية معروفة وأداة دعائية في الحرب الأهلية. وكان تنظيم الدولة الإسلامية على ما اشْتُهر عنه يستمتع بتفجير المعابد والمقابر البرجية في تدمر، برسوماتها ومنحوتاتها الدقيقة، والتأكد من أن أنباء ذلك تصل إلى العالم. كما دمروا «دورا أوروبوس»، وهي مدينة قديمة على نهر الفرات، في ثنايا بحثهم عن أي آثار ينهبونها. لكن، كما أشار المنشق والكاتب ياسين الحاج صالح في عام 2016م، فيما يتعلق بجرائمهم ضد البشر، كان الغرب مفتونًا على نحو غير متناسب بأهوال داعش، «على الرغم من أن عدد ضحايا الأسد فاق عدد ضحايا داعش بعشرة أضعاف». كانت الخسارة البشرية والثقافية الأكبر من مدينة تدمر واقعة في المدينة القديمة بحلب، التي غالبًا ما يُقال إنها أقدم مدينة مأهولة بالسكان في العالم، وقد دُمِّرت في المعارك بين القوات الحكومية والمتمردين.

وفي مواجهة كثير من الدمار، سيكون رد الفعل الطبيعي هو اليأس. واستمرت الحرب، وتفاقمت الكارثة الاقتصادية الآن بفعل العقوبات وتفشي مرض كوفيد-19. ومع ذلك، تجرى الآن إعادة الإعمار، وفي الغالب بتمويل خارجي. وتدعم مؤسسة الآغا خان للثقافة، على سبيل المثال، إعادة بناء بعض أسواق حلب. ورُمِّم عدد من الكنائس بمساعدة الجماعات الأجنبية. وفي بعض الحالات، بذلت الشركات الفردية ما في وسعها لتطهير الأماكن والإصلاح وإعادة فتح أبوابها للعمل.

Embed from Getty Images

أطلال قوس النصر في مدينة تدمر – سوريا

كما يجري ترميم الجامع الأموي، وستُقام مئذنته، التي انهارت في عام 2013م، من الأرض مرةً أخرى، وقد مُسِح ألفا جزء محطم منها، وجرت فهرستها ووضعها مثل أحجية الصور المقطوعة في ساحة الجامع. وتموِّل هذا العمل الحكومة الشيشانية، لأي أسباب سياسية. ولم يُعرَف عن رئيس الشيشان، رمضان قديروف، حساسيته تجاه الأشياء الدقيقة، لكن أولئك الذين شاهدوا أعمال الترميم يقولون إنها تثير مشاعر كبار السن.

أعمال الترميم تُجرى بمساعدة مؤسسات وجماعات مختلفة

وأردف الكاتب قائلًا إن متحف الفن الإسلامي في متحف بيرجامون في برلين، والذي تضم مجموعاته كلًّا من غرفة خشبية منحوتة من حلب، وقطعة كبيرة من القصر الأموي أُهديت من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى القيصر فيلهلم الثاني، يقوم بدوره أيضًا. وجمعت مبادرة التراث السوري التابعة للمتحف أرشيفًا من 200 ألف صورة لمواقع سورية التُقِطت قبل الحرب من أجل الاستفادة منها في إعادة الإعمار. ووثَّقت المبادرة المباني التاريخية والأضرار التي لحقت بها.

وتحلل المبادرة أشكال الأحياء السكنية وتخطيطاتها، بحيث تتبع إعادة البناء الأنماط السابقة نفسها. وقد دَعَت المبادرة السوريين لتسجيل قصص عن حياتهم وأعمالهم. وأوجدت رابطًا، على حد تعبيرها، «بين المجتمع العلمي الدولي والسكان المحليين، حيث يشارك العلماء المعرفة التاريخية، بينما يشارك المجتمع المحلي ذكرياته في أماكن تاريخية معينة».

الأولوية لحلب

وألمح الكاتب إلى أن هذا العمل يثير خيارات ونقاشات، يكمن في القلب منها الفرق بين تدمر وحلب. كانت مدينة تدمر الواجهة المشرقة للتراث السوري – على سبيل المثال، عندما كان بوريس جونسون رئيس بلدية لندن، قد أمر بإقامة نسخة طبق الأصل من قوس النصر في ميدان ترافالجار «في تحدٍ للبرابرة». ولكن رغم جمالها، كانت المدينة قبل الحرب الأهلية جزئيًّا مدينة خيالية ابتكرها علماء الآثار خلال الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى. لقد أزالوا منازل العرب التي شُيِّدت على الأنقاض على مدى قرون، وأعادوا تشييد الهياكل الأثرية المتهدمة. لقد صنعوا نسخة من تدمر لم تكن موجودة أبدًا من قبل.

Embed from Getty Images

المسجد الأموي – إدلب 

كانت تدمر أيضًا موطنًا لسجن تدمر، وهو مركز تعذيب، كان أحد أكثر الأماكن جحيمًا على وجه الأرض، وكان يقع على بعد ميل واحد من السياح الغافلين إلى حد كبير، الذين يترجلون من حافلاتهم الفاخرة. ولا يوجد أي رابط بين السجن والآثار الكلاسيكية بالطبع، لكن قربهما يسلط الضوء على الانفصال بين التصورات الخارجية للبلاد وتجارب مواطنيها.

لهذه الأسباب تمثل الآثار القديمة التراث الأكثر إثارة للإعجاب خارج سوريا، وليس التراث الذي يعيشه السوريون أنفسهم. وهذا لا يعني أنه لا ينبغي إعادة بنائه أبدًا، لكن الفكرة المقصودة تتمثل في أنه لا يمثل الأولوية الأكثر إلحاحًا بالنسبة لهم. يقول ستيفان ويبر، مدير متحف الفن الإسلامي في برلين: «يمكن إصلاحها في أي وقت لاحق». وهو يستشهد بمثال كنيسة السيدة العذراء Frauenkirche في دريسدن التي كانت مشيدة على الطراز الباروكي، والتي استغرقت 60 عامًا لإعادة بنائها بعد أن قصفها الحلفاء في عام 1945م. وطالما أن «إدارة الأنقاض» – أي حفظ وتسجيل الأحجار – تجرى على نحو صحيح، وما زالت الهياكل قائمة مستقرة، يمكن أن تنتظر تدمر.

ويضيف، وهو يقارن حلب ببرشلونة أو فلورنسا، اللتين تكمن عظمتهما في كل مدينة ككل. قائلًا: «لقد تميزت بتعدد الأديان وتراثها المعنوي وموسيقاها وطبخها». وتقول ديما ديوب، وهي مهندسة معمارية من حلب، تعمل الآن في برلين لصالح مبادرة التراث السوري: «ما يميز هذه المدينة هو تراثها الثقافي الحي. والأولوية ليست للكنائس أو المساجد، بل لعودة الناس. ونحن بحاجة إلى مساعدة الناس على إعادة بناء منازلهم وسبل معيشتهم».

القنابل حولت الأسواق إلى حفر

وأوضح الكاتب أن الأسواق، التي تحول بعضها إلى حفر بسبب القنابل، والأحياء السكنية باتت الأكثر أهمية. يقول تييري جراندان، مهندس معماري يعمل في مؤسسة الآغا خان للثقافة، إن ترميمهم لبعض الأسواق قد ترافق مع جهود لضمان عودة أصحاب المتاجر الأصليين. كما أنهم يساعدون البنائين المحليين على تطوير تقنياتهم، و«تدريب الناس لكي يدرِّبوا غيرهم»، بحيث تستمر المهارات والتوظيف في المستقبل.

وشدد الكاتب على أن مهمة الإعمار مهمة كبيرة في بلد ما يزال يركز جهوده في الغالب على الصراع من أجل البقاء. وفي عملية استغرقت حتى الآن خمس سنوات، أُعيد بناء أو تأهيل 650 مترًا من السوق المغطى، من إجمالي تسعة كيلومترات. ويقول جراندان إن الأمر سيستغرق من «10 إلى 20 عامًا، على الأقل». والجودة ستكون متغيرة. وتقول ديما ديوب: «بالنظر إلى الخبرة والتمويل المتاحين الآن، فإنني أحيي كل ما يحاول الناس فعله. ولكن على المستوى الفني يمكن تحسينه». وفي الوقت الحالي لا توجد استراتيجية شاملة، ولا يعدو الأمر أن يكون بمثابة أفضل الجهود التي يبذلها الأفراد والوكالات. وبالنظر إلى أن نظامًا خبيثًا وفاسدًا ما يزال في السلطة، فمن المستحيل معرفة مدى حسن إدارته لمصالح النسيج الحضري للبلاد.

Embed from Getty Images

ترميم قلعة حلب – سوريا

عقلية النظام عقلية مدمرة

وفي ختام مقاله، ينوِّه الكاتب قائلًا إنه من خلال رحلاتي هناك، أتذكر أيضًا الصور المنتشرة في كل مكان، في المقاهي وعند ممرات المرور الدائرية، لبشار الأسد بشفتيه المزمومتين وشاربه الذي يشبه شارب الشاب المراهق أو لوالده حافظ، الذي بدا وكأنه نسخة شريرة من مهرج يقوم بدوره بيتر سيلرز (ممثل بريطاني يُعد واحدًا من أفضل ممثلي الكوميديا عمومًا). وكان من الصعب أن يغيب عنا أن هذا لم يكن بلدًا سعيدًا.

وقد تشعر أن النظام، كما كتب ياسين الحاج صالح، فرض وجودًا «خاويًا من أي أبعاد معنوية وأخلاقية وروحية وجمالية، بل حياة دنيوية بحتة إلى درجة السخرية المزرية». ونحن نعرف الآن إلى أي مدى ستكون هذه العقلية مدمرة. والتحدي الأكبر يكمن في استعادة أفضل روح لبناء المدينة السورية، في أصعب الظروف التي يمكن تخيلها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد