عندما كان عمري خمس سنوات أهدتني والدتي كمبيوترا من طراز آبل ماكينتوش، وفي فترة قصيرة أدمنت العمل عليه، وتوطدت العلاقة بيننا، ولكن ليس على تصفح الإنترنت وفيسبوك حيث لم يكونا موجودين بعد. أصبح الطفل تريستان هاريس مغرما بالإبداع، وبأن يجد نتيجة إبداعه ماثلة أمامه مباشرة، وإن تمثل هذا في بعض رسومات الأطفال، أو في برمجة بعض الألعاب باستخدام الأدوات البسيطة التي كانت متاحة على جهاز الماكينتوش وقتها.

كنت متفائلا مثل معظم آباء التكنولوجيا الأوائل في السبعينيات والثمانينيات من أمثال ستيف جوبز، الذي بشرنا وقتها أن أجهزة الكمبيوتر ستكون بمثابة دراجات تنطلق عليها عقولنا وأفكارنا إلى آفاق لم نحلم بها من قبل، وستساعدنا وتدعمنا على أن يصبح كل منا إنسانا أفضل من أجل نفسه وكل ما حوله والإنسانية ككل، ولكن اليوم وفي 2015 تبخر الكثير من تفاؤلي القديم وأصبحت لدي الكثير من الشكوك فيما يمكن أن تقدمه التكنولوجيا بشكلها الحالي لنصبح بشرا أفضل، وبدلا من أن تصبح التكنولوجيا ومنتجاتها دراجات ننطلق بها لمستقبل أفضل أصبحت بمثابة أرائك تستريح عليها عقولنا، ووسائد تنام عليها أفكارنا!

أشعر بالتشتت باستمرار وبعدم القدرة على التركيز، وذلك مع عدد رسائل البريد الإلكتروني التي أتصفحها يوميا، وتحديثات مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي التي لا تتوقف، وسيل الرسائل النصية التي تقتحمنا في أي وقت وأي مكان، والتطبيقات الكثيرة التي أوكَلنا لها مهمة تنظيم مهامنا اليومية، فأصبحت عبئا إضافيا علينا، وأصبحت هذه الأشياء تطاردنا حتى في غرف نومنا.

أشعر وكأني أدور في دوامة، ولا أستطيع الخروج منها، وأجدني أستدعي دائما ما كتبه نيل بوستمان وتنبأ فيه بحالنا في كتابه الذي كتبه قبل نحو ثلاثين عاما بعنوان: التسلية برؤية حياتنا تُسرَق منا ببطْء. وقدم بوستمان في هذا الكتاب رؤيتين سواداويتين
يتنازعان على حالنا ومصيرنا ومستقبلنا؛ الأولى من رواية جوروج أورويل الأشهر: 1984 حيث تتحكم سلطة فوقية في الناس وحرياتهم وسمى أورويل هذه السلطة: الأخ الأكبر. والرؤية الأخرى للكاتب ألدوس هكسلي في كتابه والذي ترجمت للعربية تحت عنوان: العالم الطريف حيث يتم إخضاع الناس والتحكم فيهم بشكل غير مباشر من خلال إغراقهم بسيل من المواد التي تشتت انتباههم وتجعلهم غير قادرين على تمييز الحقائق.

– لقد خاف أورويل أن يتم منع الكتب من الوصول للناس، في حين لم يخف هكسلي من منع الكتب، ما دام الناس سيفقدون رغبتهم وشغفهم في القراءة.

– كان خوف أورويل منصبا على حجب المعلومات عن الناس، في حين أن هكسلي كان خائفا من أن يتم إغراقنا بسيل من المعلومات، لا نستطيع معها استخلاص الحقائق، ومن ثم نستسلم للسلطة وما تريده لنا وحتى من دون أن نشعر.

– لقد خاف أورويل من حجب الحقائق عن الناس، وخاف هكسلي من رمي الحقائق في بحار من المواد التافهة وغير المهمة، مما يصعب من عملية الوصول إليها.

الإنسان فضولي بطبعه، ولديه رغبة دائمة لتجربة الجديد، وأن يكون مقبولا اجتماعيا في وسط من حوله، فضلا عن رغبته في متابعة الأحداث المهمة من حوله. وبدلا من استخدام هذه الرغبات المشروعة لصالح الإنسان، فقد جرى استخدامها بشكل سيء على أيدي مؤسسات وشركات وفضائيات لتقييد الإنسان بالشاشات على اختلاف أنواعها، وأيا كان ما يقدم من خلالها من مواد، بدءا بشاشات التليفزيون مرورا بشاشات الكمبيوتر وصولا لشاشات الهواتف الذكية.

الطريق المجهول

لماذا يُشتتنا الإنترنت ومنتجات التكنولوجيا المختلفة في هذا الطريق المجهول، وتبعثر انتباهنا وتركيزنا وأوقانتا بدلا من مساعدتنا ودعمنا وتمكيننا لنوجه انتباهنا فيما ينفعنا ولنستخدم أوقاتنا برُشد، ليصبح كل منا إنسانا أفضل من أجل نفسه وجميع من حوله ومن أجل الإنسانية ككل؟

الإجابة ببساطة قد تكون بسبب الطريقة التي يدار بها اقتصادنا، فنحن نعيش تحت اقتصاد يسعى لجذب انتباهك لما يقدمه من منتجات بأي ثمن!

الاقتصاد الذي يقيس نجاحه بمدى قدرته على جذب انتباهك لأطول فترة ممكنة لما يقدمه من منتجات، ولا يهمه ما تقدمه شركات التكنولوجيا من منتجات أو ما تنشره من مواد، سواء كان المنتج موقعا إخباريا مثل موقع جريدة نيو يورك تايمز، أو تطبيقا للهواتف المحمولة ليساعد المستخدمين على الاسترخاء، أو كان شبكة اجتماعية مثل فيس بوك، أو لعبة يدمن المستخدمون عليها مثل كاندي كراش. كل هذا لا يهم ما دام المنتج سيكون قادرا على جذب انتباه الناس إليه، وحبس انتباههم فيه لأطول فترة ممكنة، ودفع الناس لإدمانه وقضاء أوقاتهم عليه.

لقد بدأت المنافسة بين منتجي التكنولوجيا حول من سيستطيع إبداع منتجات ومواد مفيدة ليقضي الناس أوقاتهم في استخدامها، ثم انحدر الأمر وأصبحت المنافسة حول من سيستطيع أن يحبس المستخدم في منتجه لأطول فترة ممكنة، سواء كان المنتج موقعا للإنترنت أو شبكة اجتماعية أو تطبيقا للهواتف المحمولة أو أي منتج تكنولوجي آخر، ومن هذه الممارسات التي نمر بها بشكل شبه يومي:

تستخدم الكثير من المواقع عناوين تثير الفضول للمواد التي تنشرها سعيا وراء زيادة عدد مرات المشاهدة ولاصطياد أكبر عدد من الزبائن، وموقع مثل يوتيوب يقوم بتشغيل تلقائي للفيديو التالي المشابه للفيديو الذي تُشغله بدون طلب منك، وتطبيقات وخدمات كثيرة مثل فيسبوك أصبحت تستخدم خدمة الإشعارات لتحاول خداعك بأن هناك الكثير سيفوتك، إن لم تتفقد هذه الاشعارات باستمرار، وهذه بضعة أمثلة لبعض الحيل التي يقع جميعنا في فخاخها بشكل يومي.

المشكلة أنك لا تستطيع أن تطلب من أي من هذه الشركات الواقعة تحت تأثير حُمى المنافسة ألا تستخدم مثل هذه الحيل ما دام الجميع يستخدمونها. أنت مثلا لا تستطيع أن تطلب من يوتيوب أن يساعدك على أن تقلل من الوقت التي تهدره في مشاهدة بعض الفيديوهات التافهة مثل فيديوهات القطط الشقية ، فالأمر لا يعنيه طالما أنك موجود على الموقع تتنقل من فيديو إلى آخر، وهو إن ساعدك على تقليل الوقت الذي تقضيه عليه فإن موقعا أو تطبيقا آخرا سينقض عليك ويستنزف هذا الوقت الذي وفره لك في أي شيء لديه. أنت أيضا لا تستطيع أن تطلب من الشركة التي أنتجت لعبة كاندي كراش أن تساعدك على أن تقلل الوقت الذي تشعر أنك تضيعه في اللعبة، لأن الشركة تعرف أنها إن ساعدتك فإن هناك من ينتظر الساعات التي ستوفرها ليستنزفها منك في أي شيء لديه.

قواعد جديدة للمنافسة

لن نستطيع أن نتحرر من هذا الفخ، إلا من خلال تغيير الشيىء الذي تدور المنافسة الآن بين الشركات عليه ، وبدلا من المنافسة على وقت المستخدمين والذي سيترجم بعد ذلك إلى دولارات وجنيهات، فلابد من أن تُحول المنافسة إلى شيء آخر.

نحتاج لبرامج وتطبيقات تُقدر لأوقاتنا قيمتها، وتساعدنا على أن نستفيد من كل ثانية ودقيقة منها، بما ينعكس إيجابيا علينا وعلى جودة حياتنا وعلى حياة من حولنا، وكما أن هناك شهادة بمعايير محددة تميز للمستخدم المنتجات الزراعية العضوية عن تلك التي تستخدم المبيدات في زراعتها، فقد نكون في حاجة لشهادة مماثلة تميز منتجات التكنولوجيا التي تُقدر لأوقاتنا قيمتها، عن تلك المنتجات التي تستنزف أوقاتنا في لا شيء.

حاول أن تتخيل مثلا الشكل الذي سيكون عليه موقع للتواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، حينما يعاد بناؤه وتصميمه لكي يساعدنا على أن نستخدم أوقاتنا برُشد فيما ينعكس إيجابيا علينا وعلى علاقاتنا بمن حولنا وبالعالم الذي نحيا فيه، ولتوضيح هذا الأمر بمثال صغير، فهب أنك فتحت قائمة الإشعارات على فيسبوك، ووجدت أحد أصدقائك شارك معك ومع بعض أصدقائكم إحدى الصور، وعندما تحاول مشاهدة هذه الصورة، وبدلا من مشاهدتها مباشرة ستظهر لك هذه الرسالة التي تضع أمامك خيارين: إما أن تؤجل المشاهدة لوقت لاحق، أو أن تضغط للمشاهدة وأنت على علم أنك ستضيّع 20 دقيقة لاحقة في مشاهدة الصورة وتعليقات أصدقائك عليها وتعليقك على بعض ما كتبه أصدقاؤك.


ومثل كل البرامج والتطبيقات التي نستخدمها فإن متصفحات الإنترنت التي نستخدمها جميعا مثل كروم وفايرفوكس في حاجة لإعادة بنائها وتصميمها على قواعد جديدة تُقدر لأوقاتنا قيمتها، فمثلا بدلا من تشتيتنا من حول عشرات الألسنة التي نفتحها خوفا من أن نفوّت شيئا مهما، فعندما نهم بفتح أحد الملفات، فمن الممكن أن تُعرض لنا رسالة توضح لنا الوقت الذي سنستغرقه في قراءة هذا الملف، وما إن كنا نريد قراءته الآن، أو إلحاقه بقائمة المواد التي سنطّلع عليها لاحقا.



جيل جديد من منتجات التكنولوجيا

آمنت دائما أن على الشركات التي تطور الأجهزة والبرامج والتطبيقات التي نستخدمها مسئوولية أخلاقية تجاهنا، وكذلك على مصممي ومطوري هذه البرامج والتطبيقات، حيث أنهم يشكلون ويؤثرون في حياة بلايين البشر، ولابد من أداء حقوق هذه المسؤولية كاملة، حتى لو تطلب الأمر نسف قواعد لعبة المنافسة الحالية.

إنه طريق طويل وصعب، ولكي نصل وجهتنا لابد من أن ننشر الوعي بيننا حول هذه القضية، وأن نبدأ حوارا واسعا، ونفكر معا فيما نريده من الشركات التي تصنع التكنولوجيا التي نستخدمها، والأمر بالطبع يستحق، فهو يتعلق بأغلى ما نملكه؛ إنها أوقاتنا وأعمارنا، وهي ثرواتنا الأهم التي نستطيع أن نستخدمها لنجعل العالم الذي نعيش فيه عالما أفضل، ومن الممكن أن تساعدنا في ذلك التكنولوجيا ومنتجاتها التي نستخدمها، بدلا من أن تكون عائقا أمامنا.

نحتاج لتجمعات وحركات ينتظم فيها كل من يؤمنون بأننا نستحق أجهزة وتطبيقات وبرامج أفضل تُقدر لأوقاتنا قيمتها، وأحد أهم هذه التجمعات هو تجمُع Time Well Spent وأحد أهم الناشطين فيه هو تريستان هاريس ، ويضم هذا التجمع العشرات من قادة الأعمال ومهندسي ومصممي البرمجيات، وجميعهم يسعون لهدم هذه القاعدة التي تهدف لزيادة تَعلُّق الناس بالشاشات بأي ثمن وأيا كان ما يقدم عليها، ويسعون في نفس الوقت لبناء جيل جديد من البرامج والتطبيقات والأجهزة التي تُمَكّن الناس وتساعدهم ليستفيدوا بأوقاتهم فيما ينعكس إيجابيا عليهم وعلى حياتهم، وقد عبر هاريس عن أفكاره في هذه المحاضرة الشيقة التي ألقاها في إحدى مؤتمرات تيد والتي أدعوكم لمشاهدتها.

لابد وأن نتعاون جميعا، وأن نضغط بكل قوة، وأن نؤمن في حقنا في عالم، يساعدنا ويدعمنا فيه الإنترنت وكل الأجهزة والتطبيقات التي نستخدمها، لكي ننتفع بأوقاتنا وأعمارنا، وأن يصبح كل منا إنسانا أفضل من أجل نفسه و من أجل جميع من حوله ومن أجل الإنسانية ككل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات