العدالة الاجتماعية والدولة القائمة بالحماية تعود إلى الواجهة من جديد، بعد أن فقدت الإجراءات التقشُّفية حظوتها.

تناولت مجلة «بوليتيكو» الأمريكية ظهور الأحزاب والحركات اليسارية من جديد في أوروبا، لا سيما بعد تفشِّي جائحة كوفيد-19، بعد أن ركَّزت الجائحة الانتباه في جميع أنحاء العالم المتقدم على محنة العاملين في الخطوط الأمامية، فضلًا عن عوامل أخرى مثل التحوُّل الطبيعي للتأرجح السياسي في الديمقراطيات الأوروبية، وصعود الأفكار التقدُّمية، وهزيمة الرئيس الأمريكي الشعبوي اليميني دونالد ترامب، ما أسهم في تعزيز ثقة القوى السياسية التي تنتمي إلى يسار الوسط في أوروبا، وذلك في تقريرٍ أعدَّه باول تيلور، المُحرِّر والكاتب في المجلة الأمريكية.

نهضة غير مسبوقة

يستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن التقارير الواردة عن هلاك اليسار في أوروبا مُبالَغ فيها إلى حدٍ كبير. وبعد مرور عَقد على تراجع الأحزاب والسياسات الديمقراطية الاشتراكية والاجتماعية في معظم أنحاء أوروبا، يتمتَّع يساريو الوسط في القارة الآن بما يشبه النهضة في أعقاب تفشِّي جائحة كوفيد-19.

وكان حزب العمَّال في النرويج قد تصدَّر استطلاعات الرأي خلال الانتخابات العامة التي أُجريَت في هذا الشهر، بعد أن تغلَّب على حكومة اليمين الوسط التي ضمَّت شعبويين مناهضين للهجرة. ويستكمل هذا النجاح عملية اكتساح واضحة للأحزاب الديمقراطية الاشتراكية التي تترأس الحكومات في بلدان شمال أوروبا، حتى لو اضطرت بعض الأحزاب إلى أن تتخلَّى عن أفكارها الترحيبية التقليدية واعتماد سياسات تقييدية تتعلَّق بالهجرة واللجوء من أجل تهدئة ناخبيهم.

Embed from Getty Images

كما يتولى اليساريون مقاليد الحكم في إسبانيا والبرتغال، فيما يُعد الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إلى يسار الوسط في إيطاليا أحد القوى الرئيسة التي دعمت رئيس الوزراء، ماريو دراجي. والأهم من ذلك أن الأحزاب اليسارية تتجه صوب تحقيق عودة قوية في ألمانيا، التي تُعد أكبر دولة في أوروبا وأكثرها اكتظاظًا بالسكان، بعد مرور 16 عامًا على الحكومات التي يقودها محافظون في عهد المستشارة أنجيلا ميركل.

ومن المؤكَّد أن نهضة اليسار هذه ليست بالضرورة نهضة عالمية.

وينوِّه الكاتب إلى أن اليسار في فرنسا يبدو منقسمًا وفي حالة احتضار، على غرار الحالة التي شهدتها الحركة في نهاية مدة ولاية الرئيس الاشتراكي، فرانسوا هولاند، الباهتة في عام 2017. وبعد مرور عَقْد على تركه للسلطة، لا يزال حزب العُمَّال البريطاني يأتي في مرتبة متأخرة عن حزب المحافظين الحاكم في استطلاعات الرأي، ولا يزال حزب العُمَّال الهولندي في حالة غيبوبة سباتية، بعد أن فشل في استعادة المكانة التي فقدها خلال الانتخابات العامة التي أُجريَت في هذا العام. وتشير استطلاعات الرأي أيضًا إلى أن الأحزاب اليمينية المتطرفة قد تصعد لتتولَّى السلطة عندما يدلي الإيطاليون بأصواتهم في الانتخابات القادمة التي من المزمع إجراؤها بحلول عام 2023 على أكثر تقدير.

لماذا يعود اليسار من جديد في أوروبا؟

ويؤكد الكاتب أن اليسار في أوروبا يشهد حالة انبعاث جديدة لا يمكن إنكارها، بغض النظر عن هذه التطورات. وثمَّة أسباب كثيرة تقف خلف هذه الحالة، حتى في الوقت الذي لا تزال فيه القاعدة الانتخابية التقليدية التابعة لليساريين، والمُتمثِّلة في العاملين في القطاع الصناعي وموظفي القطاع العام، تشهد تراجعًا، فضلًا عن كثرة الخلافات الطائفية وازدياد تشرذم النخبة المُثقَّفة.

أولًا، بعد مرور عَقْد أو أكثر على الحُكْم الذي يهيمن عليه اليمين الوسط، يُعد التحوُّل الطبيعي للتأرجح السياسي في الديمقراطيات الأوروبية أحد العوامل التي أسهمت في هذه التطورات، وآية ذلك أن الناخبين سئموا من الوجوه القديمة ذاتها ويريدون إحداث تغيير.

غير أنه بعيدًا عن التداول الدوري للسلطة، تشهد الأفكار التقدُّمية، مرةً أخرى، تصاعدًا على ضفَّتي المحيط الأطلسي. ويُعدُّ الانتصار الذي حقَّقه الرئيس الأمريكي، جو بايدن، ودعمه لقضايا مثل تغيُّر المناخ وتحقيق العدالة الضريبية، فضلًا عن النطاق الطموح لبرنامج التعافي الاقتصادي بعد تفشِّي كوفيد-19 من بين الدوافع الرئيسة لهذا الوضع.

ويشير التقرير إلى أن القادة الأوروبيين بَدَوا من دون سابق إنذار أكثر تردُّدًا من الولايات المتحدة فيما يتعلق بتوجيه الشركات إلى دفع نصيبها العادل من الضرائب، أو التصدِّي لتغيُّر المناخ، أو التنازُل عن براءات اختراع اللقاحات لمساعدة البلدان الأكثر فقرًا، أو ضخ استثمارات عامة ضخمة لإعادة تنشيط الاقتصاد.

دولي

منذ 11 شهر
«الإندبندنت»: حتى بعد رحيل ترامب.. أفكار اليمين الشعبوي لن تختفي من أوروبا

وعلاوةً على ذلك، عزَّزت هزيمة الرئيس الأمريكي الشعبوي اليميني، دونالد ترامب، ثقة القوى السياسية التي تنتمي إلى يسار الوسط في أوروبا بأنفسها؛ وهو ما شكَّل انتكاسة للأحزاب القومية المناهضة للهجرة التي حققت نجاحات في أوساط الناخبين من أبناء الطبقة العاملة في أوروبا.

وفي النهاية، وبعد مرور أكثر من عَقْد على إجراءات التقشُّف وتراجع دور الدولة والخدمات العامة، أسفر تفشِّي جائحة كوفيد-19 عن ظهور مطالب تهدف إلى اكتساب الدولة مزيدًا من القوة والحماية، وتحسين أوضاع الرعاية الصحية العامة وزيادة الإنفاق الحكومي لتخفيف الأثر الاقتصادي الشديد الناجم عن فرض عمليات الإغلاق في البلدان الأوروبية.

وأسرعت حكومات يمين الوسط في أوروبا في التوقيع على طلبات الإجازة والضوابط التحفيزية الاقتصادية كما فعلت الحكومات اليسارية. ولكن مع عودة الإنفاق العام والاقتراض إلى الظهور من جديد، أدَّى السعي من أجل وجود دولة تضطلع بدور استباقي إلى إضفاء صفة شرعية على اليسار من جديد ووضْع المدافعين المحافظين عن تقشُّف الدول الصغيرة، وإلغاء القيود التنظيمية في موقف دفاعي.

كوفيد-19 وصعود الأحزاب اليسارية

وأضاف التقرير أن الجائحة ركَّزت أيضًا الانتباه في جميع أنحاء العالم المتقدم على محنة العاملين في الخطوط الأمامية، مثل المُمرِّضات ومقدِّمي الرعاية والعاملين في مجال تقديم الخدمات، وعمَّال النظافة، وعمَّال الصرافة في المتاجر الكُبرى، والوظائف التي غالبًا ما تكون ذات أجور منخفضة، والتي تكون فيها ساعات عمل طويلة وصعبة وعقود العمالة فيها غير مستقرة.

Embed from Getty Images

كما ساعدت الأصوات التي تنادي بتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية والحصول على مزايا في هذه القطاعات الرئيسة في دفع الأحزاب اليسارية التي تناضل من أجل رفع الحد الأدنى للأجور، والحصول على مزيد من حقوق الإسكان والتوظيف العامة للعاملين المؤقَّتين والأشخاص الذين يعملون لدى منصات إلكترونية.

وفي الوقت ذاته، أسفر الوعي العام المتزايد بشأن الضرورة المُلحَّة لمكافحة تغيُّر المناخ والتكيُّف مع اقتصاد رقمي وأكثر مراعاة للبيئة، إلى تعزيز الدعم في عديد من البلدان للأحزاب الخضراء (التي تضع مراعاة البيئة نصب أعينها ومن أهم أولوياتها)؛ إذ تُعد هذه الأحزاب من بين الحلفاء الطبيعيين لليسار.

ويلمح التقرير إلى أن اكتساب ذلك الدعم يُعد أحد الأسباب التي دفعت المستشار أولاف شولتز، مرشح الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، إلى أن يدعو إلى رفع الحد أدنى للأجور، وضخ مزيد من الاستثمارات في مجال تحديث الخدمات العامة، ومن المُرجَّح أن تدفع الحملة التي أجرتها أحزاب خضراء من أجل تخصيص الإنفاق الحكومي الضخم لتحويل الصناعة والنقل من أجل الوصول إلى مستقبل خالٍ من آثار الكربون، هذه الأحزاب إلى السلطة خلال الانتخابات العامة التي ستُجرى يوم الأحد المقبل.

استطلاع رأي بشأن استطلاعات الرأي المتعلقة بالانتخابات البرلمانية الوطنية في ألمانيا

المصدر: بوليتيكو

ويشير التقرير إلى أن اليسار الوسط واجه في بعض الأحيان صعوبات في التوفيق بين أيديولوجية مؤيديه والجوانب الواقعية للحُكم. وفي الانتخابات السابقة، فشل عديد من الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية في أوروبا في تحقيق مكاسب بعد أن تبنَّت سياسات تحرُّرية جديدة، مثل إصلاحات قانون العمل الألماني (المعروف بقانون هارتس 4)، أو إلغاء القيود المالية في المملكة المتحدة، أو التقشُّف المالي في جنوب أوروبا؛ ما أدَّى إلى صعود مزيد من اليساريين الراديكاليين وقوى معارضة يمينية متطرفة.

خلافات هيكلية

ويؤكد التقرير أن اليسار لم يتجاوز بعْد الخلافات القائمة في تحالفه الشامل (الذي ينتمي أعضاؤه إلى خلفيات مختلفة) بين مؤيدي العولمة والاتحاد الأوروبي ومعارضيهما، فضلًا عن الخلاف مع أولئك الذين يتَّخذون مواقف متطرفة بشأن موضوعات مثل الهجرة، والتعدُّدية الثقافية، والدخل الأساسي الشامل، وهي الخلافات التي ساعدت على إبعاد اليسار عن الساحة ومواقع السلطة والمسؤولية. وعلاوةً على ذلك، يمكن أن تؤدي يقظة اليسار هذه إلى صرف انتباه التقدميين إلى معارك ذاتية التدمير بشأن نوع الجنس والعِرْق والحرمان من حرية التعبير لأولئك الذين يتبنون مواقف سياسية خاطئة.

دولي

منذ 5 شهور
«فورين بوليسي»: هل يتعلم الديمقراطيون الأمريكيون الدرس من إخفاقات اليسار الأوروبي؟

ولكن مع أن هذه الحُجَج لا تزال تُطرح على الساحة، نجح الاشتراكيون المعتدلون، مثل رئيس الوزراء البرتغالي أنطونيو كوستا، ونظيره الإسباني بيدرو سانشيز، في تنفيذ سياسات ديمقراطية اجتماعية عملية، مع الاحتفاظ بدعم الحلفاء لحركاتهم اليسارية، وثقة الأسواق المالية. ويبدو أن أولاف شولتز، زعيم الحزب الديمقراطي الاشتراكي، من هذه الفئة.

وقد غيَّر كوفيد-19 شروط النقاش وخطوط المعركة. وفي إطار الحملة الرامية إلى «إعادة البناء على نحوٍ أفضل»، يغيِّر الناخبون في عديد من البلدان أولوياتهم، من خلال تقديم الإنفاق العام على الاقتطاعات الضريبية أو تخفيض الديون، وتقديم الرعاية الصحية العامة على الطب الخاص والاستثمار العام على سياسة الحرية الاقتصادية.

وينوِّه الكاتب في نهاية تقريره إلى أنه إذا تمكَّن يسار الوسط من إقامة شراكة دائمة مع الحركة البيئية وكبح جماح المتطرفين والشعبويين في صفوفه، فسوف يحتل وضعًا مناسبًا يُمكِّنه من تحقيق مكاسب انتخابية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد