كانت الثورة الصناعية؛ التي حدثت منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر، فترة أصبحت فيها المجتمعات الريفية الزراعية في أوروبا وأمريكا حضريةً وصناعيةً. قبل الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر كان التصنيع اليدوي يحدث غالبًا في المنازل باستخدام أدوات يدوية أو آلات بدائية. وشهد التحوُّل الصناعي تحوُّلًا نحو الإنتاج الضخم والمصانع والآلات ذات الأغراض الخاصة والتي تعمل بالطاقة.

لعبت صناعات النسيج والحديد، إلى جانب تطوُّر المُحرِّكات البخارية، أدوارًا مركزية في الثورة الصناعية، التي شهدت كذلك أنظمة مصرفية وتواصل ونقل مُحسَّنة. وبينما تسبّب التحوُّل الصناعي في كمية متزايدة ومتنوعة من البضائع المُصنَّعة ومستوى حياة أفضل للبعض، تسبَّب أيضًا في ظروف حياة وعمالة قاسية للطبقات العاملة والفقيرة.

بريطانيا مولد الثورة الصناعية

قبل بدء الثورة الصناعية كان معظم الناس يسكنون في مجتمعات ريفية صغيرة يتمحور فيها وجودهم اليومي حول الزراعة، كانت حياة الشخص العادي صعبة، إذ كانت الدخول قليلة وكان سوء التغذية والأمراض شائعين. كان الناس يُنتِجون جُلَّ طعامهم وملابسهم وأثاثهم وأدواتهم، كان معظم التصنيع يحدث في المنازل أو في محال ريفية صغيرة باستخدام أدوات يدوية أو آلات بسيطة.

ساهمت عدة عوامل في لعب بريطانيا دور مولد الثورة الصناعية؛ أحدها أنَّها كان لديها رواسب كثيرة من الفحم والحديد الخام، واللذين ثبت أنَّهما ضروريان للتصنيع. بالإضافة إلى أنَّ بريطانيا كانت مُجتمعًا مُستقرًّا سياسيًّا، وكانت أيضًا القوة الاستعمارية الرائدة في العالم، ممَّا عنى أنَّ مستعمراتها قد تكون مصدرًا للمواد الخام، وأسواق للبضائع المُصنَّعة. ومع تزايد الطلب على البضائع البريطانية، احتاج التُجَّار إلى طرق إنتاج أكثر فعالية من حيث التكلفة، ممَّا أدَّى إلى ظهور الميكَنة ونظام المصنع.

الابتكار والتحوُّل الصناعي

لقد غيَّر التحوُّل الصناعي صناعة النسيج بالأخص، فقبل الميكَنة والمصانع كانت المنسوجات تُصنَع بالأساس في المنازل (ممَّا أنتج مصطلح الصناعات المنزلية)، فيُقدِّم التُجَّار غالبًا المواد الخام والمعدات الأساسية، ثم يحصلون على المُنتَج النهائي. وفَّق العُمَّال جداولهم وفقًا لهذا النظام، وهو ما ثبتت صعوبة تنظيمه على التُجَّار، وأحدث العديد من العجز. أدَّت سلسلةٌ من الابتكارات في القرن الثامن عشر إلى إنتاجية متزايدة على نحوٍ غير مسبوق، مع تطلُّب طاقة بشرية أقل، ففي 1764 على سبيل المثال اخترع الإنجليزي جيمس هارجريفز دولاب الغزل؛ وهو آلة تُمكِّن الفرد من إنتاج عدة بكرات من الخيط في وقتٍ واحد، وكان هناك أكثر من 20,000 دولاب غزل مُستخدَمًا في أنحاء بريطانيا عند وفاة هارجريفز. تطوَّر دولاب الغزل على يد المُخترِع صامويل كرومبتون، ثم تطوَّر إلى آلات أخرى لاحقًا. كان المغزل الكهربائي اختراعًا هامًا آخر في صناعة النسيج؛ وهو الذي ميكَن عملية نسج القماش، وطُوِّر في ثمانينيات القرن الثامن عشر على يد المُخترِع الإنجليزي إدموند كارترايت.

كما لعبت التطوُّرات في صناعة الحديد دورًا مركزيًا في الثورة الصناعية، اكتشف الإنجليزي آبراهام داربي في بداية القرن الثامن عشر طريقة أرخص وأسهل لإنتاج حديد الزهر باستخدام فرن يعمل بفحم الكوك (بدلًا من الفحم النباتي). وفي خمسينيات القرن التاسع عشر طوَّر المهندس البريطاني هنري بيسيمر أول عملية رخيصة لإنتاج الحديد بالجملة. أصبح كلٌ من الحديد والصلب مواد ضرورية تُستخدَم لصنع كل شيء؛ بدءًا من الأجهزة والأدوات والآلات إلى السُفُن والمباني والبنية التحتية.

كان المُحرِّك البخاري كذلك مُكمِّلًا للتصنيع، طوَّر الإنجليزي توماس نيوكومن أول مُحرِّك بخاري عملي عام 1712 (والذي كان يُستخدَم بصورةٍ أساسية لضخ المياه خارج المناجم)، وطوَّر المُخترِع الأسكتلندي جيمس وات في سبعينيات القرن الثامن عشر من عمل نيوكومنت وانتقل المُحرِّك البخاري إلى الآلات الكهربائي والقطارات والسُفُن خلال الثورة الصناعية.

النقل والثورة الصناعية

مرَّت صناعة النقل كذلك بتحوُّل كبير خلال الثورة الصناعية، قبل ظهور المُحرِّك البخاري، كانت المواد الخام والبضائع تُجَر وتُوزَّع عن طريق عربات يجُرّها الخيل، والمراكب عبر القنوات والأنهار. بنى الأمريكي روبرت فولتون في بداية القرن التاسع عشر أول مركب بخاري ناجح تجاريًا، وفي منتصف القرن التاسع عشر كانت المراكب البخارية تحمل شحنات عبر المحيط الأطلنطي. وبينما كانت السُفن التي تعمل بالبخار تظهر للمرة الأولى، كان يبدأ أيضًا استخدام القطارات البخارية، في بداية القرن التاسع عشر شيَّد المهندس البريطاني ريتشارد تريفيثيك أول قطار سكة حديد بخاري. وفي 1830 أصبح خط سكة حديد ليفربول ومانشستر بإنجلترا أول خط سكة حديد يُقدِّم خدمات مُنظَّمة مُجدوَلة للرُكَّاب، وبحلول عام 1820 كان لبريطانيا خط سكة حديد يمتد لأكثر من 6,000 ميلًا. بالإضافة إلى أنَّ المهندس الأسكتلندي جون ماك آدم قد طوَّر حوالي عام 1820 عمليةً جديدةً لتشييد الطُرُق، وأنتجت تقنيته؛ التي عُرِفَت باسم ماك آدم، أكثر سلاسةً وثباتًا وأقل وحلًا.

التواصل والأعمال المصرفية في الثورة الصناعية

أصبح التواصل أسهل خلال الثورة الصناعية مع وجود اختراعات مثل التلغراف، سجَّل البريطانيان ويليام كوك وتشارلز ويتسون عام 1837 أول تلغراف كهربائي تجاري، في عام 1840 كانت السكك الحديدية تعمل بنظام كوك-ويتستون، وفي 1866 وُضِع كابل تلغراف بنجاح عبر الأطلنطي. كما شهدت الثورة الصناعية نهوض البنوك والخبراء الماليين الصناعيين، بالإضافة إلى نظام مصانع معتمد على المُلَّاك والمديرين. وأُنشِئ سوق لتبادل الأسهم في لندن في سبعينييات القرن الثامن عشر، وتأسَّس سوق تبادل الأسهم بنيويورك في أوائل تسعينيات القرن الثامن عشر. ونشر الفيلسوف الاجتماعي الأسكتلندي آدم سميث؛ والذي يُعَد مؤسِّس الاقتصاد الحديث، كتاب «ثروة الأمم» عام 1776، وروَّج سميث فيه لنظام اقتصادي قائم على المشاريع المجانية والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وغياب التدخُّل الحكومي.

جودة الحياة خلال التحوُّل الصناعي

تسبَّبت الثورة الصناعية في كمِّ أكبر ومتنوِّع من البضائع المُنتَجة في المصانع ورفعت من مستوى معيشة الكثيرين، وخاصةً الطبقة المتوسطة والعُليا. ولكن ظلَّت حياة الطبقات العاملة والفقيرة مليئة بالتحدِّيات، فكانت أجور أولئك الذين يعملون في المصانع منخفضة وظروف العمل خطيرة ورتيبة، وكان للعُمَّال غير المهرة القليل من الأمان الوظيفي ويمكن استبدالهم بسهولة. كان الأطفال جُزءًا من القوى العاملة وكانوا يعملون لساعات طويلة غالبًا وكانوا يُستغَلُّون في مهام خطيرة للغاية مثل تنظيف الآلات. كان خُمس العُمَّال في صناعة النسيج البريطانية في أوائل ستينيات القرن التاسع عشر أعمارهم أصغر من 15 عامًا. كما كان التحوُّل الصناعي يعني استبدال الآلات ببعض الحرفيين، بالإضافة إلى أنَّ المناطق الحضرية الصناعية لم تكُن قادرة على مواكبة تدفُّق العُمَّال القادمين من الريف، ممَّا نتج عنه إسكان غير ملائم كثير الازدحام  وظروف حياة مُلوَّثة غير صحية كانت الأمراض فيها متفاقمة. بدأت ظروف الطبقة العاملة البريطانية في التحسُّن تدريجيًّا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، إذ أجرت الحكومة إصلاحات في العمل وفاز العُمَّال بالحق في تشكيل نقابات.

التحوُّل الصناعي ينتقل إلى خارج بريطانيا

سنَّ البريطانيون تشريعًا لمنع تصدير تكنولوجيتهم وعُمَّالهم الماهرين، ولكن لم ينجحوا كثيرًا في هذا الأمر. انتشر التحوُّل الصناعي من بريطانيا إلى الدول الأوروبية الأخرى، بما فيها بلجيكا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر كان التحوُّل الصناعي قد ترسَّخ في الجزء الغربي من أوروبا ومنطقة شمال شرق أمريكا، وبحلول بداية القرن العشرين كانت الولايات المتحدة قد أصبحت الأمة الصناعية الرائدة في العالم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد