قالت الكاتبة كيم غطاس في مقال لها على موقع مجلة «فورين بوليسي» إنه عندما أراد مستشار الأمن القومي ماكماستر إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لا يزال هناك أمل في إصلاح أحوال أفغانستان، أظهر صورة قديمة تعود لعام 1972 لنساء يرتدين تنانير قصيرة في شوارع كابول.

أراد ماكماستر من هذا أن يؤكد أن الأفغان اعتنقوا المثل العليا الغربية في زمن ما ويمكن لهذا أن يتكرر بمساعدة أمريكا. نجح ماكماستر في مبتغاه – تؤكد كيم – فقد تبددت شكوك ترامب حول المجهود الحربي في أفغانستان وقرر الدفع بمزيد من القوات. لكن ذلك أظهر أيضًا قصور فهم أمريكا لثقافة البلدان التي سعت إلى تحديثها. تظهر الصورة آنفة الذكر النخبة الحضرية في كابول – وهي نخبة غير ممثلة للطيف الأوسع من الأفغان. فلم تكن كافة الأفغانيات يتجولن في تنورات قصيرة قبل وصول طالبان إلى الحكم.

الصورة تظهر شيئًا فُقد ليس فقط في أفغانستان، بل أيضًا في معظم أنحاء العالم الإسلامي في العقود الأخيرة؛ وهو حرية الاختيار.

كانت بعض الأفغانيات يرتدين تنورات قصيرة في السبعينيات دون خوف من العقاب. وتظهر صور أخرى من تلك الحقبة الفرص التعليمية والمهنية المتاحة للمرأة الأفغانية. كما طفت على السطح صور من المملكة العربية السعودية من الستينيات والسبعينيات أيضًا، تظهر الرجال والنساء في مايوهات السباحة على رصيف الشاطئ، وقد بدا معظمهم أجانب – وظهر أن بعضهم من شركات الطيران يجلسون في استراحة في جدة. لكن السعوديين أيضًا لم يعارضوا هذه الشواطئ، وحتى لو عارضها البعض، كان بوسع الناس الذهاب إلى الشاطئ دون خوف من العنف هناك.

كانت الستينيات والسبعينيات حقبة النقاش الفكري القوي حول دور الدين في المجتمع – تشير كيم – وانتشرت المناقشات بين اليساريين والعلمانيين والرأسماليين والماركسيين والإسلاميين في المنطقة. لكن الإسلاميين المتشددين رفضوا الفكر والثقافة بوصفها صنيعة غربية وأداة للنفوذ الاستعماري. ولكن لم يكن كل المفكرين والمثقفين تابعين للغرب؛ فمثلًا كانت اللبنانية نظيرة زين الدين من أشهر النساء في العالم العربي في أوائل القرن العشرين ولم تكن لها صلة بالحركة النسوية الغربية في ذلك الوقت.

ولكن على مدى العقود القليلة الماضية، لم يعد هناك سوى مجال ضيق للنقاش وحرية الاختيار. ولعل باكستان تمثل أبلغ مثال على كيفية إضفاء الشرعية على التعصب. لا تفقد الدول ماضيها الثقافي فقط عندما تستولي مجموعة مثل طالبان على السلطة بعنف. بل إن التآكل البطيء للمعايير التقدمية، والتحول البطيء في المعتقدات يمكن أن يكون مدمرًا.

لم تشهد باكستان منذ مطلع القرن الماضي وحتى عام 1985 سوى 10 قضايا اتهام بالتجديف (ازدراء الأديان) في المحاكم – تضيف كيم – لكن العدد ارتفع بصورة مفزعة بين عامي 1985 و2011 ليبلغ أكثر من 4 آلاف قضية. والأسوأ من ذلك، أن عقوبة التجديف في باكستان اليوم هي القتل. وفي يناير (كانون الثاني) من عام 2011، قُتل حاكم البنجاب سلمان تيسير من قبل حرسه الشخصي لتعيينه امرأة مسيحية شابة اتهمت بالكفر. ومع أنه قد حكم على قاتل تيسير بالإعدام، إلا أن الآلاف الذين حضروا جنازته اعتبروه بطلًا، وشُيد مسجد يحمل اسمه في إسلام أباد.

أثار اغتيال تيسير – وكذلك أول وزير فيدرالي مسيحي باكستاني شهباز بهاتي بعد شهرين فقط – صدمة فرحناز أصفهاني، وهي صديقة لكلا الرجلين وصحافية سابقة، وكانت عضوًا في البرلمان الباكستاني في لجنة حقوق الإنسان. وقد حاول ثلاثتهم مرارًا وتكرارًا إثارة مسألة حقوق الأقليات. وفي البرلمان، كان بإمكان أصفهاني الحصول على معلومات أكثر من عامة الجمهور، وقد صُدمت إزاء مدى العنف اليومي ضد الأقليات – وأن أيًا من زملائها لم يكن مستعدًا لمناقشة هذه المسألة.

تقول كيم إن أصفهاني ألفت كتابًا بعنوان «تنقية الأرض النقية» نشر في العام الماضي، ويوضح مدى انتهاك حقوق الأقليات وقمع التعددية في باكستان، وأثر ذلك على مستقبل الديمقراطية. قدم الكتاب قصة شاملة ولكن موجزة لكيفية تدهور الأوضاع. وبوصفها شيعية، فقد كانت حريصة على تجنب الجدل من خلال تقديم عمل دقيق ومنهجي. لكنها تلقت هي وزوجها السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة حسين حقاني تهديدات بالقتل بسبب عملهما، فاختارا المنفى الذاتي في واشنطن.

Embed from Getty Images

في كتابها، تتقصى أصفهاني تدهور أحوال باكستان بعد سنوات قليلة من استقلالها. كان مؤسس البلاد محمد علي جناح – وهو شيعي علماني – يحلم ببلد تسود فيه حرية الذهاب إلى الكنائس والمساجد أو إلى أي مكان آخر للعبادة. لكن أصفهاني تكتب أن «أحلامه عن التعددية الدينية لم تتحقق بعد».

بدأ الإسلام يحتل مكانة مركزية في الحياة في باكستان بعد فترة وجيزة من الاستقلال، بسبب شعور المسلمين بأنهم ضحية للهندوس والاستعمار البريطاني في الهند. وبحلول عام 1973 – تواصل معدة التقرير قولها – أعلن الإسلام دينًا للدولة في باكستان. وفي عام 1974، في ظل حكم رئيس الوزراء بوتو الذي تظاهر بالتقدم، أعلن البرلمان أن الأحمديين غير مسلمين. وهي حركة إسلامية بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، وتلتزم الأحمدية بتعاليم القرآن، واعتبرت مؤسسها نبيًا، فأغضبت المسلمين الذين يعتقدون أن محمد هو خاتم الأنبياء.

وجد بوتو صعوبة في الفصل بين القومية الباكستانية والأيديولوجية الإسلامية – تستدرك كيم – وقد كتبت أصفهاني أنه كان غير قادر على إدارة «التوازن الدقيق في تنفيذ الأفكار الليبرالية واسترضاء المشاعر الإسلامية».

اقرأ أيضًا: دراسة: الإلحاد أكثر انتشارًا.. لكنّ ذلك لا ينطبق على الشرق الأوسط

وبحلول منتصف الثمانينيات، نمت مشاعر الكراهية ضد الشيعة، وبلغ الأمر حد التكفير، وهي تهمة خطيرة في دولة ذات أغلبية سنية، ويشكل الشيعة حوالي 15 في المئة من السكان. أذعن الديكتاتور العسكري محمد ضياء الحق أمام الهجمات المسلحة التي تستهدف الشيعة، مما مهد الطريق لحملة منهجية للقضاء على الأطباء والمهندسين والمعلمين الشيعة في كراتشي وأماكن أخرى. واليوم، لا يزال الشيعة ومساجدهم أهدافًا عادية للهجمات القاتلة – تشير كيم – فمنذ عام 2003، قتل ما يقدر بـ2558 من الشيعة في أعمال عنف طائفية.

تقول أصفهاني إن ضياع حقوق الأقليات وتزايد التعصب مر على مراحل في باكستان. كانت المرحلة الأولى هي «أسلمة» المجتمع، عبر نقل السكان غير المسلمين من باكستان بعد الاستقلال، تلاها صعود هوية إسلامية مع فقدان شرق باكستان. ثم جاءت مرحلة أسلمة القوانين في عهد ضياء الحق في الثمانينيات، وأخيرًا صعود العنف المسلح والمنظم.

Embed from Getty Images

تعتبر أصفهاني حكم ضياء الحق نقطة اللاعودة. قام الحاكم العسكري بتطبيق قوانين إسلامية جديدة تعرف بقوانين الحدود التي تطبق عقوبات شرعية صارمة على جرائم محددة. وخلال تلك الفترة أقرت عقوبتا السجن مدى الحياة والإعدام على التجديف.

امتدت الأسلمة لتطول أي منحى ثقافي – توضح كيم – حيث أغلقت دور السينما من كراتشي إلى بيشاور، واضطر الفنانون إلى الاختباء، وأعيدت صياغة المناهج الدراسية لخلق «صورة متجانسة لباكستان بوصفها دولةً إسلامية وتعليم الطلاب اعتبار المسلمين فقط مواطنين باكستانيين».

ترسخ إرث ضياء في النظام والحياة اليومية للشعب الباكستاني. إن الباكستانيين الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة لم يشهدوا أي نمط حياة آخر، في حين أن الأجيال الأكبر سنًا تذكر التنوع في الماضي – حتى وإن كانوا يعتقدون بوجود بعض أوجه القصور. ولكن مع ذلك، فإن تعصب باكستان المتنامي قد أثر على التنوع: فبين عامي 1947 واليوم، انخفضت نسبة الأقليات من 25 في المائة من السكان إلى 3 في المائة فقط.

«التعددية لا يمكن أن تحدث إلا عندما يتاح المجال للكافة، فلا يمكن أن يكون لديك دولة ديمقراطية تعددية عندما تؤمن بأن دينك فقط هو الحق». فرحناز أصفهاني.

إن الصورة التي عرضها ماكماستر على ترامب جميلة – تؤكد كيم – لكنها لا توضح لنا كيفية نشر ثقافة التسامح التي كانت مقبولة يومًا في باكستان وبلدان أخرى مثل أفغانستان أو العراق أو مصر. يعتبر كتاب أصفهاني بمنزلة تذكير بأن شيئًا أكثر عمقًا من التنانير القصيرة فُقد في هذه البلدان. ترى كيم أن سياسات مكافحة الإرهاب في واشنطن هي بداية جيدة، لكنها غالبًا ما تفشل في المضي قدمًا نحو استعادة المعايير الأساسية مثل احترام التنوع. وسيعتمد ذلك في نهاية المطاف على جهود السكان المحليين أنفسهم.

لعله يمكن الاستفادة من الحنين إلى الماضي – تختتم كيم بالقول – فعندما يتصفح الناس في باكستان أو مصر أو أفغانستان ألبومات صور آبائهم وأجدادهم ويتساءلون عما حدث لبلدهم، سيرون التنانير وعدم الاحتشام، لكنهم يرغبون في التنوع وحرية الاختيار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد