بعد الأزمة المالية، كان التركيز على الأمن والسلامة بمثابة الدواء الجيد للنظام المالي. سياسات رأس المال والسيولة المصرفية الجديدة، ضمن مبادرات أخرى، عززت من حالة المريض المنهك. بات النظام المصرفي الآن أقوى، مع مزيد من الأصول السائلة، ومعايير اكتتاب أفضل.

ومع ذلك، وعلى الرغم من النوايا الحسنة، إلا أن السياسيين والمنظمين أنشأوا إطارًا تنظيميًّا توسعيًّا وغير مجرب من شأنه أن يكون له عواقب غير متعمدة على السيولة في نظامنا المالي. مجتمعةً، قد تكون هذه التغييرات التنظيمية وقودًا لأزمة مالية مقبلة، فضلًا عن تباطؤ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.

قاعدة فولكر، على سبيل المثال، تحظر تداول الملكية من قبل البنوك. الحظر، جنبًا إلى جنب مع متطلبات رأس المال والسيولة، دفع البنوك لتجنب بعض وظائف السوق في عدد من أسواق الأسهم والديون الرئيسية. أفضى ذلك إلى خفض السيولة في الأسواق التجارية، وخاصة بالنسبة للديون.

ثمة تحذير صدر في أكتوبر الماضي في سوق سندات الخزانة الأمريكية مع تحركات لحظية ضخمة، لا علاقة لها بالأحداث الخارجية. دويتشه بنكس ذكرت أن مخزونات التجارة من سندات الشركات هي أقل بنسبة 90٪ منذ عام 2001، على الرغم من تضاعف سندات الشركات المعلقة. جفاف السيولة يمكن أن يؤدي إلى تفاقم، أو حتى، إلى اندلاع الأزمة المالية القادمة. البائعون سيقدمون الأوراق، ولكن لن يكون هناك مشترون. سوف تنخفض الأسعار بشكل حاد، مما سيتسبب في خسائر كبيرة للمستثمرين وصناديق التقاعد والمؤسسات المالية.

لماذا ينبغي علينا أن نهتم؟ لأن قواعد رأس المال الجديد والسيولة والتداول مترابطة، الأسواق المغلقة والانخفاض السريع في أسعار الأوراق المالية سيجبر البنوك على الحد من الأصول واكتناز السيولة من أجل تلبية الاختبارات التنظيمية المعمول بها. مع الأفراد الذين يعانون من الخسائر والشركات غير القادرة على رفع رأس المال، فإن الاقتصاد سيعاني من تسريح العمال، وانخفاض عائدات الضرائب والضرر بالنسبة للأمريكيين ذوي الدخول المتوسطة والمنخفضة.

أصحاب الأعمال التجارية الصغيرة سيكونون عرضة بشكل خاص لأن عدد البنوك المحلية انخفض بنسبة 41٪ بين عامي 2007 و2013. دراسات حديثة من قبل اقتصاديين في جامعة هارفارد خلصت إلى أن القانون المالي دود-فرانك الذي صدر في عام 2010 ساهم في هذا الانخفاض. دود-فرانك أثقل كاهل البنوك المحلية على نحو غير متناسب، على الرغم من عدم وجود أي دور لهم في الأزمة المالية. يجب علينا إعادة النظر في تطبيق قانون دود-فرانك على البنوك المحلية نظرًا لعلاقتهم الخاصة مع المقترضين في قطاعات الزراعة والأعمال الصغيرة والعقارات المحلية.

بشكل أعم، فإن البنوك لن تلبي احتياجات العملاء في أزمة مالية كما حدث في الماضي. بينما اقترضت العديد من البنوك بنشاط في عام 2008، فإن متطلبات رأس المال الجديدة ستفضي بالبنوك إلى اكتناز السيولة، آخذة في الاعتبار تلبية احتياجات المنظمين، بدلًا من تلبية احتياجات عملائها.

ستتعزز حاجة البنوك الكبيرة للحفاظ على رأس المال بسبب القواعد التي تتطلب رفع قيمة الأصول لأنها غدت أكثر خطورة، وكذلك خفض رأس المال من خسائر الأوراق المالية غير المحققة. فيما يتعلق بمتطلبات السيولة، حتى لو اعتقدت البنوك بأن المنظمين أرادوا منهم أن ينخفضوا عن المستويات المسموح بها، فإنهم لن يرغبوا في الإقراض، حيث أن الانخفاض ​​إلى ما دون متطلبات السيولة المحددة سيكون مؤشرًا على الضعف المالي أمام العملاء والمستثمرين ومحللي الصناعة.

إذا قامت البنوك بتخفيض قروضها، سيكون لدى العملاء أمل في إيجاد مصادر التمويل الأخرى في السوق الآخذة في الانخفاض. بينما ستكون بعض المؤسسات المالية غير البنكية مصدرًا محتملًا للائتمان في الانكماش، فإن قدرتها الإقراضية بوجه عام لن تكون كافية لتغطية العجز.

في الواقع، فإن خوف الشركات الأمريكية من أن الائتمان لن يكون متاحًا في أوقات الشدة المالية أدى بالعديد من الشركات الكبيرة إلى المحافظة على مستويات لم يسبق لها مثيل من السيولة النقدية. بينما تمتلك بعض الشركات تدفقًا نقديًّا، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، والأقل تطورًا، ليس لديها هذا الترف.

اللامبالاة إلى الحاجة إلى السيولة في أزمة مالية قادت بعض المشرعين إلى الاقتراح  بالحد من صلاحيات مجلس الاحتياطي الاتحادي في الإقراض في حالات الطوارئ. في أزمة مالية، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي، باعتباره ملاذ الإقراض الأخير، فقط ربما يقف حائلًا بين اقتصادنا وكارثة مالية. يجب علينا ترك بنك الاحتياطي الفيدرالي مع المرونة اللازمة لتوفير السيولة من أجل وقف الذعر المالي. وإذا كان الخطر الأخلاقي هو خطر شرعي، فإن الحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي لتعزيز السلامة النظامية، كما قال رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي السابق، بن برنانكي، مثل إغلاق إدارة الإطفاء لتشجيع السلامة من الحرائق.

وبالنظر إلى التوسع السريع في التنظيم المصرفي ومخاوف السيولة المتزايدة، فإن المنظمين بحاجة إلى إعادة النظر فيما إذا كانوا قد تجاوزوا الحد المسموح. إنهم بحاجة إلى تقييم تكاليف تنظيم السيولة والأخذ في الاعتبار وجهة نظر المستهلكين والشركات وأصحاب المصلحة الآخرين الذين سوف يعتمدون على الوصول إلى النظام المصرفي في أزمة مالية. إعادة التقييم ينبغي أن تستكشف مواجهة تقلبات السيولة الدورية وإستراتيجيات المال التي تشجع البنوك لدعم عملائها في أزمة.

خمس سنوات مضت منذ إقرار قانون دود-فرانك، وحان الوقت لإلقاء نظرة جديدة على أثره. نحن بحاجة إلى مراجعة تنظيمية شمولية للأثر التراكمي لرأس المال عقب أزمة السيولة وقواعد التداول على توافر الائتمان والسيولة. يجب أن تكون أي مراجعة شفافة ومنسقة محليًّا ودوليًّا وبشكل استباقي وبإشراك قاعدة واسعة من المنظمين وقادة الصناعة والاقتصاديين والمستهلكين.

لا يتطلع أحد إلى التخلي عن فوائد رأس المال القوي ومتطلبات السيولة. كل ما نحتاجه هو أن نكون حذرين أننا لا نخلق المصرفيين الذين، في كلمات نُسبت إلى مارك توين، يأخذون مظلتهم المقرضة للوراء في الدقيقة التي يبدأ فيها المطر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد