إن كنت متابعًا لأخبار الرئيس الأمريكي الـ45 دونالد ترامب، فالمؤكد أنك سمعت بحساب تويتر الأسطوري الذي يصر على استخدامه في إهانة خصومه والرد على الشائعات، والتباهي من حين لآخر بانتصاراته وإنجازاته الحقيقية منها، والمشكوك في صحتها. خصص الرئيس الأمريكي حسابه لمهاجمة مذيعي قنوات الأخبار «الزائفة»، مثل: ميكا برزيزينسكي من MSNBC، والفنانين المعارضين له، مثل: ميريل ستريب، بل نشر قبل أيام مقطعًا يظهر فيه الرئيس يضرب «سي إن إن»، ويطيح بها أرضًا (نعم، هذا صحيح).

حاول العديد تفسير السلوك شديد الغرابة لترامب على شبكة الإنترنت. بعد مهاجمة الرئيس ترامب لها عدة مرات، ناعتًا إياها بـ«العصابية» و «المجنونة»، ومدعيًا أنها كانت تنزف من وجهها على إثر عملية تجميلٍ، أشارت المذيعة ميكا برزيزنسكي إلى احتمالية أن يكون ترامب «ليس على ما يرام» و«قدراته العقلية لا تسمح» بمشاهدة برنامجها. وفسر آخرون الأمر على أنه عجز مرضي عن التحكم في أعصابه.

اقرأ أيضًا: «شطارة رجل الأعمال».. تغريدات ترامب توجه قرارات الشركات الأمريكية الكبرى

لكن سلوك ترامب يحمل العديد من علامات «المضايقة الإلكترونية» أو «التنمر عبر الانترنت» Cyberbullying، وفقًا لمحامين وعلماء نفس ومهتمين بدراسة هذه الظاهرة الثقافية المتفشية، قائلين بأن فهم هذه الممارسات قد يفسر استمرار ترامب في مهاجمة الجميع من منصته المفضلة، بالرغم من تعرضه لانتقاداتٍ واسعة. في هذا التقرير بمجلة «بوليتيكو» الأمريكية، تستعرض سارة هولدر تفسيرات علم النفس لسلوكيات «بلطجي» تويتر الأشهر.

ما هو التنمر عبر الإنترنت؟

يعرِّف التقرير سلوك التنمر عبر شبكة الإنترنت، نقلًا عن جاستن باتشن، أستاذ العدالة الجنائية بجامعة وسكونسن أو كلاير، بأنه إلحاق الأذى بالآخرين عبر وسائل التكنولوجيا عمدًا وبصفة متكررة. هي ظاهرة تناولتها السيدة الأولى ميلانيا ترامب، قبل وقتٍ قصير من إجراء الانتخابات، بالشجب والإدانة، باعتبارها سلوكًا «مرفوضًا تمامًا».

من الناحية التقنية، لا يُمكن اعتبار سلوك ترامب البالغ من العمر 71 عامًا تنمرًا عبر الإنترنت؛ ذلك لأن المصطلح عادة ما يستخدم لوصف سلوك المراهقين الجالسين خلف شاشات الحاسوب، يكيلون السباب لأقرانهم. إلا أن سلوك ترامب يدخل تحت تصنيفاتٍ مشابهة تُستخدم أكثر مع البالغين.

من ضمن هؤلاء «المُلهبين» Flamers، الذين يستخدمون اللغة المسيئة والبذيئة أملًا في استثارة ردود الأفعال. و«المتصيِّدين» Trolls، الذين يُحاولون بدء نقاشاتٍ حادة مطولة عن طريق ازدراء أشخاص أو جماعاتٍ من الناس والإساءة إليهم. و«المتحرِّشين الإلكترونيين» Cyber Harassers، الذين يُمارسون السلوكيات السابقة بصفة متكررة تجاه أشخاص بعينهم. وبمتابعة حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة بالرئيس الأمريكي، تجد أن ممارساته تندرج تحت التصنيفات الثلاثة كلها، وفقًا لباري أفتاب، محامية متخصصة في التنمر عبر الإنترنت والخصوصية الرقمية.

اقرأ أيضًا: رئيسٌ ضد الجميع.. ترامب يفتح النيران على المؤسسات الأمريكية

كيف يولد بلطجي الإنترنت

تتباين التفسيرات السيكولوجية لتحرر «البلطجي» الكامن بداخلنا على شبكة الانترنت. يقول إلياس أبو جوده، طبيب الأمراض العقلية بجامعة ستانفورد الأمريكية، إننا «نتقمص شخصياتٍ متباينة بدرجةٍ ما على شبكة الانترنت». في بعض الحالات تكون العوامل المؤدية إلى مثل هذا السلوك على شبكة الإنترنت هي تدني احترام الذات وانخفاض مستوى التعاطف مع الآخرين، إضافةً إلى «الثلاثية السوداء» من خصال الشخصية: السيكوباتية، والمكيافيلية، والنرجسية.

ويُضيف باتشن أن التنمر في أوساط المراهقين كثيرًا ما يكون مدفوعًا بمشاكل يواجهونها في علاقاتهم، من أصدقاء ينبذونهم أو آباء يتجاهلونهم، أو شركاء رومانسيين يرفضونهم. هُنا يلجأون إلى التنمر عبر الانترنت في محاولة لاستعادة الهيمنة والسيطرة التي فقدوها في عالم الواقع.

على شبكة الإنترنت لا تحتاج إلى قوة جسدية أو اجتماعية تمكنك من التسلط على الآخرين. كل ما تحتاجه هو حساب على تويتر؛ لتتمكن من إطلاق العنان لغرائزك العدوانية أو الهجومية المكبوتة في تعاملاتك وجهًا لوجه مع الآخرين.

لكن بالنسبة للبالغين، يتعلَّق الأمر أكثر باكتساب مكانة اجتماعية في دوائر بعينها. فلن يلجأ كبيرٌ أو صغير إلى التسلط على شخصٍ ما إن لم يكن يؤمن بمنفعة يجنيها من وراء هذا الفعل. يقول باتشن «لو كان ترامب يخشى أن تُفقده تغريداته أصوات الناخبين ما كان ليكتبها.. لابد أنَّه يرى فيها فائدة له بطريقة أو بأخرى».

أضِف إلى هذا سهولة استيفاء شروط «البلطجة» على شبكة الانترنت بالمقارنة بعالم الواقع. على شبكة الإنترنت لا تحتاج إلى قوة جسدية أو اجتماعية تمكنك من التسلط على الآخرين. كل ما تحتاجه هو حساب على تويتر لتتمكن من إطلاق العنان لغرائزك العدوانية أو الهجومية المكبوتة في تعاملاتك وجهًا لوجه مع الآخرين.

أجساد النساء وذكورة الرجال

وكما أن النساء الشابات هن الأكثر عُرضة للتحرش الإلكتروني، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، وفقًا لمركز أبحاث بيو، فإن أهداف ترامب أيضًا تضمنت في أغلب الأحيان النساء وأجساد النساء.

في تغريدته عن ميكا برزيزنسكي يُحاول ترامب إهانة امرأة بالإشارة إلى حاجتها لعملية تجميل في وجهها، وتخيل صورة بشعة لها الوجه الدامي المشوه بعد تعديله. كما وصف الفنانة الكوميدية روزي أودونيل بـ«السمينة» و«الغبية»، وآريانا هافينغتون (مؤسسة هاف بوست) بأنها «قبيحة من الداخل والخارج».

أما الرجال فتستهدف هجمات الإنترنت ذكورتهم. نظهر قائمة «نيويورك تايمز» لـ«الناس والأماكن والأشياء التي أهانها دونالد ترامب على تويتر» وصفه للرجال بأنهم «بائسون» أو «مهرجون» أو «مثيرون للشفقة» أو «بليدون».

اقرأ أيضًا: أنت ستؤذي شخصًا آخر إذا طلب منك صاحب سلطة.. علم النفس يؤكد

ترامب الضحية

في محاولاتها للدفاع عن تغريدات الرئيس ضد ميكا برزيزنسكي، وقفت سارة هاكابي ساندرز المتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض في مؤتمر صحفي تُجادل بأن برنامج ميكا وزميلها نعت الرئيس وعددًا من أفراد طاقمه بأوصاف «شخصية جدًا»، وأن الرئيس ترامب هو ضحية هذه المضايقات، لا من تستهدفهم تغريداته بالإهانة.

في بعض الحالات تكون العوامل المؤدية إلى سلوك التنمر عبر شبكة الإنترنت هي تدني احترام الذات وانخفاض مستوى التعاطف مع الآخرين، إضافةً إلى «الثلاثية السوداء» من خصال الشخصية: السيكوباتية، والمكيافيلية،
والنرجسية.

لكن التقرير يذهب إلى أن منصب ترامب يستحيل معه أن يتحول الرئيس إلى ضحية، وفقًا للخبراء. فالرئيس دائمًا هو الأقوى وصاحب شبكة العلاقات الأوسع والأتباع الأكثر. وهذا تحديدًا هو وجه اختلاف ترامب عن أي بلطجي إلكتروني آخر: إنه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الرجل الأهم في العالم، وكلماته لها عواقب تتجاوز جرح مشاعر ضحاياه بكثير. إنها تجد طريقها إلى عناوين الأخبار وينتبه لها عدد يفوق التصور من الناس حول العالم.

اختلافٌ آخر يتميز به ترامب هو العلانية التامة التي يمارس بها سلوكياته، في حين يلجأ أغلب البالغين الآخرين إلى إخفاء هويتهم ليتمتعوا بقدرٍ أكبر من الحرية في التصابي. يقول أبو جوده: إن التنمر الإلكتروني «ليس فقط تعبيرًا عن خصلة العدوانية – بل تعبيرًا عن خصلة التقهقر وراء الشاشة». وفي حالة ترامب، نجد أنه لا يملك القدرة ولا الرغبة في إخفاء هويته، فهو يخرج بوجه مكشوف على حساب تويتر وفي خطاباته وحواراته ليقذف الإهانات في وجه الجميع.

إذن، كيف يمكن إيقاف ترامب؟

الأمر منوط بالمجتمع المحيط في إيقاف أفعال التنمر والتسلط التي يمارسها أفراده. يجب على المجتمع أن يوضح بما لا يجعل مجالًا للشك أن مثل هذه السلوكيات غير مقبولة بأي حال. وهو ما فعله عدد من الشخصيات العامة في تصريحاتهم من الحزبين، مثل بول ريان وليندسي غراهام. لكن هذه التصريحات «الشكلية» ليست كافية، إذ إن الإدانة يجب أن تأتي من أشخاص أكثر قربًا من الرئيس، خاصة الإناث في عائلته وطاقمه.

وهذا لم يحدث بالطبع حتى الآن. اكتفت إيفانكا ترامب بالصمت. بينما كان رد المتحدثة باسم السيدة الأولى ميلانيًا هو أن زوجها حين يتعرض للهجوم «سيضرب بقوة أكبر 10 مرات».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد