استهل أسعد أبو خليل، أستاذ السياسة في جامعة ولاية كاليفورنيا، مقاله المنشور في موقع «ذي إنترسبت» الأمريكي، عن  المصالح والتكتيكات المتنافسة بين السعودية وقطر التي كانت عبارة عن بعد مهمل في الحرب السورية منذ عام 2011، بأن غالبًا ما كان النقاش الغربي حول الحرب السورية التي طال أمدها على الإنترنت، أو الأسوأ على وسائل التواصل الاجتماعي. ونتيجة لذلك أصبح الأمر أكثر تبسيطًا واستقطابًا إلى درجة لا يمكن فيها سوى التأصيل والتشويق، ولكن ليس التحليل أو المناقشة الموضوعية؛ إذ سيطرت الدعاية التي تطرح كتحليل على الخطاب حول سوريا.

كلا الطرفين يصران على صحة روايته وتكذيب الرواية المضادة

يذكر الكاتب في مقاله أن هناك الآن روايتين مسيطرتين فيما يتعلق بأسباب الحرب، في حين أنها تحتوي على بعض بذور الحقيقة، فإن كلتا الروايتين سطحيتين بنفس القدر، وبالتالي فهي جاذبة للحروب على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنها أيضًا مضللة إلى حد ما.

تقول الرواية الأولى، والتي يروج لها النظام السوري بشار الأسد ومؤيدوه: «إن القوى الغربية والأنظمة الخليجية تآمرت للإطاحة بحكومة الأسد، وحرضت على الاحتجاجات ضدها، واستأجرت المتمردين للقيام بالمهمة في ساحة المعركة، حيث إن الصراع في سوريا في بحسب هذه الرواية هو في المقام الأول منتج ثانوي لمحرضين خارجيين».

بينما تقول الرواية الثانية: «إن الأسباب الأساسية للحرب يمكن تفسيرها بالمظالم المشروعة التي عبر عنها الشعب السوري ضد النظام، وأنها ثارت ضده في عصر ثورات الربيع العربي. تتطلب هذه الرواية أن ينظر المرء إلى العنف ضد النظام كمنتج ثانوي للاحتجاج الشرعي من قبل المواطنين السوريين العاديين ضد ديكتاتورهم القمعي».

لقد جمع الشعب السوري الكثير من الشكاوى ضد حكم عائلة الأسد القمعية، وقد سئم من سلسلة من الوعود الفاشلة. في هذه الأثناء كانت الأنظمة الخليجية والولايات المتحدة تخطط لعملية تغيير النظام في سوريا، والتي يرجع تاريخها إلى  عام 2006.

لكن تلك الروايتين المعاد تدويرهما بشكل لا نهائي يحجبان سببًا حاسمًا للصراع السوري وطول عمر الحرب: أي المنافسة الشديدة بين المملكة العربية السعودية من جهة وقطر من جهة أخرى، كان النضال بين هاتين القوتين الأجنبيتين بعدًا حاسمًا في الحرب – وصار كفاحهما ومشاركتهما ممكنًا فقط بفضل الدعم الكامل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن الدول الغربية المختلفة انحازت إلى جانب واحد أو آخر في فترات مختلفة من النزاع.

استثمارات نخبوية ومؤسسات فكرية.. بداية المنافسة بين النظامين

بادئ ذي بدء، كانت التغطية الإعلامية والنقاش حول الحرب السورية – في الشرق والغرب – ملوّنة إلى حد كبير بمصالح الدعاية لكل من النظامين القطري والسعودي، يسيطر النظامان – بشكل مباشر أو غير مباشر – على جميع وسائل الإعلام المختلفة في العالم العربي.

ويشرح الكاتب أن وبخلاف ملكية وسائل الإعلام، تمكن كلا النظامين من السيطرة أو التأثير على روايات الصحافيين والمثقفين الغربيين من خلال الاستثمارات الضخمة في أوساط نخبة السياسة الخارجية في واشنطن، وخاصة من خلال مؤسسات الفكر والرأي، إن مراكز الفكر في واشنطن، مثل «معهد بروكينجز» و«معهد الشرق الأوسط« و«مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، تشتهر بالتمويل من الأنظمة الخليجية وبالتالي تعكس أجندتها.

معظم خبراء الشرق الأوسط في مراكز الأبحاث الرائدة الذين كانوا قد علقوا على الحرب في سوريا، وبشكل غير مفاجئ كانوا منقسمين على طول التنافس السعودي القطري، كما استثمرت دولة الإمارات العربية المتحدة في مراكز الأبحاث، بالإضافة إلى أن سياسات ذلك النظام – في سوريا على الأقل – تعكس سياسات النظام السعودي.

يروي الكاتب أنه منذ تأسيس «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)»، استطاعت حكومات الشرق الأوسط ممارسة هذا التأثير في عاصمة البلاد، من المؤكد أن «أيباك» كانت ستقاتل من أجل تقويض نفوذ هؤلاء اللاعبين الخليجيين الجدد لتشكيل الخطاب، إذا كانت وجهات نظرهم حول سوريا غير منسجمة مع مصالح إسرائيل، لكن عندما يتعلق الأمر بسوريا، فإن منظمة «أيباك» والشركات التابعة لها ترتد إلى حد كبير في صورة الدعاية المبتذلة للأنظمة الخليجية.

تاريخ السعودية وقطر القديم مع النظام السوري قبل الحرب

غالبًا ما ينسى الكثيرون أن النظام السعودي كان يرعى نظام حافظ الأسد ماليًا لما يقرب من ثلاثة عقود، وأن مصالح النظامين تتقارب في كثير من الأحيان في المنطقة، ومن الأمثلة على التقارب السعودي للأسد القمع ضد المقاومة الفلسطينية واليسار اللبناني في عام 1976، وحرب عام 1991 على العراق، وتنسيق السياسات في خطط السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، والعداء لياسر عرفات، الزعيم الراحل لفلسطين.

كان التقارب السعودي السوري خلال هذه السنوات مهمًا أيضًا لدور الولايات المتحدة في المنطقة، اعتمد المسؤولون الأمريكيون على النظام السعودي للتأثير على السياسة الخارجية السورية من خلال السخاء المالي للسعوديين، كان حافظ الأسد عضوًا رئيسًا في المحور السوري – السعودي – المصري الذي تشكل بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، وكان هذا المحور يهيمن على السياسة العربية.

في التسعينات بعد وفاة حافظ تباينت مصالح قطر والمملكة العربية السعودية، وبحلول أواخر التسعينات كانت قطر معزولة أساسًا بسبب صراعها مع المملكة العربية السعودية (فقد قام الأمير القطري الجديد حينها، حمد بن خليفة، بإسقاط والده الموالي للسعودية).

ويشير الكاتب أن قطر أصبحت عضوًا حذرًا في محور الممانعة (الذي عارض مواقف المساومة في النزاع العربي الإسرائيلي)، بينما طبعت أيضًا العلاقات مع إسرائيل، واستضافت القوات الأمريكية، وكان الأمير القطري الجديد قد اتهم النظام السعودي بمحاولة الإطاحة به لإعادة تثبيت والده على العرش (كان اتهام الأمير على الأرجح صحيحًا).

التنافس والتباعد الذي شكل حال الحرب السورية اليوم

عندما بدأ بشار الأسد في تعزيز سلطته في سوريا، حوّل سياسته الخارجية في لبنان ضد مصالح المملكة العربية السعودية ورئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، ونتيجة لذلك أصبحت قطر الحليف الطبيعي للأسد، في حين أن المملكة العربية السعودية انسحبت من النظام السوري، هذا هو التباعد والمنافسة بين المملكة العربية السعودية وقطر التي شكلت الحرب في سوريا حتى يومنا هذا.

مع وجود بشار في السلطة سعى النظام السعودي إلى تقويض الهيمنة السورية في لبنان (كانت الهيمنة السورية على لبنان قد رعت منذ عام 1989 على الأقل من قبل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية)، في عام 2004، كانت المملكة العربية السعودية جزءًا من الائتلاف الذي دفع إلى إصدار قرار مجلس الأمن، المصمم لإنهاء الدور السوري في لبنان ونزع سلاح «حزب الله».

والجدير بالذكر أن المملكة العربية السعودية سعت إلى إحداث تغيير في النظام في سوريا، بالاعتماد على العناصر الأساسية في النخبة الحاكمة (ومعظمهم من كبار المستشارين من عهد حافظ).

خلال هذا الوقت، بدأ رفيق الحريري، السياسي اللبناني المفضل لدى السعودية، في الصراع مع بشار، ونتيجة لذلك فإن الانهيار السعودي مع النظام السوري كاد أن يكتمل، وصعّدت العصبة التي ترعاها السعودية داخل سوريا، المدعومة من الحريري، حيث كانت هذه بداية النهاية للهيمنة السورية في لبنان، كان اكتشاف هذه المؤامرة على الأرجح هو السبب في إنهاء حياة واغتيال الحريري في عام 2005.

يستكمل الكاتب أنه عندما انشق السعوديون عن بشار الأسد، كانت لدى قطر خطط أخرى للمنطقة، لقد شجع النظام القطري بسبب ضعف السياسة الخارجية السعودية وصعود رجب أردوغان، حليفه الجديد في تركيا، وضعت كل من قطر وتركيا خطة لنشر تأثير الإخوان المسلمين في جميع أنحاء المنطقة، من فلسطين إلى تونس.

هذان النظامان لم يحرضا الانتفاضات العربية، بدأت جميع الانتفاضات العربية بشكل عفوي؛ بسبب شكاوى المواطنين المشروعة حول القمع والتعذيب والظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسات الخارجية العربية الخاضعة للمصالح الغربية، لكن التحالفين المتنافسين الجديدين في الشرق الأوسط، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل من جهة، وقطر وتركيا من ناحية أخرى، سعيا لاستغلال تلك الانتفاضات لمصلحتهما الخاصة.

تصاعد التحالفات وتحويل مسار الحرب إلى صراعات طائفية

في الوقت الذي اندلعت فيه ثورات الربيع العربي في عام 2011، عمل التحالف السعودي الإماراتي (غالبًا إلى جانب إسرائيل) للحفاظ على النظام القائم أو إعادة الطغاة المعزولين إلى السلطة، على النقيض من ذلك حاولت قطر وتركيا دعم (من الناحية المالية ومن خلال وسائل الإعلام) الارتقاء السياسي للإخوان المسلمين، كان انتخاب محمد مرسي رئيسًا من الإخوان المسلمين عام 2012، رئيسًا لمصر هو ذروة هذا الجهد.

عندما بدأت الانتفاضات في سوريا توقعت كل من السعودية وقطر سقوطًا سريعًا للنظام، وعندما لم يحدث ذلك، ولأسباب متنوعة، سارعوا إلى رعاية الجماعات المقاتلة وتسليحها داخل سوريا بحيث يمكنهم السيطرة عليها، ورأى السعوديون على وجه الخصوص فرصة لتحويل سوريا إلى صراع طائفي لتحقيق غاياتها الخاصة.

ظهرت جماعات متمردة و مسلحة بأسماء مختلفة داخل البلاد، أحد أكثرها شهرة هو الائتلاف الوطني السوري، وهو جماعة معارضة في المنفى، ذات روابط ضعيفة للجماعات المتمردة، تم إنشاء هذا المجلس المدني للمعارضة في المنفى، على غرار النموذج الذي استخدمه المحافظون الجدد بفعالية قبل غزو العراق عام 2003، من أجل عرض صورة مختلفة للمتمردين السوريين في العالم.

يذكر الكاتب أن مجلس المعارضة هذا، كما هو الحال بالنسبة للآذان الغربية، كان في الواقع معزولًا عن المتمردين الذين يقومون بالفعل بالقتال داخل سوريا، ولذلك كانت قوة الدعاية فعالة للغرب، لكن كانت لها علاقة قليلة بالواقع على الأرض في سوريا.

معظم هؤلاء القادة المنفيين والمنقسمين على الولاء بين قطر والسعودية، لم يجرؤوا على السير قدمًا في مناطق سوريا التي تسيطر عليها جماعات المعارضة، بينما كانت الحرب ضد النظام تزعم أنها الطائفية بشكل متزايد، كانت الجماعات الجهادية المتعصبة المستفيدين المنطقيين وكانت الأكثر فعالية، سواء في ساحة المعركة أو في الدعوة الطائفية.

ويعتقد الكاتب أنه ليس من الواضح أن المحتجين المدنيين قد زرعوا لحاهم فجأة، وأبدلوا الأقطاب على الطيف الأيديولوجي، كما كانت بعض الروايات الإعلامية الغربية تحصل عليها، كان المناخ السياسي في سوريا، الذي تأثر طويلًا بالتيارات الإسلامية، ماضيًا إلى هذه الأيديولوجيات الطائفية والدينية أكثر بكثير من الأيديولوجيات العلمانية أو اليسارية، ويستشهد الكاتب في مقاله بأن للنظام السوري تاريخًا من القمع الوحشي ضد المنشقين اليساريين؛ مما جعل اليسار أضعف في مواجهة فصائل التمرد الطائفية.

وجدت قطر أن «تنظيم القاعدة» في سوريا أكثر ملاءمة لأغراضه، في حين فضلت المملكة العربية السعودية جيش الإسلام إلى جانب عصابات مسلحة أخرى تستخدم أسماء مختلفة، كان هناك تفضيل لكل من قطر والنظام السعودي على إعطاء أسماء يغلب عليها الطابع المدني للجماعات المتمردة، لكن الخدعة لم تدم طويلًا، وبسرعة كبيرة سادت الأسماء الدينية والإسلامية المتعصبة بشكل صارخ، لكن التمويل القطري والسعودي لم يكن شأنًا مستقلًا، في وقت مبكر أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن عمليات نقل الأموال والأسلحة إلى سوريا من الخليج حظيت بمباركة إدارة أوباما.

كان من المتوقع أن يسقط نظام الأسد بسرعة في ذلك الوقت، ويأمل كل طرف في تثبيت نظامه الخاص، هذه المنافسة القاتلة لم تسر كما كان مخططا لها، وإشراك اللاعبين الإقليميين والدوليين في الصراع السوري أطالت الحرب ومعاناة السوريين.

بعدها انشغلت المملكة العربية السعودية وقطر بنزاعهما الخاص، بالإضافة إلى حرب اليمن، لكن سعادة الشعب السوري لم تكن أبدًا أولوية لأي من النظامين، ولم تكن أولوية بالنسبة لأي من الأطراف الخارجية التي تدخلت في سوريا.

في حين أن القصص الأخرى أكثر قابلية للتصديق، والبعض الآخر لا يزال يخدم مصالح الأنظمة الخارجية، فإن المنافسة بين المملكة العربية السعودية وقطر كانت عاملًا رئيسًا في تدمير سوريا، ويختتم الكاتب مقاله أنه ومع هذا فإن المشاركة المميتة لكلا النظامين كان لها دعم غربي كبير، ولم تكن بأية حال من الأحوال معزولة عن السياسات الغربية الطائشة في الشرق الأوسط ككل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد