نشر موقع «جدلية» تقريرًا تناول الأساليب التي يتبعها النظام لإسكات صوت المعارضة وإغراق الفضاء الإلكتروني بالدعاية الزائفة والمعلومات المضللة. يذكر التقرير أنه من المرجح أن آثار قضية خاشقجي تعتبر أكثر رعبًا بالنسبة لأولئك المنتقدين، الخائفين بالفعل، للنظام السعودي. لكنَّ هذه القضية قد كشفت أيضًا عن مدى عملية التضليل على الإنترنت الرامية إلى إسكات منتقدي المملكة ومحمد بن سلمان.

فالمنتقدون المعتدلون للنظام خارج الإنترنت، مثل خاشقجي، مستهدفون للاغتيال. أما عبر الإنترنت، فإنَّ التخويف والتضليل من قبل جيوش من المتصيدين والحسابات الوهمية يدفعان الأصوات المنتقدة بعيدًا عن المنصة بالكلية. في أعقاب سوء استخدام الإنترنت الذي أعقب مقتل خاشقجي، مسحت منال الشريف حسابها على تويتر وهي على منصة مؤتمر (SuNordic)، مستشهدة بأنَّ «الأدوات ذاتها التي نستخدمها لنشاطنا تستخدم لتقويضنا».

ويضيف التقرير إنه مع تخلي الأصوات المنتقدة عن تويتر بسبب الخوف أو خيبة الأمل، فإنَّ الفجوة التي تركوها يملؤها جيش من المتصيدين المؤيدين للنظام والحسابات الزائفة على الإنترنت الناشرة للبروباجاندا. هذه الأزمة المعلوماتية شديدة الحدة إلى درجة أنَّ تويتر صار الآن يعتبر «شريكًا مباشرًا» في القمع الذي تقوم به بعض الأنظمة العربية. ومن شأن قتل خاشقجي أن يزيد الأمر سوءًا.

خاشقجي ومؤامرات الشبكات الاجتماعية

مع اندلاع فضيحة خاشقجي جرى تذكير السعوديين بطريقة جلية بأنَّ «الترويج للشائعات» و«نشر أخباز زائفة» يعاقب عليهما بالسجن خمس سنوات.

يكمل التقرير مع أنَّ خاشقجي كان مواطنًا سعوديًا، فإنَّ تويتر في السعودية كان شديد الهدوء فيما يخص موته – أو على الأقل هذا ما كان عليه الحال في قسم الأحداث الشائعة الرسمية للمستخدمين – إذ لم يتحول اسم خاشقجي إلى «حدث شائع» (ترند) سوى ست مرات فحسب في السعودية خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول). أما في قطر، موطن الجزيرة، فقد تحول اسمه إلى «حدث شائع» (ترند)  164مرة. وكما يظهر الرسم البياني أدناه، فإنَّ السعودية قد حققت أقل عدد من الزيارات لوسم #جمال_خاشقجي.

وقال التقرير إنَّ غياب الحادثة عن قسم الأحداث الشائعة (الترند) كان محيرًا في بعض الأحيان، مع تصدرها عناوين الأخبار العالمية. إذ كيف يمكن لحدث استولى على اهتمام العالم بأسره أن يصبح استخدامه شائعًا (ترند) ست مرات فحسب في بلد مواطنة جمال خاشقجي؟ أحد الأسباب، بالطبع، هو الخوف، فمع اندلاع فضيحة خاشقجي جرى تذكير السعوديين بطريقة جلية بأنَّ «الترويج للشائعات» و«نشر أخباز زائفة» يعاقب عليهما بالسجن  خمس سنوات.

مجتهد: خزينة أسرار العائلة الحاكمة في السعودية على تويتر

وقال التقرير إنَّ من المرجح أن يكون السبب الآخر راجعًا لبوتات الويب وحسابات المتصيدين والدمى الجوارب (الحسابات المزورة التي ينشئها شخص ما لمناقشة شيم ما والتعليق عليه). يجري حشد هذا الجيش الوهمي كلما كان ثمة خبر سيء عن المملكة. دورهم إغراق الجدل المشروع وتعكير أجواء النقاشات بمؤامرات مشبوهة. وعادة ما يستهدفون الصحافيين ووسطاء الرأي باستعاراتهم الدعائية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أنَّ اسم خاشقجي قد أفلت بشكل غامض من أن يكون من بين الموضوعات الرائجة الرسمية على تويتر في السعودية، فإنَّ أكثر التعليقات إعادة للتغريد على وسم #جمال_خاشقجي عكست الجانب السعودي غير المعقول والمتذبذب بشكل عام. فسعى ذلك الخطاب، بحسب التقرير، إلى تصوير اختفاء خاشقجي على أنه عملية من «الدولة العميقة» التركية، أو أنَّ هدفه تلطيخ سمعة السعودية، أو أنه مؤامرة نفذها الإخوان المسلمون.

وقال التقرير إنَّ أحد الوسوم قد ألقت باللائمة على المخابرات القطرية في قتل خاشقجي، بينما كانت واحدة من أكثر التغريدات على موقع تويتر إعادة للتغريد على وسم #جمال_خاشقجي فيديو للناقد والمنظر المؤامراتي الأمريكي توماس ويكتور الذي يرتدي منخلاً على رأسه. ترجم فيديو ويكتور إلى العربية دون أي تلميح بالسخرية، على الرغم من سخف روايته.

وكما هو الحال مع هجمات ترامب على «سي. إن. إن» ووسائل إعلام الأخبار الكاذبة، فإنَّ الكثير من تعليقات الشخصيات البارزة على الوسم هاجمت القنوات الإخبارية التي تحاول إيجاد إجابات عن خاشقجي. واليوم، فإنَّ الحسابات المؤيدة للسعودية تتصيد حتى لمالك صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، جيف بيزوس، بشكل سطحي لانتقاده السعودية، وإنما في الواقع لسعي الصحيفة للعدالة في قضية خاشقجي.

التجمع حول ولي العهد

يكمل التقرير أن مع وجود الكثير من الاتهامات بأنَّ محمد بن سلمان هو الوحيد الذي كان بإمكانه أن يأمر يقتل خاشقجي (بما في ذلك اتهامات من وكالة الاستخبارات المركزية)، فثمة وسوم يومية لمواجهة هذا الانتقاد برسائل حب ودعم لولي العهد. آلاف الحسابات التي تحمل صورة بن سلمان تمجد فضائله. وقال التقرير إنَّ غرض هذه «الأحداث الشائعة» (ترند) الدفاع عن محمد بن سلمان والتغطية على «الأحداث الشائعة» (ترند) السائرة عن خاشقجي.

3 أساليب حاول بها ابن سلمان «امتصاص» صدمة خاشقجي

وبحسب ما ورد في التقرير أن ثمة نسبة ضئيلة من الحسابات الحقيقية التي جرى التحقق منها تروج هي الأخرى لهذه الوسوم. ومع ذلك فتصريحات الدعم هذه لا ينبغي دومًا أن تؤخذ على ظاهرها، بحسب التقرير. فمن بين المتصيدين ثمة مواطنون حقيقيون، ومع ذلك فهناك ضغط متزايد على السعوديين المؤثرين للجوء إلى الشبكات الاجتماعية لمدح النظام. فالصمت يمكن تفسيره الآن على أنه فتنة. هذا الضغط، مصحوبًا بالكثير من الأخبار السلبية عن السعودية، سواء كانت قتل خاشقجي أو الحرب المأساوية في اليمن، يخلق ارتفاعًا مفاجئًا في أنشطة المتصيدين والبوتات على الإنترنت وأحيانًا أولئك الخائفين من أن يفضحهم صمتهم.

أمير الذباب السعودي

وتكلم التقرير عمن سماهم المشرفين والمنفذين عبر الإنترنت. وهم أشخاص مثل سعود القحطاني، المستشار السابق في البلاط الملكي الذي فصله ابن سلمان بعد مقتل خاشقجي. وقيل إنَّ القحطاني، أحد المقربين من ابن سلمان، قد أشرف على قتل خاشقجي عبر سكايب. ومع ذلك، فإنَّ سمعته بوصفه مروجًا للدعاية يقود جيشًا من «الذباب» (الحسابات الوهمية والمزيفة) كانت راسخة قبل جريمة القتل، إذ استخدمت الوسوم الأكثر انتشارًا للتلاعب بها من قبل الحسابات الوهمية والمزيفة لمحاولة شرعنة انقلاب في قطر. وبدأ القحطاني، عام 2017، حملة مطاردة صممت لجعل السعوديين يبلغون عن أي منتقد للسياسة السعودية تجاه قطر. وبعث أيضًا برسالة مباشرة، تبدو بريئة في ظاهرها، لمنال الشريف، كان هدفها، بلا شك، تذكيرها بأنه أيا كان ما سوف تقوله عن الحكومة السعودية فهو واقع تحت مراقبته.

وكما هو الحال مع مقالات خاشقجي في صحيفة «واشنطن بوست»، فإنَّ الشبكات الاجتماعية تمثل تهديدًا محتملاً للنظام السعودي السلطوي. إذ هي أداة لانتقاد الدولة، وكذا، فينبغي تحييدها، أو، بشكل مثالي، استخدامها أداة للحكم. ومن ألا تكون الأخبار الأخيرة التي تفيد باختراق جاسوس سعودي لتويتر مثيرة للدهشة.

طغيان تويتر

قال التقرير إنَّ ماضي القحطاني بوصفه متلاعبًا بالعقول يثير المزيد من التساؤلات حول تواطؤ وادي السيليكون في دعم السلطوية السعودية. إذ كتب أناند جيريداراداس: «مع ترسيخ السعودية لدورها الجديد بوصفها واحدة من أبرز المستثمرين في وادي السيليكون، تزداد المخاطر من أنَّ استثماراتها سوف تشتري الصمت». وعلى الرغم من مخاوف جيريداراداس حول المستقبل، فإنَّ المستقبل قد تحقق بالفعل في الخليج، وهو كذلك منذ بعض الوقت.

مع ترسيخ السعودية لدورها الجديد بوصفها واحدة من أبرز المستثمرين في وادي السيليكون، تزداد المخاطر من أنَّ استثماراتها سوف تشتري الصمت.

وبالفعل، فقد تم الكشف عن أنَّ جاسوسًا سعوديًا قد طرد من تويتر لاستخدامه منصبه للكشف عن معلومات حساسة للحكومة السعودية حول النشطاء السعوديين. ومع أنَّ تويتر قد يكون وقع ضحية لتجسس دولة، فإنَّ طريقة الموقع في التعامل مع الدعاية والأخبار الكاذبة يبدو أبعد ما يكون عن الحياد السياسي. فتويتر أكثر صخبًا في الإجراءات ضد الحسابات التي يديرها تنظيم الدولة «داعش»، أو المتصيدين الإيرانيين والروس، والأمر المرجح أنَّ ذلك عائد لمتطلبات تركيز السياسة الخارجية الأمريكية.

لكنَّ تويتر ما يزال يعمل في السعودية، حليفة أمريكا، حيث ما يزال «الإصلاحي» محمد بن سلمان يشرف على نظام يسجن النشطاء ويقمع حرية التعبير. ومع سجن المعارضة المعتدلة، فإنَّ أي فراغ نقدي يملؤه جيش كبير العدد من المتصيدين الموالين للنظام والبوتات الناشرة للبروباجندا. وقال التقرير إنه سوف يكون من قبيل الخداع والمراوغة الجدال بأنَّ فرض الرقابة على مثل هذه الحسابات يشكل انتهاكًا لحرية التعبير. ذلك أنَّ الضرر الحقيقي لحرية التعبير واقع من شركات الشبكات الاجتماعية لتوفيرها أدوات للأنظمة السلطوية لتوسيع جهازها القمعي في الوقت الذي تمنع فيه هذه المنصات عن الأصوات المعارضة.

Embed from Getty Images

وقال التقرير إنَّ التحقق الأفضل من شأنه المساعدة على مكافحة هذه المشكلة، ومع ذلك، وعلى نحو متناقض إلى حد ما، تقول تويتر إنها أوقفت عملية التحقق الخاصة بها للتركيز على مكافحة التضليل وبوتات الويب والأخبار الكاذبة. ومع هذا القدر من الاستثمارات الخليجية، ومع وجود أمير سعودي من أكبر المستثمرين في تويتر، فمن الصعب تخيل أنَّ الشرق الأوسط ما يزال على هوامش وعي وادي السيليكون. وعلى المرء أن يتساءل إذا ما كانت شركات مثل تويتر تنظر إلى الشرق الأوسط بالطريقة ذاتها التي تنظر بها إليه شركات الأسلحة، أي بوصفه مكانًا على هامش الرأي العام حيث يوفر الصراع فرصًا للتسويق لسلعهم دون كثير من التعارض مع أهداف السياسة الخارجية الأمريكية.

على المرء أن يتساءل إذا ما كانت شركات مثل تويتر تنظر إلى الشرق الأوسط بالطريقة ذاتها التي تنظر بها إليه شركات الأسلحة، أي بوصفه مكانًا على هامش الرأي العام حيث يوفر الصراع فرصًا للتسويق لسلعهم.

وقال التقرير إنَّ الشبكات الاجتماعية، في ظل ظروف معينة، لا تعود أدوات مفيدة تسمح بالنقاشات المدنية والمناظرة الحرة، وبدلاً من ذلك تصبح منصة للأخبار الكاذبة والدعاية والرقابة. لقد سلطات قضية خاشقجي الضوء على أنَّ هذه الظروف المعينة قد تحققت، وليس الأمر مؤخرًا فحسب. مثل هذه الحسابات كانت نشطة لسنوات – تتلاعب بالأحداث الاكثر انتشارًا وتدعو للحرب في إيران، وتنشر خطابات كراهية طائفية، وحتى تعيد تغريد ثناء دونالد ترامب على محمد بن سلمان.

واختتم التقرير بالقول إنَّ خاشقجي كان صوتًا حقيقيًا، كائن حقيقي وسط بحر من البوتات والمتصيدين. وقال التقرير إنَّ حذف تويتر لبعض هذه الحسابات المزيفة بعد قضية خاشقجي ليس أكثر من قطرة في المحيط. وبموت منتقد مثل خاشقجي، وازدهار المتصيدين والدمى فإنَّ المجال العام على الإنترنت في الخليج يواصل تدهوره السريع.

قتلوه بدمٍ بارد.. ملف «ساسة بوست» عن مقتل جمال خاشقجي الذي هزّ العالم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد