تتعدَّد شخصيات الأبطال الخارقين على شاشات السينما العالمية، وتتميَّز كُلٌ منها بقوى تختلف عن غيرها، لكنَّ شخصية بيتر باركر في سلسلة أفلام «الرجل العنكبوت» Spider-Man كانت الأبرز منذ ظهورها إلى العلن للمرة الأولى عام 1962 على يد ستان لي وستيف ديتكو؛ إذ تحوَّلت إلى أيقونةٍ ثقافيةٍ هيمنت على مبيعات البضائع وشباك التذاكر، لكنَّ إرهاق الشاشة الكبيرة ضرب سلسلة الأفلام؛ مما أدَّى إلى تضاؤل الاهتمام الجماهيري بها. وتستعد شركة «سوني» الآن لتوسيع عالم هذه الشخصية الخيالية إلى آفاقٍ جديدةٍ تمامًا بإنتاج قصصٍ لا تتعلَّق ببيتر باركر، أو لا ترتكز عليه، في تطوُّرٍ انتظره المعجبون طويلًا، وكتبت عنه صحيفة «الجارديان» البريطانية بشيءٍ من التفصيل.

تُشير الصحيفة إلى تميُّز شخصية بيتر بتوضيح التناقض بينها وشخصيات الأبطال الخارقين المُعتادة؛ إذ ينحدر من عائلةٍ محدودة الدخل، ويُعاني مشاكل تافهةً مثل حب الشباب والتنمُّر، وصعوبة الحديث مع الفتيات والواجبات المنزلية. وبوصفه صبيًا في مُقتبل البلوغ مثَّلت مواهبه نعمةً ونِقمةً في الوقت ذاته؛ مما وضعه في خلافٍ مع سلطات إنفاذ القانون، وأحبط محاولاته لإقامة علاقاتٍ ذات معنى، فضلًا عن قدرته على الاحتفاظ بوظيفةٍ تدر له دخلًا كافيًا. وربما كان بيتر بطلًا خارقًا مُحسَّنًا بالفعل، لكنَّ حياته اليومية بهذا الشكل تضرب على وترٍ حساسٍ يُؤثِّر في الجميع تأثيرًا مُؤلمًا. وبحسب الصحيفة، قال جو كويسادا، رئيس التحرير السابق لشركة «مارفل كومكس» في مقابلةٍ مع شبكة «ايه بي سي نيوز»: «في أعقاب ظهور سبايدرمان، أدرك الجميع الصيغة التي توصَّل إليها ستان لي، وأتفق معه فيها: من أجل جعل الشخصية التي ترتدي الزي أكثر إثارةً للاهتمام، يجب أن تجعل شخصيته الأخرى على نفس القدر من إثارة الاهتمام، إن لم تكن أكثر. وعليك أن تتأكد من إظهار الجانب الإنساني».

ترى الصحيفة أنَّ تلك الشخصية التي لا تنتهي المشاكل في حياتها، لكنَّها تفعل الشيء الصحيح رغم ذلك، أثبتت نجاحها، ووجود تلك الشخصية في فيلم حركة سريع وحيوي أنتج نوع الأبطال المُفضَّل لدى الجماهير. وصاحب الشخصية عالمٌ كامل من الشخصيات الشريرة والشخصيات الثانوية، فضلًا عن عالمٍ بديلٍ من الشخصيات العنكبوتية. وحين اشترت شركة سوني حقوق الملكية الفكرية للفيلم من شركة مارفل عام 1990، أشارت التقارير إلى أنَّ الشركة حصلت على قائمةٍ مُذهلةٍ تَضُم 900 شخصية. وفي الأعوام الاثنى عشر التالية، شاهدنا 12 فيلمًا من سلسلة أفلام الرجل العنكبوت، تخطَّت أرباح كلٌ منها 700 مليون دولار على مستوى العالم.

أول فيلمٍ رئيس في السلسلة، والذي أخرجه سام رايمي عام 2002، نال إعجاب الجماهير من مُحبِّي الرجل العنكبوت على مُختلف المستويات؛ فبحسب الصحيفة حين تشاهد الفيلم تشعر أنَّ بيتر، الذي أدى دوره توبي ماجواير، يُمكن أن يكون شخصًا عاديًا يعيش بيننا؛ إذ كان صبيًا حسن السلوك تُطارده أشباح قرارٍ سيئ اتخذه في الماضي، وعبقريًا في المدرسة الثانوية وجد نفسه يتحوَّل إلى بالغٍ عادي. كانت رؤية بيتر وهو يتخلَّص من مخاوفه أثناء ارتداء القناع أمنيًة تتحول إلى حقيقة بالنسبة للكثيرين، فضلًا عن كون الأفلام التي قدَّمته للمُشاهدين أكثر مرحًا وإثارةً للضحك وصِلَةً بالجماهير.

 

Embed from Getty Images

توبي ماجواير أثناء تصوير الجزء الثالث من الفيلم.

 

لكن تحققت النتيجة المعتادة لاصطدام الفن بالتجارة وفقًا للصحيفة، وبدأ تدخُّل استوديو الإنتاج في تحويل إيقاع الأفلام. فأُقحِمت في عالم الفيلم شخصية فينوم بناءً على إصرار استوديو الإنتاج، ليزدحم فيلم Spider-Man 3 بالأحداث والشخصيات، ونشاهد بيتر وهو لا يشعر أنَّه على طبيعته مُطلقًا، ويؤدي رقصةً غريبة غير مفهومة. حصد الفيلم ردود أفعالٍ سلبيةٍ على مستوى العالم، وتَنَحَّى رايمي حين فشل في التوصُّل إلى رؤيةٍ متماسكة لفيلم Spider-Man 4 يتفق معه فيها استوديو الإنتاج. وأعادت شركة سوني المشروع إلى قيد الحياة عام 2012 بمشاركة المخرج مارك ويب، وبطولة أندرو جارفيلد، بدلًا عن ماجواير.

وتشير الصحيفة إلى أنَّ ويب ضرب لجأ إلى نفس عناصر الحبكة الدرامية التي استخدمها رايمي، مع التركيز على لهجةٍ أكثر قتامة وشخصيةٍ أكثر تحرُّريةٍ لبيتر. وعوضًا عن شخصية بيتر المجتهد في دراسته والذي لا يتمتع بذكاءٍ اجتماعي كبير في الأفلام الثلاثة الأولى، كانت شخصية بيتر التي أداها جارفيلد تمارس التزلُّج وتستغرق في التفكير. كان بيتر هذا قريبًا من الصورة النموذجية الفتى القوى النافذ حتى وهو لا يرتدي زي الرجل العنكبوت، واتسم ببعض الأنانية في فيلم The Amazing Spider-Man 2: إذ تورَّط أكثر مع جوين ستيسي، رغم علمه بخطورة ذلك، مما كلَّفها حياتها في نهاية المطاف. ولاقت تلك الأفلام نجاحًا كبيرًا خارج الولايات المتحدة، رغم صعوبة تبرير ضرورة تقديم بيتر في شخصيةٍ جديدةٍ تخل من العيوب تقريبًا بهذا الشكل. ووفقًا للصحيفة، كتبت دانا ستيفنز في «مجلة سلايت»: «ربما لو كانت الشخصية الجديدة منطقيةً، ولو قليلًا، لكان الفيلم سصبح فيلمًا صيفيًا ممتعًا وناجحًا في شباك التذاكر». وأُوقف استكمال سلسلة الأفلام نتيجة كونها أقل من مستوى توقعات شركة «سوني» جزئيًا، ولسببٍ آخر أكبر وهو إعفاء جارفيلد من دوره.

حاولت سوني إنتاج الشخصية من جديد باختيار توم هولاند لأداء دور البطولة والتعاقد مع شركة «مارفل» لتظهر شخصية الرجل العنكبوت للمرة الأولى بجوار شخصيات المنتقمين في فيلم Captain America: Civil War عام 2016، وفي جزءٍ مستقل للرجل العنكبوت تحت عنوان Homecoming عام 2017، لكن بحسب «الجارديان» كانت شخصية الرجل العنكبوت قد استُهلِكت تمامًا عند هذا الحد. أو كما كتب كوامي أوبام لموقع «ذا فيرج»: «ربما كان بيتر باركر شخصيةً أيقونية، لكن هناك عددٌ محدود من الطرق التي يمكنك بها رواية قصةٍ أصليةٍ كهذه».

قدَّم فيلم Captain America: Homecoming عام 2017 شيئًا مختلفًا في الشخصية. فعوضًا عن القفز ببيتر إلى مرحلة البلوغ مباشرةً، انغمس جزء Homecoming بالشخصية في مشاعر الحرج المُستَهلَكَة التي يُعانيها المراهقون. ونظرًا لكونه أصغر من ارتدى عباءة الرجل العنكبوت، كان بيتر ودودًا وأخرقَ بعض الشيء، على الرغم من محاولاته التظاهر بعكس ذلك. لكنَّه وجد أيضًا شبكة دعمٍ حقيقية: عمةً أصغر تُحبه، وصديقًا حميمًا، ومُرشِدًا في شخصية توني ستارك. ونجح الأمر وفقًا للصحيفة؛ إذ حصد الفيلم ردود فعلٍ إيجابيةٍ، وقرابة 880 مليون دولار عالميًا. ونجحت فكرة أن تجري أحداث الفيلم للمرة الأولى داخل مدينة نيويورك في صورتها المعاصرة؛ إذ أحاط به ممثلون من أعراقٍ مختلفة، بينما كان بيتر يرى أنَّه الأقل روعةً بينهم جميعًا.

 

Embed from Getty Images

توم هولاند إلى جانب عددٍ من الممثلين المشاركين بفيلم Homecoming.

 

وترى الصحيفة أنَّه في أعقاب سنواتٍ من التركيز على بيتر باركر، كان التحوُّل في تركيز الفيلم ضروريًا، ليس فقط من ناحية زاوية السرد، لكن على مستوى مشاركة الجمهور أيضًا. فمنذ الستينيات، كان بيتر باركر يوصف بأنَّه يمثل الجميع. ورغم أنَّ الجميع بالفعل كان بإمكانهم الشعور بالارتباط بشخصية بيتر لسبب أو لآخر، لكن كان يستحيل أن تشعر بأنَّه يُمثِّلك تمثيلًا كاملًا، إلَّا إذا كنت شابًا أبيضَ صغير السن.

وهنا – وفقًا للصحيفة – تبرز الأفلام الأحدث في السلسلة مثل فيلم Into the Spider-Verse، الذي يحكي قصة حياة الرجل العنكبوت مايلز موراليس ذي الأصول الأفريقية اللاتينية. يُؤكِّد هذا الجزء من السلسلة بحسب «الجارديان» على فكرة أنَّ الرجل العنكبوت لم يَعُد بطلًا للشعب: إذ إنَّ شخصية بيتر باركر في الفيلم تبدو وكأنَّها قد أصابها الملل من بيتر باركر شخصيًا؛ إذ يظهر في صورة شابٍ لطيف دمَّر حياته بنفسه، ويمتلك شعرًا خفيفًا في ذقنه، وكرشًا ناتجًا عن تناول الجعة. وحين يتكبَّد بيتر في الفيلم مرغمًا عناء الاضطلاع بمهمة إرشاد مايلز موراليس، يبدو الأمر وكأنَّه يحمل رمزيةً ما. فبيتر لم يعد البطل الرئيس في الفيلم؛ لأنَّ مايلز هو البطل الذي يحتاجه العالم حاليًا، لذا يتعيَّن على بيتر أن يتخلَّى عن هذا الدور ليُتيح الفرصة أمام مايلز.

 

 

تُشير الصحيفة إلى أوجه الشبه المُتعدِّدة بين بيتر ومايلز، لكنَّ الأخير يتميز بكل الأشياء التي لا يمتلكها بيتر، فمايلز رياضيٌ وشخصيةٌ مشهورةٌ في جامعته. ويُقدِّم مقالاته مُزيَّنةً بالرسومات، في حين تُصدح سماعات رأسه بموسيقى الهيب هوب والآر أند بي. وهو ميسور الحال؛ إذ ينحدر من عائلةٍ تعمل فيها الأم ممرضةً والأب شرطيًا، لكنَّ حياته تتسم بطابع حياة الشباب الصغار ذوي البشرة السمراء في أمريكا، داخل مدينةٍ يُشكِّل فيها التنميط العنصري مُشكلةً حقيقية. تتطرَّق حياة مايلز إلى الكثير من الجوانب التي لن يتمكَّن بيتر باركر من التعبير عنها، لهذا يُعتبر التركيز على شخصيته كبطلٍ للفيلم أمرًا مُهمًا. ولا يعني هذا أنَّنا لم نَعُد بحاجةٍ إلى بيتر باركر، لكنَّنا بحاجةٍ إلى المزيد من الأبطال الذي بإمكانهم إلقاء الضوء على مشاكل واقعنا التي يتجاهلها الجميع.

وترى الصحيفة أنَّ شركة «سوني» واكبت بهذا روح العصر أخيرًا؛ مما سمح لتشكيلتها المتنوعة من الشخصيات أن تُعبِّر عن نفسها. وأعلنت الشركة بالفعل عن بدء العمل على الجزء الثاني من Into the Spider-Verse (أفضل أفلام سبايدرمان وفقًا للمشاهدين حتى الآن)، والذي سيُقدِّم لنا مايلز وقد اعتاد دوره كبطلٍ لمدينة نيويورك. تعمل الشركة أيضًا على إنتاج عملٍ نسائيٍ مُتكامل، وهذا من المُرجِّح أن يَضُم سبايدر جوين (التي تظهر إلى جوار مايلز في فيلم Into the Spider-Verse). ومن المُحتمل أن تظهر في الفيلم أيضًا شخصية سيندي مون الأمريكية ذات الأصول الكورية، التي تُحارب الجريمة في دور شخصية سيلك، وتُعاني مشاكلَ مُتعلَّقةً بسرعة الغضب والعمل كمُتدرِّبةٍ دون أجرٍ في حياتها اليومية، وربما تؤدي تلك الشخصية دور البطولة في فيلمٍ منفرد. ومن المنتظر صدور جزءٍ ثانٍ لفيلم Venom، الذي لم يلق استحسان النُقَّاد مُطلقًا، لكنَّه حصد نجاحًا كبيرًا في شباك التذاكر. وهناك مشهدٌ يظهر في أعقاب تتر نهاية فيلم Into the Spider-Verse يُلمح كذلك إلى شخصية رجل عنكبوت أخرى تعيش تجاربَ مختلفةً عن تجارب بيتر اختلافًا شديدًا. وكل تلك الأفلام يمكنها أن تصدر دون أن يظهر بيتر باركر على الشاشة ولو مرةً واحدة، وهذا أمرٌ لا بأس به نظرًا لازدهار هولاند داخل عالم مارفل السينمائي في الوقت الحالي، فضلًا عن القصص المُنتظرة التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى من عوالم شخصيات سبايدرمان الموازية.

وتخلص «الجارديان» في نهاية تقريرها إلى أنَّ مشهد نهاية فيلم Into the Spider-Verse، حيث يُخبرنا مايلز أنَّ أي شخصٍ بإمكانه أن يرتدي القناع، يوضح أنَّ سوني بدأت تُدرِك ذلك الأمر أخيرًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد