ما تعلمته لعقود من دراستي للتاريخ رسخَّ لي قناعة؛ أنّ العامة الأمريكية أقوى من سوق صناعة الأسلحة. بريان ديلي

بدأ الكاتب بريان ديلي، دكتور التاريخ في جامعة كاليفورنيا مقاله في موقع «ذا كونفرسيشن»، أنّه بعد حادثة إطلاق النار من قبل ستيفن بادوك، في الحفلة الغنائية في لاس فيجاس يوم 1 أكتوبر (تشرين الأول)، طالب العديد من الناس بفرض قوانين رقابة أكثر صرامة؛ لتجنب القتل الجماعي والعنف المتكرر، الذي يجتاح ضواحي الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي إجماعٍ نادرٍ على الحد من وفرة السلاح المسمى بالبمب ستوك، الذي استخدمه بادوك بإطلاق الرصاص، ولكنّ ليس واضحًا إنّ كان يوجد أثر حقيقي من هذا الإجماع.

يذكر الكاتب أنّه يستطيع تفهم يأس دُعاة الإصلاح بعد المأساة التي وقعت؛ فالسياسة تبدو أمورها مستعصية في الوقت الراهن، ومن السهل الشعور بالضعف، ويخبر الكاتب أنّ ما تعلمه لعقود من دراسته للتاريخ، رسخَّ له قناعة؛ أنّ العامة الأمريكية أقوى من سوق صناعة الأسلحة، أكثر مما يتوقعه الناس أنفسهم.

Embed from Getty Images

السيادة للرئيس واشنطن

يسهب الكاتب في مقاله أنّ صناعة السلاح الأمريكية في تحالفٍ قديم مع الحكومة، وتاريخها يبدأ منذ بداية الدولة نفسها، منذ الثورة الأمريكية.

أراد الرئيس جورج واشنطن التحرر من أسلحة الدول المجاورة أثناء فترة الحرب، وجعل الجمهورية الجديدة تعتمد على نفسها في صناعة الأسلحة، مستلهمة بذلك الخبرة الأوروبية، واستطاع واشنطن وخلفاؤه، بناء ترسانات لصناعة الأسلحة في معابر سبرينج فيلد وهاربر. كما بدأت الدولة خصخصة الصناعة من خلال شركات تصنيع؛ كشركة سيميون نورث، أول شركة مُصنِّعة أمريكية رسميّة للمسدسات، وشركة إلي وايتني، مخترعة محلج القطن.

ويذكر الكاتب أنّ الحكومة وفرت أموالًا طائلة لبدء عملية التصنيع، وعقودًا ثابتة، وقيودًا جمركية على الشركات الأجنبية المُصنّعة، وقوانين أكثر صرامة على براءات الاختراع الخاصة بالأسلحة، وأدوات وخبرات من الترسانات الفيدرالية.

ساعدت حرب 1812، بين السكان الأصليين والمكسيكيين الأمريكيين على نمو صناعة الأسلحة، وفي بدايات عام 1850، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية البروز كسوق عالمي لصناعة الأسلحة، وبدأت تكتسب الشركات الأمريكية المعروفة، كإليفالت بيمنجتون وسامويل كولت صيتًا عالميًا. حتى أنّ مركز صناعة الأسلحة المشهور في بريطانيا العظمى بدأ بمحاكاة النظام الأمريكي للأجزاء القابلة للتبديل، والإنتاج الآلي.

Embed from Getty Images

الكسب في الحرب والسلم

يذكر الكاتب أنّ الحرب الأهلية الأمريكية، أشعلت صناعة الأسلحة، وأنّ الاتحاد الذي شُكّل في وقت الحرب الأهلية، استثمر الكثير من الأموال في صناعة الأسلحة، وجعل صُنّاع الأسلحة الاستثمار لاحقًا في مجالات أخرى وفي صناعات البنية التحتية. وحتى عام 1865، بلغت ثروة شركة ريمينجتون قرابة الـ3 ملايين دولارًا فقط من تصنيع الأسلحة النارية وبيعها للاتحاد، أما الولايات الكونفدرالية الأمريكية، فمع ضعف صناعتها، اضطرت لاستيراد معظم أسلحتها.

يقول الكاتب أنّ نهاية الحرب سببت انهيارًا في الطلب، وإفلاس معظم صُنّاع الأسلحة، وسبب استمرار بعض الشركات ككولت، وريمينجتون، ووينشستر؛ تأمين عقودٍ من حكومات خارجية، وتسويق صناعتهم من خلال استغلال شعب غرب أمريكا.

ونظرًا للسلام الذي ساد في الدولة، حُرم أصحاب الصنعة أموال الحكومة لفترة. وعلى الجانب الآخر، بدأ الرأسماليون بالمكاسب المفاجئة على صُنّاع الأسلحة، وبسبب استسلام روبريت لي في «أبوماتوكس» خلال خمس سنوات، عطّل قسم الحرب للولايات المتحدة الأمريكية معظم الأسلحة، وعرضت حوالي الـ1،340،000 قطعة لتجار الأسلحة الخاصة، كشويلير، وهارتلي، وغراهام.

وقامت شركة أكبر تجارة سلاح في النصف الغربي من أمريكا، بجمع المستودعات المليئة ببنادق الجيش، وبيعها بأسعار منخفضة، مما نتج عن ذلك ثروة كبيرة، واستطاعت بعدها الشركة تصدير الأسلحة داخل أمريكا وخارجها.

استمرار الحرب يعني المزيد من السلاح

يذكر الكاتب أنّه في نهاية القرن التاسع عشر، زاد استقرار تجارة السلاح الأمريكي، بعدما اكتسبت أمريكا الدور العدواني عالميًا.

وكان من تبعات الحرب الإسبانية الأمريكية، المزيد من صفقات الأسلحة، كما هي تبعات الحرب العالمية، وحرب كوريا، والفيتنام، وأفغانستان، والعراق، وعشرات الصراعات التي أحدثتها أمريكا حول العالم في القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين. ويخبر الكاتب أنّه زاد عدد صفقات السلاح، بإنشاء أمريكا أقوى جيش في العالم، ونشر قواعده حول العالم.

يخبرنا الكاتب عن سيج سوير، منتج الأسلحة في ولاية نيو هامشير، ومُصنّعة بندقية إم سي إكس التي استخدمت في مجزرة الملهى الليلي «أورلاندو بلس»، بالإضافة إلى تسليح قرابة ثلث سلطات منفذي القانون في الدولة، وقد كسبت مؤخرًا صفقة مع الجيش لتصنيع مسدس قياسي، وتبلغ الصفقة حوالي 350 مليون دولار إلى 580 مليون دولار.

يسهب الكاتب أنّ شركة كولت تعتبر من أفضل الشركات التي توضح أهمية المال العام، لمصنعي الأسلحة المدنية، إضافة فإن رُوّاد تصنيع الأسلحة للسوق المدني؛ يعتمدون بشكل رئيسي على الصفقات المعقودة مع الحكومات، كشركة كولت، كصفقة تصنيع بندقية «إي أر 15»، والتي استخدمت في المجزرة التي حصلت في أستراليا عام 1996.

سلاح إي أر 15 المُصنّع من شركة كولت – مصدر الصورة

بدأت حرب الفيتنام الطويلة بتصنيع بندقية «الإم 16» للجيش، ومع انتقال الجيش الأمريكي من جنوب شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، تستمر الصفقات مع شركات التصنيع، ولكنّ اعتماد شركة كولت كان كبيرًا لدرجة أنّه أدى إلى إفلاسها عام 2015، وسبب من أسباب إفلاسها أنّها خسرت صفقة تصنيع بندقية «الإم 4» للجيش قبل عامين.

يذكر الكاتب أنّه بشكل عام، اعتمد صُنّاع الأسلحة على صفقات الحكومة بنسبة 40% من أرباحهم عام 2012، وحفّزت صفقات الحكومة شركات التصنيع على إبداعٍ مُهلك، كتطوير خزنة المسدس على أن تحتوي على 12 إلى 15 طلقة بدلًا من سبعة طلقات. وفي غياب القوانين، ظهرت هذه الإبداعات في الدوريات المُسلّحة، ومخازن السلع الرياضية، وغرف الطوارئ.

منظمة البنادق الوطنية تحمي سوق الأسلحة من القانون

يتساءل الكاتب في مقاله أنّه كيف استطاع سوق الأسلحة تجنب الكثير من القوانين الصارمة، خصوصًا مع غضب الشعب ومناداته لتشريعات توقف من مجازر كالتي في لاس فيجاس وتعاقب مرتكبيها؟

يذكر الكاتب أنّه بالنظر إلى السياق التاريخي لاعتماد صُنّاع الأسلحة صغيري الحجم على دافعي الضرائب، قد يظن البعض أنّهم اضطرهم ذلك تقديم التنازلات في مثل هذه اللحظات، ولكنّ أحد النوادر حدثت، والفضل يعود لجمعية البنادق الوطنية، الشريك الأكبر والذي لا يقدر بثمن لسوق الأسلحة.

فقبل الثلاثينيات من القرن العشرين، أُصدرت قوانين فعّالة خاصة بالأسلحة من قبل حكومات الدولة والحكومات المحليّة. وكان هُناك القليل من التنظيمات الفيدرالية حتى عام 1934، عندما دُفع الكونجرس بسبب «عصر سلاح تومي الدموي» مناقشة قانون الأسلحة النارية الوطنية.

أُسست الجمعية الوطنية للبنادق في عام 1871، كمنظمة مهتمة بشؤون الصيد والرماية، وجمعت أعضائها للتخلص من أهم عائق مالي، وهي الضريبة المفروضة على شراء المسدسات، والتي تصعب هذه العملية. وضمنت الجمعية مرة أخرى عام 1968، جعل قانون ليندون جونسون للتحكم في الأسلحة، لا يتطلب إجراءات الترخيص والتسجيل.

شعار منظمة البنادق الوطنية – مصدر الصورة

وفي عام 1989، ساعدت في تأخير وتعطيل قانون برادي، الذي يتكفل بمتابعة خلفيات تجار الأسلحة والرخص الفيدرالية، وهندست الجمعية حظرًا افتراضيًا عام 1996، على الدعم الفيدرالي للبحث عن العنف الواقع من نشاطات المسدسات. وفي عام 2000، قادت المجموعة مقاطعة ناجحة، مكونة من صُنّاع المسدسات والذين تعاونوا مع إدارة كلينتون على معايير الأمان للسلاح. وحققت بذلك انتصارًا آخر في عام 2005، من خلال الحد من مسؤولية الصناعة في الدعاوى القضائية المتعلقة بالبنادق.

ويذكر الكاتب أنّه مؤخرًا نجح لوبي الأسلحة في ترويج وهم جديد ومبتكر، إذ وضعت الحكومة كعدو لتجارة السلاح بدلًا من كونها الراعية التاريخية لهذه التجارة، وأقنعت ملايين من المستهلكين الأمريكان أنّ الدولة قد توقفهم من شراء الأسلحة أو حتى إمكانية مصادرتها.

ورغم تحسن سوق الأسهم لتجارة الأسلحة، فبعد حادثة إطلاق النيران في لاس فيجاس الأسبوع الماضي، يشعر المستثمرون بالتوجس تجاه القوانين الجديدة، ويتوقعون ارتفاع أسعار السوق.

سؤالٌ يدور في الأفق

يخبر الكاتب أنّه ومع مساعدة جمعية البنادق الوطنية، استطاعت شركات تصنيع الأسلحة إحباط القوانين التي يدعمها غالبية الشعب الأمريكي. ومع ذلك، فإنّه لا يبدو أنّ هذا النشاط السياسي سيوقع الضرر في الصفقات الحكومية المربحة.

يخبر الكاتب أنّ اهتمام الشعب الأمريكي في عملية الإصلاح قد تنعكس على هذه الحقيقة، فقد يبدأ الشعب بمساءلة ممثليهم من أين لهم بالأسلحة، فليس فقط الجيش والوكالات الفيدرالية تشتري الأسلحة، وإنما الدول والمقاطعات والحكومات المحلية أيضًا.

«ناشيونال إنترست»: أمريكا لم تعد الأقوى.. جيشان يمكنهما هزيمة أمريكا عسكريًا

فعلى سبيل المثال، فإنّ سميث وويسون يمتلكون عقدًا مدته خمس سنوات؛ لتصدير المسدسات إلى أقسام الشرطة في ولاية لوس أنجلوس، ثاني أكبر ولاية في الدولة. وفي عام 2016، ساهمت الشركة بمبلغ قدره 500 ألف دولار لعملية اقتراع؛ هدفها هزيمة المرشحين الذي يدعون إلى قوانين أكثر صرامة على صناعة الأسلحة.

يختتم الكاتب مقاله بتساؤلٍ مهم: هل يُدرك دافعو الضرائب في لوس أنجلوس أو في بقية الولايات أنّهم بذلك وبطريقة غير مباشرة يدعمون حملة لوبي الأسلحة ضد القانون؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!