على طول الحدود المتعرجة لدولتهم، يتراجع مسلحو داعش أمام تقدم القوات الحكومية التي اكتسبت بعض القوة.

على طول الحدود المتعرجة لدولتهم، يتراجع مسلحو داعش أمام تقدم القوات الحكومية التي اكتسبت بعض القوة.

وفي خضم هذه العملية، يجري رسم حدود إقطاعيات جديدة، وزرع بذور صراعات جديدة محتملة. فالحرب التي تسعى الولايات المتحدة من ورائها أساسًا إلى منع وقوع هجمات في المستقبل على أمريكا تخضع للتشكيك في أسبابها من كل من المقاتلين الشيعة والسنة والأكراد في كل من العراق وسوريا، الذين يسعون غالبًا خلف مصالح متضاربة تشوش على الهدف الرئيس، وهو إلحاق الهزيمة بداعش.

في شمال كل من العراق وسوريا، ينشغل الأكراد برسم حدود دولتهم الكردية الجديدة. بينما تُوسع الميليشيات الشيعية، وهي أكبر قوة في العراق، من نفوذها في المناطق التي تسكنها أغلبية سنية شمال العراق. وتركز الحكومة السورية جهودها على استعادة الأراضي التي استولت عليها المعارضة خلال التمرد الممتد منذ خمس سنوات، بينما يقاتل المتمردون السوريون المنقسمون بشدة على جبهتين، إحداهما ضد الحكومة والأخرى في مواجهة داعش.

في ظل هذه الصورة الفوضوية، تعتبر داعش إحدى الجماعات العديدة التي تتنافس للسيطرة على دولتي العراق وسوريا المنهارتين، وهو انهيار حدث في جانب كبير منه بسبب الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، والثورة السورية التي اندلعت في عام 2011.

ربما يجري أو لا يجري القضاء على داعش قريبًا، ولكن أثارت سلسلة من الهزائم لحقت بالتنظيم في الشهور الأخيرة في شمال سوريا وشمال العراق ومؤخرًا في الرمادي، الآمال في أن القضاء على التنظيم أقرب مما كان متصورًا.

ولكن أضحى جليًّا أن الانتصار على المسلحين لن يضع حدًّا لحمام الدم في المنطقة، وذلك حسبما يرى فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للعلوم السياسية والاقتصادية.

“لا يجري التفكير كثيرًا في مرحلة ما بعد المسلحين، والمرحلة التالية ستكون دموية وفوضوية وغير مستقرة مثل الحالية” كما قال. وأضاف: “لقد تغير قلب الشرق الأوسط. لم يعد هناك وجود لنظام الدولة الهشة”.

وعلى طول بعض خطوط المواجهة، غدت الطريقة التي تعيد بها المعركة رسم خريطة الشرق الأوسط محل التركيز.

رجال ونساء من مختلف المشارب يقاتلون بشجاعة كبيرة جهاديين مسلحين بشكل جيد، وفي بعض الحالات وهم يحملون بنادق صيد امتلكتها عائلاتهم منذ أزمنة بعيدة. ولكن ليس هناك خطة واحدة توحدهم، وليس هناك هدف شامل، وإنما أحجية غامضة فقط تتألف من شظايا مدمرة مما تبقى من سوريا والعراق.

تقدم الأكراد في سوريا

تتشكل إحدى قطع الأحجية على طول الطريق المعروف باسم إم4 والطريق السريع الدولي من قبل القاطنين بجواره. فهو يربط بين شمال العراق وساحل البحر المتوسط في سوريا، وقد خدم كطريق للإمدادات لداعش عبر الحدود التي جرى إزالتها تقريبًا بين كل من سوريا والعراق.

وفي شمال سوريا، يجاور الطريق خط المواجهة بين حدود دولة داعش والأراضي التي تسيطر عليها الأقلية الكردية في سوريا، الذين يعتبرون شركاء أمريكا الوحيدين ذوي الفعالية في الحرب. وتقع الرقة، عاصمة دولة داعش والهدف القادم للحملة العسكرية الأمريكية، على بعد 30 ميلًا إلى الجنوب.

لكن مدينة الرقة العربية لا تمثل أولوية لقوة وحدات حماية الشعب الكردية المشغولة بتعزيز مناطق سيطرتها في الشمال السوري. خلال العام المنصرم، وسعت وحدات حماية الشعب من مساحة الأراضي التي تسيطر عليها بنسبة 186%، في مقابل تقلص المساحة التي يسيطر عليها داعش بنسبة 14%، ما يجعلها الرابح الأكبر في الحرب الأوسع.

تتجه أنظار وحدات حماية الشعب نحو مقاطعة عفرين المعزولة الواقعة في أقصى شرق محافظة حلب، والمحاطة بأرض يسيطر عليها خليط من المتمردين. وفي سبيل ذلك، انتقل تركيز القتال إلى تلك المنطقة، مما وضع الأكراد في مواجهة مع مجموعات الجيش السوري الحر المحلية، ويحتمل مع تركيا قريبًا، التي تعهدت بمنع إنشاء مقاطعة كردية في المنطقة.

بقيت جبهة الرقة في يد طيف من المتمردين السابقين الذين طردوا من المدينة من قبل داعش. إنهم يقاتلون وهم يرتدون الصنادل، ويحملون بنادق كلاشنكوف قديمة على طول حاجز أرضي في الصحراء، يقع جنوب بلدة عين عيسى بالضبط. وتتسم علاقاتهم مع الأكراد بالتوتر، وقد جرى تجاهلهم في الجهود التي يبذلها البنتاغون من أجل تسليح حلفائه من السنة لاستعادة السيطرة على الأراضي التي استولى عليها تنظيم داعش.

إلا أن أي إستراتيجية تعتمد على مواجهة قوة كردية لداعش في المناطق العربية “ستؤدي إلى تدهور الأمور وليس إلى تحسينها” وفق ما يقوله روبرت، السفير الأمريكي السابق في سوريا، والذي يعمل الآن في مؤسسة الشرق الأوسط.

“يساهم الأمريكيون في إقامة منطقة كردية تتمتع بحكم ذاتي من جانب واحد، ولن يقبل السوريون العرب بذلك. وهذا سيقود إلى تقسيم سوريا مما سيصعب من مهمة القضاء على الدولة الإسلامية” حسبما قال.

الخط الفاصل ببن العرب والأكراد

تتكشف معضلة مشابهة عبر الحدود في المنطقة الكردية الواقعة في شمال العراق على ميدان المعركة الواقع جنوب بلدة مخمور التي كان يسكنها ذات يوم العرب والأكراد جنبًا إلى جنب، والتي أدى وقوعها في أيدي داعش في أغسطس من عام 2014 إلى التعجيل بحملة القصف الجوي الأمريكي. سيطر الجهاديون على البلدة بالكاد 48 ساعة قبل أن تتدخل المقاتلات الأمريكية فتراجع التنظيم، وذلك في أول مؤشر على أن القصف الجوي قد يثبت أنه عنصر حاسم في وقف ثم عكس تمدد المسلحين.

لم يتغير خط المواجهة منذ ذلك الحين. تمتد متاهة من الخنادق والمتاريس الترابية وأكياس الرمل عبر سهول محافظة نينوى الخصبة في شمال العراق، التي تفصل بين المقاتلين، وتشكل أيضًا الحدود الجنوبية للأراضي التي تسيطر عليها حكومة كردستان كجزء من الدولة الكردية غير المعلنة.

وتتشكل الأودية الواقعة خلفها من العرب بالكامل، وتقول قوات البيشمرجة الواقفة على طول الخط إنها لا نية لديها للتقدم، على الرغم من اعتقادهم بأن لديهم القدرة على ذلك.

يقول الكولونيل يادغار هيجران، الذي يقود القوات على امتداد جزء من الخط: “لن نتقدم أكثر على هذه الجبهة لأنها أرض عربية”. “لو أنه يجب على أحد تحرير تلك المناطق فهم العرب، لأنه لو قام الأكراد بتحريرها ستشتعل حرب عرقية”.

لكن هذه الحرب اندلعت بالفعل من عدة نواحٍ. فبلدة مخمور، التي تمتد على طول الحد الفاصل بين العرب والأكراد عبر شمال العراق، جرى التنافس عليها طويلًا، وكانت من بين المناطق المستهدفة ببرنامج إعادة توطين العرب فيها من قبل صدام حسين في الثمانينيات. حيث جرى مراقبة الأودية الكردية ومُنحت أراضيهم لمستوطنين عرب قدموا من أجزاء أخرى من البلاد. وقد سيطرت البيشمركة على البلدة بعد الاجتياح الأمريكي في 2003، وفرّ منها العديد من العرب.

وفي ظل الدستور العراقي الجديد، كان من المفترض تسوية الوضع النهائي عبر إجراء استفتاء، ولكن أصبحت هذه الخطة محل جدال منذ أن اشتعلت الحرب ضد داعش. قال رئيس حكومة إقليم كردستان، مسعود برزاني، إن الأكراد لن يتنازلوا عن أي أراضٍ استعادوها. وقد أعيد الحديث عن إجراء استفتاء حول انفصال إقليم كردستان.

يقول مسرور برزاني، قائد الأمن القومي في كردستان: “هناك حاجة لاتخاذ قرارات شجاعة، والنظر إلى الوقائع وترك الناس يقررون ما يريدونه”. “لقد تفتت العراق. والسنة يعتقدون بوحدة البلاد فقط إذا ما حكموا هم. ويعتقد الشيعة بالمثل. ولا يوجد تعريف واحد لمعنى وحدة العراق. ولن تفلح محاولات الحفاظ على وحدة البلاد على حساب رضا الناس”.

الانتصارات الشيعية

لا يتفق ما يقوله الأكراد مع وجهة نظر مقاتلي الميليشيات الشيعية التي تقاتل داعش على مسافة 40 ميلًا إلى الجنوب خارج مصفاة نفط بيجي المدمرة. جرى استعادة السيطرة على المصفاة أخيرًا في أكتوبر بعد أكثر من عام من المعارك ذهابًا وإيابًا، مع لعب الميليشيات الشيعية التي تقاتل تحت مظلة الحشد الشعبي -المعروفة بوحدات التعبئة الشعبية- دورًا أساسيًّا في تأمين الانتصار إلى جانب وحدات الجيش العراقي، وذلك وفقًا للحكومة ووحدات الجيش العراقي على أرض الواقع.

انتقل خط المواجهة الآن إلى شمال غرب جبال مكحول، وهي سلسلة من التلال الإستراتيجية الجرداء التي تطل على المصفاة، وأيضًا على الطريق السريع الرئيسي المؤدي إلى الموصل، أكبر مدينة تسيطر عليها داعش وهدف رئيسي للحرب.

تعتبر هذه أيضًا أراضٍ سنية، والتي تتعرض الآن لاجتياح من شيعة يقاتلون بعيدًا عن ديارهم في الجنوب الشيعي في البلاد- يدفعهم، حسبما يقولون، نداء قادتهم الدينيين. وعلى طول الطريق السريع الذي يبلغ طوله 200 ميل المؤدي شمالًا إلى بيجي من بغداد تقع أنقاض المدن والقرى السنية، التي دمرتها الغارات الجوية والمدفعية في معركة طرد داعش.

نحن ننفذ أوامر المرجعية” -السلطات الدينية الشيعية في النجف- كما قال عبد الستار أهوان، واحد من أكثر من عشرين من الرجال الذين احتشدوا على التلال بينما كانت تتطاير الرصاصات وقذائف الهاون في سماء المنطقة. وقد ارتدى، جنبًا إلى جنب مع العديد من المقاتلين، شارة تحمل وجه الزعيم الإيراني الراحل آية الله الخميني، ما يؤشر على الولاءات المختلفة التي تعقد المعركة.

إلا أن المقاتلين الشيعة يقاتلون من أجل عراق موحد، حسبما أصر اثنان من قادة كتائب سيد الشهداء، ميليشيا شيعية أرسلت أيضًا مقاتلين إلى سوريا، في مقر قيادة يقع وراء الخطوط الأمامية على حافة بلدة قريبة من بيجي. قال علاء الحسيني، الذي أتى من النجف ويرتدي عمامة: “إن قوات الحشد تتألف من أبناء العراق ودورنا هو المحاربة من أجل العراق”، مما يشير إلى دوره كمستشار ديني للمقاتلين. ويضيف: “نحن جميعنا عراقيون، سنة وشيعة، وقد وحدتنا هذه الأزمة”.

وراءه، ترفرف أعلام الميليشيات الشيعية المشاركة في معركة بيجي، التي أفرغت من سكانها منذ فترة طويلة ودمرت تقريبًا الآن.

كيان منفصل للسنة؟

بالنسبة لعدد قليل من العراقيين السنة المشاركين في المعركة ضد داعش السنية، فإن رمزية مثل هذه المشاهد، التي تُبث على نطاق واسع على شاشة التلفزيون، واضحة ومثيرة للقلق.

عامرية الفلوجة الواقعة في محافظة الأنبار بغرب العراق، هي واحدة من عدد قليل من المدن السنية التي ظلت آمنة من هجوم داعش على معظم المناطق السنية في البلاد العام الماضي، وهي أيضًا واحدة من أولى المناطق حيث يجري حشد السنة المحليين في المعركة ضد داعش. عاد عدة مئات من رجال القبائل السنية المحلية الذين دربتهم القوات الأمريكية هناك في أواخر أكتوبر، وشنوا هجومهم الأول في نوفمبر، جنبًا إلى جنب مع قوات الجيش العراقي.

سار الأمر على ما يرام. انهار خط الجبهة الذي صمد منذ تقدم داعش في أوائل 2014 في غضون 36 ساعة. واستعادت القبائل السيطرة على ثلاثة أميال إضافية أو نحو ذلك من الأرض. وبالكاد يمكن تمييز الخط الأمامي الجديد عن القديم، باستثناء الخندق القديم الذي حُفر في الصحراء وامتلأ بالأكياس البلاستيكية وزجاجات المياه، في حين يجري حفر خندق آخر. وهذا يضع أيضًا المقاتلين على مسافة ثلاثة أميال أقرب إلى الفلوجة، وهي أول مدينة عراقية استولت عليها داعش منذ ما يقرب من عامين.

وبينما هو الحال كذلك على طول خطوط الجبهة الأخرى، يقول المقاتلون إنهم واثقون من أن يمكنهم بسهولة استعادة المزيد من الأرض، وربما الاستيلاء على الفلوجة نفسها إذا ما حصلوا على الدعم الكافي من الحكومة العراقية، والحلفاء مثل الولايات المتحدة.

قال فيصل العيساوي، وهو زعيم قبلي محلي يقود القوات على طول امتداد واحد من الخطوط الأمامية: حالما رأوا قواتنا، ولوا هاربين”. “ما يزال لديهم قوة، ولكنها ليست كما كانت قبل عام انقضى. فقد أدت الضربات الجوية الى إضعافهم وكسر هيكلهم. وكل أسبوع يقومون بإعدام أربعة أو خمسة من عناصرهم لأنهم رفضوا إطاعة الأوامر أو حاولوا الانقلاب ضد قادتهم”.

ولكن كان من الصعب الحصول على الأسلحة في هذه الجبهة المهملة، حيث القتال الفعلي أمر نادر الحدوث. فلا يرتدي أي من المقاتلين القبليين زيًا عسكريًّا وهم مسلحون ببنادق بعضها قديم، امتلكتها أسرهم لأجيال، وفقًا لأحد المقاتلين، الذي قال إنه في الستين من عمره، ولكنه بدا أكبر سنًّا.

كانت الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة مترددة في تسليح العشائر السنية؛ خوفًا من تمكين المنافسين المحتملين، ويتساءل السنة هنا بالفعل حول مستقبلهم في العراق الذي يهيمن عليه الشيعة الآن أكثر من أي وقت مضى.

يقول شاكر العيساوي، رئيس بلدية عامرية الفلوجة، بينما كان يتفقد رجاله على خط الجبهة: “حتى أولئك الموالين للحكومة المركزية ويحاربون داعش يعاملون مثل الأجانب من قبل الحكومة المركزية”.

هو من بين عدد صغير ولكن متزايد من السنة الذين بدأوا في تبني فكرة تشكيل كيان مستقل لهم، على غرار الإقليم الكردي في الشمال.

“إذا شعر شعب الأنبار بالاحترام، كعراقيين، سيكونون موالين لنا وسيقاتلون داعش”، كما قال: “لكننا لا نحظى بالاحترام، وأخشى أن الحل الوحيد هو دولة سنية”.

قال صهيب الراوي، حاكم محافظة الأنبار في مقابلة في بغداد قبل الانتصار الأخير للقوات الحكومية العراقية في الرمادي إنها ليست وجهة نظر سائدة بين العراقيين السنة.

إنها ليست فقط فكرة سيئة، بل وستكون بمثابة كارثة” كما قال مستشهدًا بمعركة الرمادي، التي خاضها الجيش العراقي، كدليل على أن العراق يمكنه البقاء موحدًا. “كان العراق دائمًا أمة موحدة وقوة إقليمية كبيرة. ومن مصلحة الجميع أن يبقى موحدًا”.

“ولكنهم ليسوا متحدين”، كما قال جرجس، الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد، الذي لا يشكك فيما إذا كان يجب تقسيم العراق أو سوريا كجزء من الحل النهائي، ولكن فيما إذا كان يمكن تنفيذ هذا الحل على الإطلاق.

كما قال: “اللغز هو كيف يمكنك توحيد هذه الدول مرة أخرى؟ لقد تفككت إلى مليون قطعة”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد