يتطلَّب العمل جهدًا ذهنيًّا وتركيزًا عقليًّا يصعب الوصول إليه أحيانًا؛ نتيجة البيئة المحيطة بنا في مكان العمل وفي الحياة العامة. ولأنَّ المثل يقول: «اسأل مُجرِّبًا ولا تسأل طبيبًا»، سألت صحيفة «فاينانشال تايمز» عددًا من العاملين بها والشخصيات العامة من مؤلفين وأكاديميين ورجال أعمال عن الأساليب التي أتبعوها ليزيدوا من إنتاجيتهم خلال عام 2018. وإليك ما نصحوا به:

أندرو هيل.. مدير تحرير صحيفة فاينانشال تايمز

Embed from Getty Images

قال هيل إنَّه قضى جزءًا من عام 2018 في إجازةٍ، أمضى معظمها داخل المنزل عاكفًا على إنهاء كتابه. وأوضح أنَّه لا يُحبِّذ عادةً استخدام سماعات الرأس أثناء الكتابة، فهو لا يرى أنَّ بإمكان الإنسان تعلُّم أي شيءٍ مُفيدٍ على الإطلاق إذا لم يكُن بمقدوره سماع ما يحدُث حوله، ويعتبر الموسيقى مصدرًا للتشتيت. لكن من حينٍ لآخر، يجد أنَّ الاستماع إلى الضجيج الأبيض يُساعده على التركيز فترات أطول، ويستخدم تلك الحيلة في عمله عادةً لإتمام المهام في الوقت المطلوب.

استخدام الضجيج الأبيض في مكان العمل ليس أمرًا جديدًا. إذ يذكر هيل أنَّ صحيفة «فاينانشال تايمز» كتبت عن الأمر لأوِّل مرةٍ بوصفه طريقةً للتغلب على التشتيت في العمل عام 1985. وأوضح أنَّ مرضى الطنين كانوا يستخدمون التسجيلات الصوتية لأمواج المحيط، وغيرها من الأصوات، وسيلةً للاسترخاء قبل ذلك التاريخ بوقتٍ طويل.

لكنَّ الاختلاف اليوم بحسب هيل يكمُن في التنوع الكبير للخيارات المُتاحة على الإنترنت. ومن المثير للقلق أنَّ بعض المستخدمين يُثنون على تلك الوسيلة بوصفها علاجًا للأرق، في حين يحتفي بها آخرون بوصفها مُحفِّزًا للتركيز، وهو الأمر الذي يبدو مُتناقضًا. ويُقدِّم موقع يوتيوب مجموعةً كبيرة وغريبة من مقاطع الضجيج الأبيض. ويُضيف هيل أنَّه جرَّب شخصيًّا الاستماع إلى تسجيلات «galactic star cruiser» و«private jet» و«washing machine spin cycle»، لكنَّ تسجيل «mountain river water» يبدو وكأنَّه التسجيل الصوتي الأكثر قدرةً على مساعدته في الوصول إلى الحالة المُناسبة للتركيز والعمل.

بيليتيا كلارك.. كاتبة عمود بصحيفة فاينانشال تايمز

Embed from Getty Images

تُشير بيليتيا إلى أنَّها حصلت على دفعةٍ إنتاجيةٍ كبيرةٍ هذا العام إثر حضورها مناقشة عن الحياة العملية في لندن، إذ طلب الأستاذ من الحاضرين التفكير في مشهدٍ مألوفٍ على نحوٍ مُثير للقلق: تخيَّل أنك وصلت للتو إلى مكان عملك في صباح يوم الاثنين، وأنت على أتم استعدادٍ للانغماس في جزءٍ مُعقَّدٍ من عملك. تُغلق هاتفك النقَّال، وتُسَجِّل الخروج من «تويتر»، وتتجاهل كافة رسائل البريد الإلكتروني، لتبدأ في الكتابة. ليست الجملة الأولى بذلك السوء. والجملة الثانية أفضل حالًا. وبمُجرَّد أن تبدأ في الثالثة يزحف ظِلٌ كثيفٌ على مكتبك. ليُطِل زميلك برأسه قائلًا: «أهلًا! هل استمتعت بعطلة نهاية الأسبوع؟».

في تلك اللحظة، تفقد كل آمال الوصول إلى حالة التركيز العميقة التي تحتاجها لإنهاء كافة المهام اليومية. وتُوضِّح بيليتيا أنَّه نظرًا إلى عملها داخل غرف الأخبار الصاخبة طوال حياتها، كانت تعتقد أنَّ لديها مناعةً ضد مُسبِّبات التشتيت في العمل، والتي كانت تخلق معظمها بنفسها. لكن باستماعها إلى الأستاذ، قررت أن ترى ما سيحدث إذا مارست عملها وسط مكانٍ هادئ دون مقاطعة.

نصائح قد تساعدك على أن تحب وظيفتك الحالية

ووجدت الأمر أصعب مما توقعت؛ إذ يفتقر مكتبها المفتوح عمليًّا لهذا النوع من الأماكن إجمالًا. ولا جدوى من البقاء في المنزل؛ إذ إنَّ شقتها صغيرة ويسكنها رجلٌ أُسترالي مُزعج (شريكها).

ثم خطرت ببالها فكرة. فهناك مقهى كبير وذو تهويةٍ جيدةٍ افتُتِحَ بالقرب من مكتبها. واكتشفت أنَّه بإمكانها الجلوس هناك لساعات، حتى لو لم تشتر سوى كوب لاتيه واحد. وسرعة إنترنت الواي فاي لا بأس بها. ويمتلك المقهى العديد من الميزات، فضلًا عن هدوئه وعدم ازدحامه معظم الوقت.

أخذت بيليتيا حاسوبها المحمول ذات مرة إلى المقهى، وقضت ساعةً في وقت الظهيرة أنجزت خلالها قدرًا من العمل أكبر من الساعات الثلاث التي سبقتها في المكتب. فأدمنت الأمر منذ ذلك الحين. وأصبحت تذهب إلى هناك كل أسبوعين تقريبًا، أو كلما كانت بحاجةٍ إلى إنهاء شيءٍ يتطلَّب الكثير من التفكير بتركيزٍ ودون مقاطعة.

روبين شارما.. مستشار القيادة ومؤلف كتاب The 5am Club

يبدأ شارما إجابته بالحديث عن الفوائد الكبيرة للصيام؛ إذ كان لديه موعدٌ لتسليم كتابه هذا العام، وكان الأمر صعبًا. لكنَّه حين يكون صائمًا، لا يتناول الطعام حتى الساعة الثالثة أو الرابعة بعد ظهر اليوم. وأدرك أنَّ ذلك يزيد طاقته إلى الحد الأقصى، فضلًا عن أنَّ تخطي وجبتي الفطور والغداء وفَّر عليه الوقت والمال الذي يُنفقه على فواتير البقالة. والصيام يجعل عقليته أكثر مقاومةً للتحديات.

وجرَّب أيضًا تحسين عادات الراحة الخاصة به، مثل أخذ حمامٍ بملح إبسوم قبل الخلود إلى النوم، والابتعاد عن الشبكات الاجتماعية، إذ لا يجب أن تنظر إلى أي شاشاتٍ لمدة ساعةٍ قبل الخلود إلى النوم.

شارما جادٌ للغاية أيضًا بشأن القرصنة الحيوية، ولهذا يتابع جميع المُكَمِّلات والتكتيكات الجسدية والعقلية المُستخدمة لتمديد الحياة، وزيادة القدرة المعرفية. واللياقة البدنية أمرٌ مُهم، لذا يرغب أن يصل بلياقته إلى مستوى جديد كليًّا خلال العام القادم.

ويرغب أيضًا في أن يظل لطيفًا. ففي الوقت الذي أصبح فيه الكثير منا أشبه بأُناسٍ آليين محرومين من النوم، ومُدمنين للشاشات البيضاء، حسب وصفه، ينوي شارما أن يكون لطيفًا مع أكبر عددٍ مُمكنٍ من الناس.

والأمر الآخر هو أنَّه لا ينظر إلى هاتفه بعد الساعة التاسعة مساءً، سواءٌ أكان ذلك من أجل العمل أو الحياة الشخصية. وهذه ثقافةٌ تعلَّمها في شركة «سلاك»، أن يعْمَل بجد ثم يذهب إلى المنزل للراحة.

وفي العام القادم، ينوي تمبلتون أن يحرص على عدم جدولة أي مكالماتٍ هاتفيةٍ أو اجتماعاتٍ في أيام الجمعة. مما سيسمح له بالتعامل مع الأمور الأصعب في الصباح، وتنفيذ المهام التي تتطلَّب طاقة عقليةً أقل في المساء، مثل متابعة رسائل البريد الإلكتروني، ورسائل تطبيق «سلاك» وفي فترة ما بعد الظهيرة. وسيُحاول أيضًا تفويض المزيد من المهام. وهذا أمرٌ ما زال بحاجةٍ إلى تحسينه حسبما يرى.

سكوت جاليت.. الرئيس التنفيذي لشركة بايونير

Embed from Getty Images

يُدير جاليت شركة تجارية عالمية، ويشعر كثيرًا أنَّه مُتأخِّرٌ وغير كفؤٍ لتولي منصبه هذا. لكن هناك بعض الأشياء التي فعلها خلال عام 2018 في محاولةٍ منه لأن يُصبح أكثر فاعلية وكفاءة، ويُحافظ على (أو ربما يستعيد) بعض التوازن في حياته.

قرَّر مثلًا أن يُخصص ليلةً واحدةً من كل أسبوع لمحادثات آسيا، وفيها يُجري أكبر قدرٍ ممكنٍ من المكالمات الهاتفية مع زملائه في قارة آسيا. وهذا لا يعني أنَّه لا يُجري مكالمات هاتفية في الأيام والليالي الأخرى، لكنَّ ذلك يجعل الأمر متوقعًا أكثر من جانب زملائه وعائلته.

وجدَّد جاليت أيضًا التزامه بالذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية كل صباح، حتى لو كان مُسافرًا. ووجد أنَّ هذه هي أفضل طريقةٍ لتصفية ذهنه، والحصول على دفعةٍ من الطاقة في بداية اليوم، والحفاظ على صحته رغم الساعات الطويلة التي يقضيها في السفر والعمل.

جيمي سسكيند.. محامٍ ومؤلف كتاب Future Politics: Living Together in a World Transformed by Tech

Embed from Getty Images

حين بدأ سسكيند العمل على كتابه، حاول إضافة بعض ضغوط حياته كمحامٍ إلى عملية التأليف. إذ أنَّه كان يخشى في قرارة نفسه أنَّه لن يُنهي الأمر أبدًا لو لم يفعل ذلك.

فعزل نفسه بعيدًا داخل جامعةٍ أمريكيةٍ كان زميلًا، بها لكنَّه لا يتولى أي مسؤولياتٍ تعليمية. وقبل أن يُغادر، أخبر الجميع، ناشره، ووكيله، وأصدقاءه، وزملاءه، ومتابعيه على «تويتر»، أنَّه سيُنهي كتابه خلال عام. وفعل ذلك ليزيد من الضغوط على نفسه في المستقبل، وليس لأنَّه كان يعتقد أنَّه سينال مراده.

كان اضطراب الرحلات الجوية الطويلة رفيقه الدائم، فغيِّر إيقاع نومه حتى لا يُصبح بمقدوره سوى الاستيقاظ مرتاحًا في وقتٍ مُبكِّر. وكل صباح، كان يُعِدُّ إبريقًا من الشاي الإنجليزي ويبدأ في العمل. حدَّد لنفسه هدفًا يوميًّا أن يكتب ألف كلمة، حتى لو كان ذلك يعني أنَّه لن يكون راضيًا عن جودة المسودة الأولية، وكانت كتاباته تخرج مروعةً عادةً في البداية. لكنَّه بعد الانتهاء من كتابة كل فصل كان يبدأ في مرحلة تقليم الكلمات وتنقيحها وصقلها، وهو ما كان الجزء المُفضَّل لديه في العملية بأكملها.

ونجح سسكيند في الانتهاء من كتابه خلال عام، رغم أنَّه دفع رشوةً لشقيقته كي تساعده في كتابة الحواشي خلال الأسبوع الأخير.

تارا سوارت.. باحثة في مجال الأعصاب ومُحاضِرَة كبيرة في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

Embed from Getty Images

طوَّرت تارا على مر السنين تمرينًا ذهنيًّا يوميًّا مدته 12 دقيقة، مبنيًّا على بحوث تدريب المرونة التي أجرتها عالمة النفس أميشي جا على مشاة البحرية الأمريكية.

وفي عام 2018، صنعت لوحةً لأهدافها وتطلعاتها في هذا العام، وكانت هذه اللوحة عبارة عن مجموعةٍ من الملصقات المصنوعة يدويًّا، وبها صور مجازية عن معنى النجاح بالنسبة لها. وأضافت أنَّها تستخدم تلك الأداة في عملها الإداري الاستشاري ووجدتها فعَّالةً للغاية. إذ إنَّها تُفعِّل أنظمة الفلترة الانتقائية وتحديد القيمة داخل الدماغ، لتساعدنا على ملاحظة واغتنام الفرص التي كانت ستفوتنا بدونها.

وفي عام 2019، تُخطِّط تارا لتحسين إنتاجيتها بالعودة إلى ممارسة تسجيل يومياتها لتعزيز الأنماط السلوكية داخل وعيها وشحذ حدسها. إذ إنَّ كتابة المشكلات وقراءتها أكثر من مرةٍ طوال العام تُساعدها على رؤية ما يعوقها والتركيز على أهدافها.

نيرو سيفاناثان.. الأستاذ المساعد في السلوك التنظيمي بكلية لندن للأعمال

Embed from Getty Images

نظرًا إلى كون سيفاناثان أكاديميًّا وعالمًا تُحرِّكه البيانات، فالأولوية بالنسبة له هي محاولة العمل دون أداء مهامٍ مُتعدِّدة في الوقت نفسه.

فرغم أنَّ تعدُّد المهام يمنح الإنسان شعورًا أكبر بالإنتاجية والكفاءة، يرى العديد من العلماء أنَّ عقولنا ليست جيدةً بما فيه الكفاية على أداء مهامٍ مُتعدِّدةٍ في الوقت ذاته، أو غير قادرةٍ أصلًا على فعل ذلك. إذ إنَّ هناك كلفةً ذهنية تضطر لدفعها حين تتنقل بين المهام، فينقسم عقلك أو يُخصِّص مواردَ جزئيةً للمهام المختلفة.

اعتاد سيفاناثان أن تكون لديه 25 نافذةً مفتوحةً داخل مُتصفح الإنترنت على حاسوبه، ويعتقد أنَّ هذا أمرٌ شائعٌ للغاية ويفعله الكثيرون. لكنَّه يحاول الآن التركيز على فتح نافذةٍ واحدةٍ فقط.

وحين يكتب، يُحاول إيقاف رسائل البريد الإلكتروني أو أي وسيلةٍ أخرى من وسائل استقبال المعلومات؛ حتى يكون هو من يتحكم بالمعلومات، وليس العكس.

ولا يُمكن لسيفاناثان القول إنَّه ينجح في كل مرة في التغلب على تلك العادة، لكنَّ المحاولة ساعدته دون شك. ويرى أنَّه من المُثمر للغاية أن يُركِّز على ملفٍ واحدٍ دون أن يُشتِّت انتباهه شيءٌ آخر.

ستيوارت تمبلتون.. المدير الإقليمي لشركة سلاك بالمملكة المتحدة

Embed from Getty Images

يقول تمبلتون إنَّه يمارس الرياضة عادةً بانتظام، لكنَّه يتوقف أحيانًا. لذا اشترى دراجةً ثابتةً في منزله. وأحدث ذلك فارقًا كبيرًا، لأنَّه أصبح يعني أنَّ الرياح والأمطار في الخارج لن تُشكِّل عقبةً بعد الآن.

بدأ يتمرن ثلاثة مراتٍ أسبوعيًّا، بالصعود كالمعتاد على متن دراجته في السادسة صباحًا والبقاء عليها حتى تمام السابعة. وكان يمنحه ذلك انطلاقةً جيدةً لليوم.

مترجم: ضع نفسك تحت ضغط.. 5 نصائح لتصبح الأفضل في أي عمل تقوم به

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!