منذ نحو 2500 عام، ابتدع مواطنو أثينا المعروفة قديمًا بـ«بوليس» نظام حكم اعتمد الديمقراطية، وألهم العديد من الأنظمة السياسية الحالية، وشمل أثينا وإقليم أتيكا المحيط بها. وفي هذا الصدد يقدم المؤرخ البريطاني بول كارتليدج ثماني نصائح لأولئك الذين يرغبون في محاكاة أحد أنقى أنظمة الحكم في التاريخ، والتي اعتمدت على «سيادة الشعب».

1- اختر موقعك

في مستهل مقال نشره موقع «هيستوري إكسترا» التابع لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، اقتبس كارتليدج مقولة أحد أبرز القادة السياسيين في المملكة المتحدة خلال الحروب «ونستون تشرشل»: «الديمقراطية هي أسوأ نظام حكم باستثناء جميع الأنظمة الأخرى التي جُرِبت». وتابع: «إذا كانت أي مدينة تستطيع أن تدعي أنها مهد هذا النظام (الأقل قصورًا)، فمن المؤكد أنها أثينا».

تلك الديمقراطية هي نتاج موقع أثينا إلى حد كبير؛ فقبل 2500 عام، كانت أثينا أكبر مدينة في منطقة تُعرف باسم «أتيكا»، وأنعم الله على أتيكا بموردين طبيعيين غير اعتياديين: رواسب الرصاص الحاملة للفضة والموانئ الجيدة.

لكن قلعة أكروبول المقدسة أو «المدينة العالية» المبنية على هضبة أكروبوليس – والتي كان اليونانيون يتخذونها حصنًا في حالة الحروب – كانت أبرز ما ميز أثينا؛ حيث كانت تُلبى احتياجات الدفاع والقداسة والعبادة في هذه القلعة التي يبلغ ارتفاعها 150 مترًا.

وتابع كارتليدج: إضافة إلى أكروبول، كان تل بنيكس هو المكان الذي اجتمع فيه المجلس الرئيس للديمقراطية في الهواء الطلق، وتقريبًا في جميع الظروف الجوية حتى الأمطار وتساقط الثلوج، وخاطب منه رجال الدولة، مثل: بريكليس وديموثينيس، الجماهير.

لكن بينكس لم يكن مكان التجمعات المدنية الأصلي بالنسبة للأثينيين، بل كانت ساحة أجورا الدائرية عند سفح أكروبوليس، حيث كانت توجد مكاتب جميع المسؤولين الرئيسين في المدينة، وبها يتمركز تجار العطور والعبيد. وعلى منحدرات أكروبوليس، بٌني مسرح ديونيسوس، وهو مسرح سياسي، وديني، ودرامي.

 2- انتقِ شعبك

 «الديمقراطية» كلمة مستمدة من كلمة «demokratia» اليونانية القديمة. وهو لفظ منحوت، ويتألف من جزأين: «demos» و«Kratos .«Kratos تعني «القوة»، لكن معنى demos غير واضح فقد تعني «الشعب» أو «العامة» (الأغلبية الفقيرة في أثينا). 

ويستطرد كاردليدج: «في أثينا القديمة، يحق لجميع الرجال الأحرار الذين تزيد أعمارهم عن 18 عامًا التصويت، سواء الأغنياء أو الفقراء. وقد يصل عدد المواطنين الأثينيين إلى ما بين 50 ألف إلى 60 ألف شخص كحد أقصى، لكنهم في الأغلب قُدروا بـ30 ألف شخص. بالنسبة لنا في العصر الحالي، ربما يكون هذا عدد ضئيل للغاية، لكن عدد المواطنين في العالم اليوناني القديم كان يتراوح بين 500 و2000 شخص؛ مما جعل أثينا عملاقة».

رأى المحلل السياسي الكبير أرسطو أن الديمقراطية كانت بحكم تعريفها سيادة الفقراء، في حين أن الأوليجارشية (حكم الأقلية) كانت أساسًا للأثرياء. ولكن الأثينيين تجنبوا بذكاء الحرب الطبقية الصريحة في ديمقراطيتهم إلى حد كبير. لكن النظام لم يكن آمنًا؛ حيث أُطيحت الديمقراطية مرتين في فترات التوتر الشديد في أعقاب خسارتهم للحرب.

3-  كُن محظوظا في مؤسستك

وتابع كاردليدج: «لم يكن للأثينيين مؤسس واحد، بل ثلاثة مؤسسين كل منهم ساهم بشيء مختلف. أولهم ثيسيوس الأسطوري، الذي نسب إليه الأثينيون التوحيد السياسي لأتيكا، بينما كانت أثينا عاصمة. والثاني هو المحامي ورجل الدولة والشاعر سولون – أشار إليه الأثينيون باعتباره «إنسانًا حقيقيًا» – الذي سيطر على السياسة الأثينية في أوائل القرن السادس. والثالث هو: كليسثنيس، والذي يمكن أن يطلق عليه المؤسس الحقيقي للديمقراطية الأولى».

وُلد كليسثنيس أرستقراطيًا، ولكن طريقه إلى السلطة كان بعيدًا عن السلاسة؛ فقد نفي مرتين، لكنه سرعان ما عاد بعدما دعاه الناس. وفي عام 508 قبل الميلاد نفذ حزمة إصلاحات أدخلت الديمقراطية إلى المدينة.

أعادت إصلاحات كليسثنيس رسم الخريطة السياسية لأثينا، حيث كانت الديمقراطية والأبرشية والحماية في مركزها. وتحت ظل كليسثنيس كان بإمكانك أن تصبح مواطنًا أثينينًا في المقام الأول في سن 18 إذا أنهيت تدريبك العسكري (كانت النساء مواطنات، ولكنهن محرومات سياسيًا، وكذلك القُصّر والأجانب والعبيد).

وألمح كاردليدج إلى أنه بسبب نظام معقد من الانقسامات الإقليمية، وجد الأثينيون أنفسهم منقسمين إلى 10 قبائل. هذه التجمعات القبلية الجديدة كانت أساس «مجلس 500» (وهو مجلس به 50 رجلًا من كل قبيلة ويخدمون لمدة عام واحد فقط). يمكن للمجلس إصدار مراسيم دون الحاجة لموافقة كبار السياسيين، ولكن وظيفته الرئيسة هي إعداد جدول أعمال اجتماعات المجلس الرئيس للديمقراطية على تل بنيكس. الغريب أن كليسثنيس اختفى من المشهد فورًا، وربما مات، لكن إصلاحاته سرعان ما أثمرت. 

 4- اغتنم لحظتك

بالنسبة لكليسثنيس كان الوقت هو كل شيء. وبرز «وقت» كليسثنيس في أواخر القرن السادس قبل الميلاد، عندما اتحدت الظروف البيئية الطويلة الأجل بالأحداث العاجلة بشكل أكبر. وتحققت تلك الظروف البيئية الواعدة بمجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي دفعها سولون في بداية القرن.

وكان الشرط الأهم للاستحقاق السياسي هو «الثروة» وليس «النسب». كما حسّنت تلك الإصلاحات أيضًا الحالة المادية للكثير من فقراء أتيكا، وبذلك تجنبت تهديد قيام ثورة.

بعد سولون، في ظل الطاغية بيسيستراتوس وابنه هيبياس، كانت أثينا مستقرة سياسيًا ومزدهرة اقتصاديًا جزئيًا على مدى 35 عامًا من خلال إدخال إصلاحات سولون حيز التنفيذ. عندما أصبحت أثينا ديمقراطية، بفضل الإصلاحات التي رعاها كليسثنيس، كان ما يجعل أيديولوجيتها متماسكة هو العداء لحكم الفرد الواحد والحكم الاستبدادي والتمييز في  منح الحرية وعدم المساواة بين المواطنين.

وييضيف كاردليدج: «لكن كانت التهديدات الأكثر إلحاحًا للأمن الأثيني هي التي أعطت كليسثنيس الإنذار الأحمر لبرنامجه الديمقراطي؛ حيث جاء التهديد الأول من مدينة إسبرطة المناهضة للديمقراطية، والتي تدخلت مرتين في الشؤون الداخلية لأثينا: الأولى لإطاحة هيبياس، والثانية لمحاولة تثبيت طاغية آخر مؤيد لإسبرطة، وأيضًا التهديد المتصاعد للإمبراطورية الفارسية في الشرق».

5- اختر معاركك

 على الرغم من أن إسبرطة كانت المهدد الأول لوجود الديمقراطية الناشئة، ويليها جيرانها اليونانيين المباشرين في الغرب (بيوتا) وفي الشرق (وابية)، إلا أنه كان من السهل التغلب عليهم بسهولة. ولكن سرعان ما شكلت بلاد فارس تحديًا وجوديًا أكبر، ولكن الأثينيين هم من جنوا على أنفسهم؛ ففي وقت مبكر من عام 490 أرسلت أثينا المساعدة لليونانيين وغير اليونانيين في البر الرئيس الآسيوي الدين تمردوا ضد أسلافهم الفرس. وسُحق هذا التمرد عام 494، وبعد أربع سنوات واجهت أثينا غزوًا بحريًا شنه ملك الفرس دارا الأول، تلاه «معركة الماراثون».

شكلت معركة الماراثون انتصارًا كبيرًا للأثينيين، أيديولوجيًا، وعسكريًا. وعلى حد تعبير المؤرخ هيرودوت: كان إخلاص الأثينيين في المساواة السياسية هو الذي أعطاهم ثقلًا عسكريًا أكثر مما بدا عليهم.  

ولمعاقبة الأثينيين، وتحويل اليونان من البر الرئيس إلى مقاطعة أوروبية تابعة للإمبراطورية الفارسية، أطلق نجل دارا وخليفته زيركسيس حملة برمائية ضخمة عام 480 قبل الميلاد. وعلى إثرها دُمرت أثينا مرتين. لكن النصر اليوناني الساحق في معركة بحرية قبالة جزيرة سالاميس في سبتمبر (أيلول) 480 عوض تلك الخسارة بأكثر من المتوقع؛ ما جعل زيركسيس ينسحب إلى آسيا.

وبحسب كاردليدج، أعطى الانتصار في سالاميس قوة سياسية إضافية للجماهير الأثينية؛ المواطنين الفقراء الذين تجولوا في السفن الحربية حتى النصر على الأسطول الفارسي. والآن يمكن للجماهير أن تطلب – وتتلقى – قوى ديمقراطية إضافية.

 6- دع المواطنين يتحدثون

قد تبدأ عجلات الديمقراطية الأثينية بالدوران فور شروق الشمس؛ حيث يبدأ اليوم بالحشد لاجتماع المجلس الديموقراطي على تل بنيكس. يصل جميع المواطنين الذكور الذين يرغبون في الحضور باكرًا بما يكفي لتلقي معونتهم المتواضعة التي تعوضهم عن وقتهم الذي أمضوه بعيدًا عن أعمالهم.

يبدأ الاجتماع ببعض الطقوس القديمة – كالتضحية بالخنازير الصغيرة ونثر دمها – ثم يبدأ المنادي بدعوة «أي شخص يرغب في التحدث» للصعود إلى المنصة ومخاطبة ما يمكن أن يصل إلى 6 آلاف مواطن يجلسون أمامه. في ختام الخطب، يُجرى تصويت على المواد أو المراسيم المتفق عليها برفع الأيدي اليمنى، إذا كانت الغالبية واضحة، فيُقر المتفق عليه. وإن لم يكن كذلك، فتحتسب الأصوات بشكل فردي.

التضحية بخنزير صغير في لوحة مزهرية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد.

ويوضح كاردليدج أن هذه الاجتماعات عُقدت بشكل متكرر كل 10 أيام أو نحو ذلك، وتناولت بشكل روتيني قضايا كالدين والدفاع وإمدادات الحبوب. ويمكن عقد الاجتماعات بصورة طارئة استجابة للتطورات الأكثر إلحاحًا.

 لم يكن هناك «مجلس ثاني» ولا «محكمة عليا»، لكن يُعاد فتح القضايا التي صوت عليها المجلس في المحاكم أمام هيئة محلفين شعبية تضم المئات. في بعض الأحيان، قد تشمل محاكمة الفرد – على سبيل المثال، محاكمة سقراط بتهمة الإهمال – على مسائل ذات اهتمام اجتماعي وسياسي ومعنوي كبير.

 7- اترك الفن يزدهر

ويشير كاردليدج إلى أن الديمقراطية الأثينية لم تكن قضية مؤسسات سياسية رسمية فحسب، بل طالت الثقافة أيضًا؛ حيث ازدهر المسرح المأساوي (التراجيديا) والفن المعماري العام في أشكال ديمقراطية مميزة. وفي غضون 75 عامًا، أو نحو ذلك من تأسيس الديمقراطية، قدم الروائي المسرحي إسخيلوس مسرحية «Persians (الفرس)» و«Oresteia trilogy (ثلاثية أوريستيا)». وكتب سوفوكليس كتب له «Antigone (أنتيجون)» و«Oedipus Tyrannus (أوديب ملكًا). وحفزت تلك الأعمال الجماهير الأثينية للتفكير بعمق في الأسس الأيديولوجية والبراجماتية لمؤسساتهم السياسية الديمقراطية.

وبين عام 440 و430 بنى الأثينيون أيضًا المعجزة المعمارية؛ معبد «البارثينون». وكانت مدينة أثينا مدينة الآلهة، وكذلك البشر، وكانت إلهة «أثينا» هي الآلهة الحامية المؤيدة للفنون. وكرّمها «البارثينون» على أنها عذراء جامحة، وصورها اليونانيون القدماء مرتدية خوذة وحاملة رمح. على هذا النحو قدمت نموذجًا مناسبًا للمواطنين الذكور الذين يكافحون ضد إسبرطة وبلاد فارس.

8- لا تخف من الإصلاحات

وأردف كاردليدج: «في أعقاب صدمة الحروب الإغريقية – الفارسية التي دارت بين عامي 480 و479، حان الوقت لمزيد من الإصلاحات الداخلية، في اتجاه ديمقراطي تدريجي. وكان الرجلان الأبرز في ذاك الوقت هما أفياليت ومساعده بريكليس. وكان هدفهما الرئيس هو تجريد أي مؤسسة أرستقراطية قديمة من السلطة ونقلها إلى الجماهير. وحققا ذلك عن طريق إنشاء محاكم محلفين للشعب. وكان هؤلاء المحلفون أيضًا قضاة، وكانوا يتلقون أجورهم من أموال العامة».

ازدهر هذا النظام حتى الحرب البيلوبونيسية (حرب قامت بين أثينا وحلفائها وإسبرطة وحلفائها) من 431 إلى 404، عندما هُزمت أثينا من خصومها الدائمين إسبرطة وبلاد فارس. ولم تكن هذه هي نهاية القصة، حيث أُعيد إحياء الديمقراطية الأثينية وتعديلها حتى استمرت إلى ما يقرب من 80 عامًا، حتى سحقتها إمبراطورية «مقدونيا» نهائيًا.

ومع وجود الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة التي تلقي بظلالها على اليونان، لم تعد سيادة المواطنين الكاملة إلى أثينا القديمة، لكن إرثها لا يزال قائمًا في القرن الحادي والعشرين. واختتم كاردليدج مقاله مشيرًا إلى أن هذه التجربة الاستثنائية «قد حققت نجاحًا أكثر من أي نظام آخر في إحياء فكرتنا الغربية عن الحكم الديمقراطي، سواء كانت جيدة أو سيئة».

مترجم: أحدهم أعلن الحرب على البحر! تعرف إلى 9 من أسوأ ملوك التاريخ وملكاته

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد