نشرت بعض الصحف مؤخرًا مقالاتٍ عن دراسةٍ علمية جديدة عن أضرار تناول البيض، في تناقضٍ كبير مع دراسات التغذية القديمة. وتكرَّر هذا الأمر مع دراساتٍ أخرى في مجال التغذية، ما يجعل علم التغذية يبدو وكأنَّه يتغير كل يوم.

لكنَّ أخصائية التغذية كارا روزين بلوم ترى غير ذلك، وتفسر في مقالها في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية الكيفية التي تُجرى بها أبحاث التغذية، حتى يتسنى لنا فهم العناوين والأخبار المتعلقة بالأبحاث والدراسات الخاصة بتلك المسألة.

من بينها شعر الخنزير.. مكونات الطعام المقززة التي قد نأكلها دون أن نعلم

عوائق دراسات التغذية

تبدأ الكاتبة بالإشارة إلى واحدةٍ من أهم القضايا الغذائية المقلقة، وهي الدهون المشبعة. إذ تقول بعض الدراسات: «إنَّ الدهون المشبعة ترفع نسبة الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية»، بينما تجادل دراساتٌ أخرى بأنَّ هذا غير صحيح.

وعن سبب هذا التناقض، يقول ديفيد جينكينز، الحاصل على درجة برنامج البحث الكندي في التغذية بجامعة تورنتو ومستشفى سانت مايكل: «أبحاث التغذية لا تحظى بالتمويل الكافي». ولهذا السبب تتضمن الأبحاث حالاتٍ يتراوح عددها من 70 إلى 120 فقط.

وهذه الدراسات الصغيرة لا تخرج بنتائج قوية، لذا يعيد الباحثون نفس الدراسة الصغيرة عدة مرات، ثم يجمعون الدراسات المتشابهة معًا فيما يُسمى بالتحليل التلوي. ويتابع جينكينز: «نجمع البيانات ونستخلص دراسة واحدة كبيرة معتدلة ذات نتيجة موثوقة. بدون التحليل التلوي كل ما يتبقى لنا هو شهادات المشاركين».

وتشير كارا إلى أنَّه بتكرار دراسة صغيرة عدة مرات بهذا الشكل، قد يكتشف الفريق القائم على الدراسة شيئًا يناقض المقبول والمتعارف عليه في هذا العلم. هذا يجعل تلك التجربة خارجةً عن الإجماع. وحين توضع ضمن تحليلٍ تلوي أكبر مع دراساتٍ أخرى لن تؤثر على النتيجة كثيرًا.

Embed from Getty Images

لكن حين تتناولها التقارير كدراسةٍ منفردة بذاتها، يمكن أن تشكل عنوانًا مثيرًا في وسائل الإعلام. وعندها تنصحنا كارا كقراء أنَّنا يجب أن نتذكر أنَّ هذه الدراسات الصغيرة التي لم تُكرر يجب ألا تغير فكرتنا عن موضوعٍ معين، وأن نبني قرارات التغذية الخاصة بنا على وزن الأدلة، لا على الخبر المسيطر على وسائل الإعلام.

وينطبق الأمر نفسه على جدال الدهون المشبعة. إذ تشير كارا إلى أنَّه رغم وجود دراسات منضبطة توضح عدم وجود علاقة بين الدهون المشبعة وأمراض القلب، لا تزال معظم الأدلة تدعم وجود رابطٍ بينهما. وينصح جينكينز باختيار أطعمة تعتمد على النباتات أكثر، وتقليل الدهون المشبعة المستهلكة من المنتجات الحيوانية.

وتستشهد الكاتبة على رأيها بما صرح به جايسون ريس، الطبيب النفسي المعرفي والزميل الباحث الأقدم في مبادرة تغيير السلوك بكلية وارتون في جامعة بنسلفانيا، إذ قال: «في كل الأحوال، اقرأ الآراء المعارضة وواصل التدقيق في الأدلة، لكن المضمون هو أن تتبع آراء أغلبية الخبراء في مسألةٍ علمية».

أنواع الدراسات

تشير كارا أيضًا إلى أنَّه يسهل فهم أبحاث التغذية حين تعرف أكثر عن أنواع الدراسات التي يجريها العلماء. فالممارسة الأساسية لدراسة أسباب وآثار أي ظاهرة، مثلًا إن كانت الدهون المشبعة تسبب أمراض القلب، هي التجربة المنضبطة المعماة.

يُقسم فيها المشاركون عشوائيًا إلى مجموعاتٍ متفرقة تخضع لحمياتٍ غذائية مختلفة. لكن لا يمكن دومًا إجراء التجارب المنضبطة المعماة لأنَّها مكلفة من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى يصعب على الناس تتبع حميةٍ غذائية معينة لوقتٍ طويل.

Embed from Getty Images

لذا يعتمد الباحثون بدلًا عن ذلك على دراسات الارتباط، التي لا تُظهر السبب والأثر، لكنَّها تكشف لنا إن كان هناك أمران مرتبطين بشكلٍ ما. وأحد المشكلات الكبيرة في ذلك النوع من الدراسات هو التحكم في المتغيرات الأخرى. ففي الدهون المشبعة على سبيل المثال، يحاول الباحثون التحكم في العوامل الأخرى مثل مستوى الدخل أو التمارين الرياضية، لكنهم يعجزون عن حصر كل المتغيرات.

ووفقًا لكارا، تترك دراسات الارتباط هذه مساحةً للتأويل أكثر من التجارب المنضبطة المعماة، وحين يأتي دور الطبيعة البشرية، يصبح التحيز ممكنًا. إذ يقول رييس: «حتى حين يحاول العلماء أن يكونوا موضوعيين، قد تعرقلهم معتقداتهم الحالية». فالمعتقدات الشخصية، ومصادر التمويل، وحتى ضغط النجاح يمكن أن تتسلل بغير قصد إلى عمل الباحث وتؤثر في النتائج.

وأحد المؤثرات الإضافية في رأيها هو حرص الباحث على التوافق مع الإجماع. فالرغبة في التوافق تكون قويةً لدى البشر، إلى حد أنَّ الدراسات تشير إلى أنَّ التعرض للنبذ يُثير نفس المنطقة التي تُثار في المخ عند التعرض لألمٍ جسدي. ويتابع رييس طرحه إذ يقول: «يهتم الباحثون بقول الحقيقة في منطقة خبراتهم، لكنَّهم أيضًا يهتمون بالتقييم الذي يتلقونه من رفاقهم والمجتمع. ويضع بعض الخبراء أنفسهم في موقفٍ يجعلهم يشعرون أنَّهم سيبدون مغفلين إن تراجعوا أو اعترفوا بالخطأ».

لكن توضح كارا أنَّ الباحثين يمكنهم تجاوز ذلك ذلك بفتح حوارٍ مع زملائهم، ليروا إن كانت هناك نقاط تجتمع عليها كل الأطراف. أما رييس فيتحدث عن طريقة بحثٍ أحدث تُسمى «تعاون الباحثين المتعارضين» وفيها يطور الباحثون الذين يتبنون وجهات نظر متعارضة دراسةً ثنائية الفرضية، ويتفقون على كل المتغيرات قبل البدء.

واجه انحيازاتك

ومثلما يجب على العلماء إيجاد طريقةٍ للتعامل مع انحيازاتهم في أبحاث التغذية، تعتقد الكاتبة بأنَّ الناس العاديين عليهم ذلك أيضًا. فأنت حين تؤمن بفكرةٍ ما (مثل أنَّ الدهون المشبعة صحية مثلًا)، ستسعى دون وعيٍ لجمع المعلومات التي تدعم وجهة نظرك. وربما أيضًا تتأثر بنصيحة متعلقة بالتغذية من صديق أو فرد من العائلة، أو حتى من موقع «فيسبوك».

Embed from Getty Images

لتجاوز ذلك، يمكنك بحسب نصيحة كارا تجربة قراءة تأويلاتٍ مختلفة للدراسة نفسها، والاستماع للمناقشات التي تتبنى كل وجهات النظر. أما رييس فيقول: «إذا كنت حقًا تحاول فهم العلم، عليك مواصلة التفكير فيه، وقراءة أدلة جديدة، والتحدث أكثر مع الناس، والاستعداد لتحديث معتقداتك».

إذًا ما الذي ستفعله حين تقرأ عنوانًا عن دراسةٍ جديدة تعارض المتعارف عليه في التغذية؟ تنصحك الكاتبة بتذكر أنَّ هذه هي الدراسات التي تجذب الإعلام، وأنَّ أغلب أبحاث التغذية لا تُنشر سوى في الصحف العلمية. وعليك أيضًا التدقيق في القصة كلها بحرص، وحاول معرفة إن كانت الدراسة هي من نوع التجربة المنضبطة المعماة أم دراسات الارتباط، وإن كانت دراسةً وحيدة أم ضمن تحليلٍ تلوي.

ولا تنس أنَّ الدراسات تتأثر بانحيازات الباحثين وبانحيازك أنت أيضًا، لذا تنصح الكاتبة بالبحث عن هذه التحيزات أثناء اطلاعك، وضع في اعتبارك أن تكون المؤسسة التي أجرت البحث جيدة السمعة، وأن يكون البحث نفسه قد خضع لمراجعةٍ من باحثين آخرين.

وأخيرًا، تنصح الكاتبة بتجاهل «الخبراء» الذين يزعمون أنَّهم متأكدون 100% من استنتاجهم في قضيةٍ ما. ويوافقها رييس في ذلك إذ يقول: «عليك ألا تمانع كون خبيرٍ ما غير متأكدٍ من رأيه، طالما أنَّه يوضح أنَّ الدراسات ليست كاملةً بعد، وأنَّه متأكد بنسبة ولتكن 80%». ويختتم مضيفًا: «العلم عملية كاملة مستمرة، لا نتيجة فقط».

مترجم: علميًّا.. لماذا لا تستطيع الاكتفاء بقطعة بيتزا أو شوكولاتة واحدة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات