بينما تسعى الدول إلى مواجهة التنظيمات المتطرفة، التي باتت تعتمد على «التكنولوجيا» و«الشبكات الاجتماعية»، تبرز معضلة أساسية في كيفية التوصل إلى آلية تسمح لأجهزة التكنولوجيا والإنترنت بمتابعة وتتبع نشاط تلك التنظيمات، دون انتهاك الخصوصية الفردية للأشخاص.

مجلة «فورين بوليسي»  الأمريكية الشهيرة رصدت، في تقرير نشرته مؤخرًا، الجهود الأممية التي تبذلها مصر في «مجلس الأمن» بالأمم المتحدة؛ لمطالبة شركات التكنولوجيا، ومنها شركة «مايكروسوفت»؛ بممارسة مهامها لمواجهة التنظيمات المتطرفة.

غير أن التقرير أبدى مخاوفه ـ في ذات الوقت ـ من أن تتحول تلك الجهود إلى ما يشبه التجسس لصالح الدول التي تقمع حرية التعبير، ومن بينها مصر، التي تمارس سلسلة من القمع بحق النشطاء والصحفيين.

قمع النشطاء

وقال التقرير «بينما تترأس جلسات مجلس الأمن الدولي هذا الشهر، دعت مصر شركة التكنولوجيا العملاقة، مايكروسوفت، لتقديم المشورة للقوى العالمية لمساعدة الحكومات في مواجهة التطرف العنيف، ولكن الفرصة النادرة أيضًا تضع شركة البرمجيات ـ الأكثر شهرة في العالم ـ في ورطة: كيفية تجنب دعم البلد الذي يتخذ إجراءات قاسية ضد وسائل الإعلام الاجتماعية، وغيرها من وسائل حرية التعبير، من الفنانين، للصحفيين، إلى الروائيين».

جلسة مجلس الأمن، التي عقدت مؤخرًا، تحت عنوان «مواجهة خطاب وأيديولوجيات الإرهاب»، كانت تسعى إلى استكشاف سبل لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية»    (داعش) وغيره من التنظيمات المتطرفة، وفقًا لورقة تفاهم سرية، صاغتها مصر، وحصلت عليها «فورين بوليسي».

«فورين بوليسي» قالت إن مصر أرادت من مجلس الأمن تبني بيان؛ يسلط الضوء على حاجة الحكومات إلى وضع «استراتيجية دولية شاملة لمكافحة خطاب وأيديولوجيات التنظيمات الإرهابية، مع التركيز بشكل خاص على تنظيم داعش».

كما أشار تقرير المجلة الأمريكية إلى الانتقادات التي تحدثت عن أن تصميم المبادرة المصرية؛ جاء لحشد الدعم الدولي لسياسات القاهرة التي تقمع حرية التعبير، تحت مسمى كبح جماح جماعة الإخوان المسلمين المحظورة حاليًا.

الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» كان قد أطاح بالرئيس «محمد مرسي» في انقلاب عسكري في يوليو (تموز) 2013. وفي الآونة الأخيرة، كثفت مصر حملتها؛ لتسجن الصحفيين والمعارضين السياسيين والفنانين والروائيين الذين انتقدوا الدولة.

ونقل التقرير ما ذكره «ديفيد كاي»، المقرر الخاص للامم المتحدة لحرية الرأي والتعبير، لوكالة الأنباء الفرنسية «هناك مشكلة حقيقية مع استخدام داعش والآخرين للتكنولوجيا الرقمية».

وأضاف:«ومع ذلك، يستخدم الكثير من البلدان مشكلة (التطرف)؛ لفرض رقابة أو معاقبة الصحفيين، وتبادل المعلومات، وخاصة على الإنترنت».

وقال كاي إن مصر «تستخدم لغة مكافحة التطرف العنيف؛ لسجن الأفراد الذين يحتجون، بما في ذلك الصحفيين الذين يغطون الاحتجاجات».

مخاوف مشروعة

وتابع التقرير بقوله «إن الاجتماع جاء في الوقت الذي تحاول فيه مصر أن تقنع العالم بالرد بقوة أكبر على ما تعتبره تهديدًا إرهابيًا وجوديًا. وقد اختارت القاهرة الموضوع الذي ولد تعاطفًا واسعًا بين سلطات مجلس الأمن الكبرى، بما في ذلك الصين وروسيا والولايات المتحدة».

وقال بعض الدبلوماسيين الدوليين «إن مصر لديها مخاوف مشروعة حول خطر الإرهاب في الداخل والخارج، وخاصة بعد الفيديو الذي ظهر في فبراير(شباط) 2015 وأظهر مقتل 20 مصريًا مسيحيًا على يد تنظيم داعش».

التقرير ذكر أيضًا أن الولايات المتحدة أبدت قلقها من أن البيان الذي صاغته مصر، لم يذهب بعيدًا بما فيه الكفاية؛ للاعتراف بالحاجة كي يشمل منظمات المجتمع المدني، وكذلك شركات التكنولوجيا الفائقة، والعمل جنبًا إلى جنب مع الحكومات؛ لمواجهة جهود المتطرفين في التطرف، وتجنيد العناصر المحتملة. وكان مشروع البيان الختامي قد تضمن سلسلة من التعديلات الأمريكية؛ لمعالجة تلك الموضوعات.

ومع ذلك، رجحت «سوزان نوسل»، المدير التنفيذي لمنظمة مركز «القلم الأدبية» الأمريكية، أن اجتماع مجلس الأمن قد وضع مايكروسوفت بين المطرقة والسندان؛ لأنها شريكة مع الحكومة التي تسجن الفنانين، والمخرجين، والكتاب.

ونقل التقرير ما ذكرته نوسل لوكالة الأنباء الفرنسية من أنه «لا توجد أية شركة تكنولوجية يريد أن ينظر إليها باعتبارها ساحة لانتشار التطرف العنيف؛ فهذا أمر سيئ للعلامة التجارية».

وأضافت «لكنها شراكة مشوبة بالخطر لشركات التكنولوجيا؛ للقيام بدور شرطي المحتوى».

وقالت نوسل إن التحدي الذي تواجهه مايكروسوفت هو تحقيق توازن بين الاعتراف بأن الإرهاب هو «تهديد عالمي خطير يستدعي المزيد من التعاون والعمل»، وضمان أن الحرب على التطرف لا يمكن أن تستخدم  «ذريعة» للقمع الداخلي.

وأوضح التقرير أنه، وفي أعقاب الهجوم الإرهابي في يناير (كانون الثاني) 2015 على مجلة «تشارلي إبدو» الفرنسية الأسبوعية الساخرة، كثفت الحكومات بصورة كبيرة الضغط على شركات تكنولوجيا الإنترنت؛ للتعاون مع الاستخبارات الحكومية ووكالات إنفاذ القانون.

وأضاف التقرير أن مصر ترى أن «الإخوان المسلمين» تتبنى الفكر الأيديولوجي المتطرف، كما هو الحال مع تنظيم داعش، ولكن التقرير ذكر أن جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت محظورة في عهد الرئيس «حسني مبارك»، تم تقنينها بعد ثورة «الربيع العربي» التي أطاحت بمبارك.

لم تصنف إرهابية

سعت الولايات المتحدة للعمل مع مرسي، وهنأه الرئيس «باراك أوباما» على فوزه في الانتخابات، في مكالمة هاتفية عام 2012. تعتبر الحركة الآن كمنظمة إرهابية من قبل مصر وحلفاء آخرين، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وروسيا، ولكن عددًا قليلًا من البلدان الأخرى تبنى ذلك الموقف، كما لم يتم تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية من قبل الأمم المتحدة. وليس من بين أعضائها من وردت أسماؤهم في بيان مجلس الأمن الدولي النهائي الذي نوقش في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن.

يأتي ذلك، بينما أفاد التقرير أن ورقة التفاهم المصرية، لم تذكر صراحة جماعة الإخوان المسلمين. ولكنها تضمنت إشارة مبطنة للحركة، وإلقاء اللوم على علمائها، في منتصف القرن العشرين؛ لتوفير الأسس الدينية لمتطرفي الحركات الحديثة، مثل «داعش»، و«بوكو حرام» في نيجيريا، و«جبهة النصرة» في سوريا، و«الشباب» في الصومال.

وتنص الورقة التي اطلعت عليها المجلة الأمريكية على أن «كل هذه التنظيمات الإرهابية تشترك في نفس الهدف النهائي المتمثل في استعادة، من خلال وسائل عنيفة، تأسيس الدولة الإسلامية».

في مصر، يسجن الصحفيون بشكل روتيني؛ تحت «زعم انتهاك قوانين مكافحة الإرهاب»، كما قالت «إيما ليانسو»، مدير مركز الديمقراطية والتكنولوجيا ومشروع حرية التعبير. هذا الشهر، حكمت مصر على اثنين من صحفيي شبكة «الجزيرة» بالإعدام غيابيًا في قضية التخابر مع «قطر».

فيما قالت شبكة الجزيرة «إن الاتهامات لا أساس لها».

وتعمل الأمم المتحدة من وراء الكواليس؛ لحشد الدعم، من شركات وسائط الإعلام الاجتماعية لمكافحة الإرهاب. واستضافت لجنة مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، وهو فرع من مجلس الأمن للأمم المتحدة، اجتماعًا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ضم ممثلين من «فيسبوك، وجوجل، ومايكروسوفت، وتويتر، ويبو».

ونقل التقرير ما ذكره «ستيف كراون»، نائب رئيس شركة مايكروسوفت، من أن مايكروسوفت تعمل بشكل وثيق مع الحكومات؛ لمكافحة مجموعة من الأنشطة الإجرامية، بما في ذلك الإرهاب. وقال كراون «إن الشركة تعمل مع السلطات الفرنسية والأمريكية؛ لتقديم معلومات على الإنترنت حصلت عليها خلال 45 دقيقة من ضربة تشارلي إبدو».

وقال كراون في ديسمبر (كانون الأول) الماضي «إننا بالطبع غاضبون من استخدام الإرهابيين منصتنا أو تقنياتنا»، مؤكدًا للجنة مكافحة الإرهاب للأمم المتحدة أن شركته، لم تكن تنوي أبدًا لمنتجاتها أو الشركات التابعة أن يتم استخدامها من قبل الإرهابيين».

واختتمت «فورين بوليسي» بقولها إن المبادرة المصرية في الأمم المتحدة دعت إلى «استراتيجية دولية شاملة» تجمع بين الحكومات، ووكالات الاستخبارات، والقيادات الدينية، وشركات وسائط الإعلام الاجتماعية في النضال ضد التطرف العنيف. ويتمثل الهدف الرئيس في ايجاد «آلية مثالية لتنسيق المتابعة وحشد العمل والموارد اللازمة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد