قال تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية أنه على مدى السنوات الأربعين الماضية، ظهرت أكبر الأخطار التي تهدد الغرب من الدول المصدرة للنفط. فالنفط مَوَّل غزو العراق للكويت، ودعم ليبيا للجماعات الإرهابية، وتراكم الترسانة النووية للاتحاد السوفييتي في السبعينيات والثمانينيات. وفي الآونة الأخيرة، فقد مَوَّل صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، والعدوان الروسي في شبه جزيرة القرم، وتقديم الدعم لحماس وحزب الله الإيراني.

وأضاف التقرير أن النفط يمنح الحكام مصدر طاقة غير خاضعة للمساءلة، وربما أكبر مصدر من نوعه في العالم. بعيدًا عن الديمقراطيات، فإن عائدات النفط تتدفق إلى أي نظام أو مجموعة مسلحة تسيطر على الآبار بالقوة. هذه العائدات تسمح للقادة بالسيطرة على شعوبهم عن طريق الإكراه والرعاية (كما هو الحال في إيران وروسيا) وتمنح الجماعات المسلحة الموارد اللازمة لخوض حرب أهلية (كما هو الحال في العراق واليمن). كما مكنت تلك العائدات أيضًا الأنظمة لتلقين سكانها الأيديولوجيات المتعصبة، وخاصة في حالة المملكة العربية السعودية، لنشر تلك الأيديولوجيات في جميع أنحاء العالم.

لعنة النفط

وفقًا للتقرير، فإن هذه القوة غير الخاضعة للمساءلة للنفط تشرح ما يدعوه المحلل السياسي مايكل روس «لعنة النفط».

فالدول النفطية من المرجح أن تكون استبدادية بنسبة 50% أكثر من الدول غير النفطية، وبين عامي 1980 و 2013، كانت الأنظمة الاستبدادية المنتجة للنفط أقل أربع مرات من الدول غير النفطية فيما يتعلق بالانتقال إلى الديمقراطية. والدول النفطية في العالم النامي هي أيضًا أكثر عرضة بنسبة 200% للمعاناة من الحروب الأهلية. ويخوض 25% من الدول النفطية حاليًا حربًا أهلية (مقارنة مع 11 % للدول غير النفطية).

وفقًا لروس، فإن الدول النفطية هي اليوم أقل ثراءً وحرية وسلمية مما كانت عليه في عام 1980، في تناقض صارخ مع معظم الدول في العالم النامي، التي حققت تقدمًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا منذ ذلك الحين. ويأتي أكثر من 50% من تجارة النفط اليوم في العالم من الدول الاستبدادية أو الفاشلة.

التقرير أشار إلى أن صناع السياسة الغربية حاولوا اتباع ثلاثة استراتيجيات رئيسية لفحص قوة النفط في الدول المصدرة غير الديمقراطية.

ففي بعض الأحيان، شكل هؤلاء الساسة الغربيين تحالفات، على أمل التأثير على النظام الاستبدادي لصالح مصالحهم الوطنية. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، حافظت على العلاقات مع شاه إيران حتى الإطاحة به في عام 1979، ومع الرئيس العراقي صدام حسين في أوائل الثمانينيات والتسعينيات ومع الزعيم الليبي معمر القذافي بين عامي 2003-2011 ولا تزال على مقربة من النظام السعودي.

وفي أحيان أخرى، فرض صانعو القرار في الغرب عقوبات على الدول النفطية، بما في ذلك إيران والعراق وليبيا وروسيا والسودان، وسوريا. ولجأت الدول الغربية أيضًا إلى العمل العسكري، بما في ذلك التدخلات الرئيسية في العراق (مرتين) وليبيا.

 

عدم الاستقرار

 

وأوضح التقرير أنه على الرغم من أن هذه الاستراتيجيات حققت في بعض الأحيان نجاحات محدودة، إلا أنها فشلت في كبح جماح سلطة النفط غير الخاضعة للمساءلة. وكانت النتيجة في الشرق الأوسط، كما قال مدير وكالة المخابرات المركزية جون برينان أمام الكونجرس في فبراير (شباط) الماضي، هو أن المنطقة «ترزح تحت وطأة المزيد من عدم الاستقرار والعنف والصراع بين الدول أكثر مما رأينا بالتأكيد في السنوات الخمسين الماضية».

ومع ذلك، هناك حل «للعنة النفط»، بحسب ما ذكر التقرير.

التقرير طالب باعتبار شراء الدول للنفط من الجهات الفاعلة غير الخاضعة للمساءلة، والذين يسيطرون على آبار النفط بالقوة، أمرًا غير قانوني بخلاف الواقع الحالي.

فاليوم، وبحسب القانون، يمكن لكل بلد شراء الموارد الطبيعية ممن يسيطر عليها، بغض النظر عن وسائل السيطرة. عندما استولى القذافي على ليبيا في انقلاب عام 1969، على سبيل المثال، فإن الأمريكيين كانوا قادرين قانونًا على شراء النفط في ليبيا من القذافي. وبعد ذلك عندما استولى المتمردون على بعض من نفس الآبار خلال الربيع العربي عام 2011، بقي الأمر كما هو عليه للأمريكيين بشراء النفط الليبي من المتمردين.

وقال التقرير إن الدول تتبع في شراء النفط الأجنبي مبدأ «القوة تصنع الحق» الذي عفا عليه الزمن.

وبفضل هذا المبدأ، فإن الدول الغربية ترسل مئات المليارات من الدولارات سنويًا إلى الأنظمة الاستبدادية وتحرض على الصراع على آبار النفط الأجنبية. ويدفع هذا المبدأ المستهلكين إلى الدخول في علاقات تجارية مع الجهات الفاعلة الأكثر قمعًا وعنفًا في العالم. في عام 2014، على سبيل المثال، أرسلت كل أسرة في الولايات المتحدة في المتوسط 250 دولار للقوى الاستبدادية والجماعات المسلحة فقط عن طريق ملء سياراتهم بالوقود.

 

القوة تصنع الحق

 

اعتبر التقرير أن مبدأ «القوة تصنع الحق» يخترق أيضًا مبادئ السوق الأساسية. بعد كل شيء، إذا استولى مسلحون على محطة وقود، فإنهم لا يكتسبون الحق القانوني في بيع الغاز. فالعنف ينتهك حقوق الملكية. وأكثر من 50% من تجارة النفط في العالم هي التجارة في السلع المسروقة.

وذكر التقرير أن المبدأ الحديث الذي ينبغي أن يحل محل «القوة تصنع الحق»، هو مطالبة البلدان أن تكون مسؤولة أمام مواطنيها، لإقرار مبدأ «سيادة الموارد الشعبية»، والذي بموجبه تكون الموارد الطبيعية في كل بلد هي ملك للشعب.

تقريبًا كل حكومة تؤكد هذا المبدأ، على الأقل من الناحية النظرية. وقد أعلنت شخصيات متنوعة مثل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش والزعيم الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، أن نفط الأمة يجب أن ينتمي لشعبها. وقد برزت سيادة الموارد الشعبية في المادة الأولى في اثنتين من معاهدات حقوق الإنسان الرئيسية (العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية). والدول التي تمثل 98% من سكان العالم، بما في ذلك الصين والهند، والولايات المتحدة، قد صدقت بالفعل على واحدة على الأقل من هذه المعاهدات.

وأخيرًا، رأى التقرير أنه ولأول مرة، وذلك بفضل الثورة الصخر الزيتي، فإن الغرب لم يعد بحاجة لشراء النفط السلطوي. «نيك باتلر» نائب الرئيس السابق في شركة بريتيش بتروليوم وكاتب في صحيفة فاينانشال تايمز، يقدر أن تحول أمريكا الشمالية بعيدًا عن واردات الدول الاستبدادية سيستغرق شهورًا فقط. ومن شأن التحول الأوروبي أن يتطلب عدة سنوات وعشرات المليارات من الدولارات ولكن يمكن التحكم فيه.

وقال التقرير إن الحكومات الغربية يمكن أن تقوم تنسيق مثل هذا التحول باستخدام مقاييس مستقلة ومحترمة، للمساءلة العامة الموجودة بالفعل. معهد بروكينجز، فريدم هاوس، والبنك الدولي، والعديد من المنظمات الأخرى، تنشر الفهارس التي تظهر أي الدول تفتقر إلى الحريات المدنية والحد الأدنى من الحقوق السياسية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد