أعاد القتل الجماعي للمدنيين في باريس طرح النقاش وبشكل حتمي حول إمكانية استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية المسمى داعش. فهذا النقاش، كأي نقاش آخر تتشابك أطرافه في أوساط سياسة الرئاسة الأمريكية؛ يعتبر بعيدًا عن أرض الواقع. ولكن الولايات المتحدة ودولًا أخرى تقوم حاليًا ببعض العمليات العسكرية على الأرض في العراق وسوريا بالفعل.

 

ردود الأفعال المتوترة، والمدعومة من اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وأوروبا، لإعلان الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية؛ هي على الأغلب مطالب غير جادة. لذا، لم يتمكن أي من المطالبين بتلك الردود من تقديم أقل قدر من الأفكار عن كيفية القيام بتلك الأعمال العسكرية.

 

وقد بين الرئيس الأمريكي أوباما تصوراته في خطابه يوم الاثنين، أن العمليات العسكرية لن تكون سوى جزء من إستراتيجية واسعة يجب أن تقوم بها الولايات المتحدة وشركاؤها خلال السنوات القادمة. وسوف يتطلب الأمر أن تتوقف الدول الإسلامية المهمة كالمملكة العربية السعودية على وجه التحديد، عن تقديم الدعم المالي والسياسي لبعض المساجد والأئمة والمجاميع شبه العسكرية التي تدعم المتطرفين وأفكارهم المنحرفة عن الإسلام. ويجب على المسلمين المعتدلين بالمقابل أن يضاعفوا من جهودهم التي بدأت بعد أحداث 9/11 للتأكيد على انتشار ورواج رؤيتهم لإسلام معتدل وشامل.

 

كردة فعل على مذابح باريس، قال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أن فرنسا كانت على حق تمامًا في إرسال طائراتها الحربية لقتال قوات الدولة الإسلامية في الرقة بسوريا. وبينما قامت الولايات المتحدة بتنفيذ أكثر من 8000 طلعة جوية لضرب أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، قال الرئيس أوباما أنه سيكون هناك المزيد من هذه الضربات كذلك.

 

وبالنظر إلى التهديدات الموسعة، فقد حان الوقت لإشراك آليات الدبلوماسية التي تربط المجتمع الدولي قانونيًّا وسياسيًّا بقضية واحدة مشتركة. وقد طلبت فرنسا في يوم الثلاثاء رسميًّا المساعدة من شركائها الأوروبيين. ما ينبغي أن يتبع ذلك هو أن يصدر قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يجيز رسميًّا استخدام القوة ضد الدولة الإسلامية، والذي يمكن فرنسا أن تطلب من حلف شمال الأطلسي تفعيل المادة 5 من المعاهدة، التي تلزم تحالف الدول المشاركة فيها بالدفاع عن أحد أعضائها في حال تعرضها لأي اعتداء.

 

إن أمريكا والعالم بأسره سيكون بأفضل حال إذا ما تجنب الكونجرس المشاحنات الحزبية قليلا، وبدأ بمناقشة الإطار القانوني للعمل العسكري الأميركي المستمر بالفعل منذ أكثر من عام، من دون أي أسس من هذا القبيل. وبينما يفضل المشرعون الجمهوريون ببساطة لوم الرئيس أوباما عوضًا عن عملهم بجد، فإن أي إجراءات عسكرية قد تتخذ وبشكل معقول وفعال ناجمة عن مثل هذا النقاش، إن وجدت، تعتبر غير واضحة. يتعين على أميركا عدم تكرار أخطاء الماضي من خلال التزامها بإرسال الآلاف من الجنود في معارك الشرق الأوسط البرية، كما يحث على ذلك بعض الجمهوريين. في يوم الاثنين الماضي، رفض السيد أوباما وبحكمة بالغة الموافقة على تصعيد التدخل الأمريكي.وبالإضافة إلى الضربات الجوية، فإن الوجود الأمريكي يضم فعليًّا 3500 جندي في العراق بمهمات تدريبية على الأرجح ، وحوالي 50 من قوات العمليات الخاصة في سوريا.

 

يشكل تنظيم الدولة الإسلامية تحديًا لا يمكن لأمريكا التعامل معه بمفردها، فإن كان وجود قوات برية ضروريًّا أكثر من أي وقت مضى، فإنه يجب أن تأتي تلك القوات من دول المنطقة مدعومة من القوات الجوية والاستخباراتية والدعم اللوجستي، وربما من الولايات المتحدة, وفرنسا, وروسيا وغيرها من الدول.

 

واحدة من المشاكل الكبرى هي أن الدول العربية ذاتها منقسمة حول من هو العدو الرئيسي، مما يجعل من المستحيل تركيز الموارد على هزيمة قوات تنظيم الدولة الإسلامية. فبينما ينصب اهتمام المملكة العربية السعودية على إيران وإسقاط الرئيس بشار الأسد في سوريا، تريد تركيا على الجانب الآخر الإطاحة بالرئيس الأسد وإخماد الانفصاليين الأكراد. بينما تنشغل الحكومة المركزية العراقية في المقام الأول بالحفاظ على حكم الأغلبية الشيعية فيها.

 

وإذا ما وافقت أمريكا وروسيا وغيرها من الحكومات على تسوية سياسية لإنهاء الحرب السورية، فسيكون حينها هناك بداية واقعية للأطراف المتحاربة للتحول من قتال الأسد إلى محاربة الدولة الإسلامية. يجب أن تقتنع موسكو بوجوب المساعدة في خلع الأسد من السلطة وبطريقة لا تزعزع استقرار سوريا أكثر من ذلك، خصوصًا عقب حادثة تفجير الطائرة في مصر، وأن تكون جادة في مواجهة قوات الدولة الإسلامية.

 

في يوم الاثنين، وسعت كل من أمريكا وفرنسا نشاطهما في تبادل المعلومات الاستخباراتية؛ الأمر الذي ينبغي أن يضم معه بلدانًا أخرى. وحتى قبل عمليات القتل في باريس، فإن الولايات المتحدة قد كثفت الأسبوع الماضي من هجماتها على المنشآت التي تساعد على تمويل الدولة الإسلامية من خلال بيع النفط. ويجب بذات الوقت بذل المزيد من الجهود لإغلاق كل مصادر الدخل لداعش، بينما لا تزال الحدود التركية مع سوريا مليئة بالثغرات، مما يمثل مشكلة كبيرة في هذا المجال.

 

من المستحيل منع جميع أشكال العنف من قبل المجانين المليئين بالكراهية والمنظرين الذين هم على استعداد للموت، بينما مواجهة خطر التطرف من داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية يتطلب العديد من الإستراتيجيات..ولكن أيًّا من هذه الإستراتيجيات لا يتطلب هدم القيم التي تعتبر قلب المجتمعات الديمقراطية، بما في ذلك حرية التنقل للأشخاص وحرية المعلومات. لذا فإن حظر جميع اللاجئين، كما يطالب البعض في أمريكا وأوروبا، سيكون غير ذي فعالية ويعتبر استسلامًا مريعًا للخوف. وينبغي للحكومات تحسين الرقابة واليقظة على الحدود، ولكن يجب مقاومة أي توسع في مجال التنصت والمراقبة في المجتمعات الحرة.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد