بعد أن أثبتت النصائح التقليدية ـ مثل: اترك مشاهدة التلفاز ـ فشلها معي!

كون الجميع مشغولين جدًا هذه الأيام، وكونهم لا يجدون الوقت لأي شيء، قد أصبح “كليشيه”، لكن الشكوى ذات النبرة الأكثر أسفـًا هي: “أنه لا يوجد وقت من أجل القراءة مطلقـًا”، أما أحد أصدقائي فيعمل محررًا للكتب، هذا رجل يتقاضى أجرًا على قراءة الروايات! لكنه قال لي ذات يوم: إن أفضل شيء في الفجوة الزمنية التي كانت بين عمله السابق، وعمله الحالي كمحرر للكتب هي أنه استطاع أخيرًا أن يقرأ بعض الروايات!

يوجد خطأ ما هنا! فأنت لا تسمع أبدًا أن مـُشغلي الأوناش يحتفلون بقضاء الوقت الذي يقضونه بلا عمل في تشغيل الأوناش! ويكتب قارئ محترف آخر، وهو الروائي والناقد تيم باركس، في مقال له بمجلةNew York Review of Books: “إن الظروف التي تحيط بنا أثناء القراءة هذه الأيام مختلفة تمامـًا عن تلك التي كانت منذ خمسين أو حتى ثلاثين عامـًا”.

ويضيف باركس في مقاله الذي نـُشِر منذ شهر مضى ـ في يونيو الماضي – والذي قد وجدت الوقت كي أقرأه أخيرًا أنه “يجب المحاربة من أجل، بل يجب التخطيط لكل لحظة من لحظات القراءة الجادة”.

ما يجعل من الأمر معضلة أكثر هو أن مبادئ إدارة الوقت المعتادة لا تبدو كافية، فالإنترنت مليء بالمقالات السريعة المعنونة، والتي تعطي النصائح عن كيفية توفير الوقت للقراءة، مثل: “اترك مشاهدة التلفاز”، أو “احمل معك كتابـًا دائمـًا أينما ذهبت”، لكن أثبتت تلك الطرق التقليدية فشلها معي في أن أستطيع توفير تلك الثلاثين دقيقة التي أفرُغ فيها للقراءة. فقط حاول أن تجلس كي تقرأ، وسوف تنهال عليك الأفكار المتعلقة بالعمل من كل حدب وصوب، أو سوف تشعر بالإجهاد الشديد فيصبح الكتاب الذي يتطلب منك جهدًا ذهنيـًا هو آخر شيء تحتاج إليه الآن.

ويكتب باركس: أن عقول البشر في العصر الحديث “تتوق إلى التواصل مع الآخرين على نحوٍ قهريّ … فلا يصبح الأمر ببساطة أن شخصـًا ما تتم مقاطعته وهو يفعل شيئـًا، بل إن الشخص نفسه يميل في الحقيقة إلى أن يقاطعه شيء”، والقراءة العميقة لا تتطلب الوقت فحسب، بل تتطلب ذلك النوع الخاص من الوقت الذي لا تستطيع الحصول عليه لمجرد كونك شخصـًا أكثر فعالية.

في الواقع، “أن تصبح أكثر فعالية” هو جزء أصيل من المشكلة؛ لأن التفكير في الوقت على أنه أحد الموارد التي يجب أن نستغلها لأقصى درجة ممكنة يجعلنا نتعامل مع الوقت بشكل أليف يصبح معيارنا لقضاء وقتـ مفيد على أنه ما يقربنا من أهدافنا.

أما الانغماس في القراءة فعكس ذلك تمامـًا؛ لأنه يقتضي بأن تكون على استعداد بالمجازفة بالشعور بعدم الفعالية، وبعدم وجود هدف، بل بإهدار الوقت أيضـاً، فلتحاول مرة أن تـُدرج القراءة في قائمة مهامك اليومية، لن تستطيع إلا القراءة الهادفة التي تتعلق بمجال عملك أو دراستك، والتي هي مفيدة أحيانـًا، لكنها ليست بالضرورة الأكثر إرضاء لك.

ويقول جاري إيبيرل في كتابه “الوقت المقدس”Sacred Time“: إن “المستقبل يأتي إلينا مثل الزجاجات الفارغة على سير ماكينة الكاشير، والذي لا يتوقف أبدًا، بل يبدو أنه لا ينتهي”.

ويضيف إيبيرل: “إننا نشعر بالضغط الشديد كي نملأ تلك الزجاجات ذات الأحجام المختلفة (أيام، وساعات، ودقائق) حين تمر علينا، لأنها إن مرت دون أن نملأها بمهام أنجزناها نكون بذلك قد أضعناها وأهدرناها”. ولا توجد عقلية أسوأ من تلك فيما يخص انغماسك في القراءة ونسيان نفسك فيها.

إذن فما الذي يجدي نفعـًا؟ ربما نندهش عندما نعرف أن تخصيص أوقات مقدسة للقراءة يمكن أن يكون حلاً، لكنك قد تظن أن ذلك الأمر قد يحفز العقلية التي تقتضي الفعالية؛ لكن في الحقيقة يشير إيبيرل أن تلك الطقوس تساعدنا على أن “نطأ بأقدامنا لنخرج من دائرة تدفق الوقت” كي ندخل إلى “وقت الروح” (يمكنك أن تستخدم المكان أيضـًا كجزء من طقوس القراءة، فتقرأ مثلاً على نفس الكرسي أو على نفس المقعد بالحديقة). كما تستطيع أن تقلل من قدر التشتت بأن تقرأ في الكتب المطبوعة أو في الأجهزة المختصة بالقراءة فقط*.

أما فكرة “أن تحمل معك كتابـًا دائمـًا أينما ذهبت” يمكن أن تجدي نفعـًا فقط إذا استطعت أن تنغمس في القراءة لوقت كاف، حتى تصبح القراءة هي دائمـًا حالتك الافتراضية، والتي تخرج منها من حين لآخر؛ كي تباشر أعمالك، ثم تعود للقراءة مجدداً. ثم في يوم من الأيام سوف تشعر أنك لا تحاول “إيجاد الوقت للقراءة” بل إنك تقرأ فقط، وتحاول إيجاد الوقت لكل الأشياء الأخرى في حياتك.

* أجهزة مثل كيندل، وليس الآي- باد أو اللاب توب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات