لماذا يحاول بعض الناس إظهار الحب والود الشديدين مع الآخرين، حتى الغرباء؟ ربما يكون أحد أهدافهم ترك انطباع جيد عنهم لدى الآخرين، لكن هناك من يقومون بأفعال المودة والحب؛ فقط من أجل أن يعجب بهم الآخرون، ويبادلونهم الإعجاب نفسه، فما السبب في ذلك؟

هذا هو الموضوع الذي ناقشته الكاتبة كاري روم في مقال لها نشره ملحق «ذا كت» التابع لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية. تقول الكاتبة في مستهل مقالها: «منذ عدة أسابيع اتصلت بمنسقة زهور، لم تكن مكالمة لافتة للنظر؛ سألت بعض الأسئلة عن باقات الزهور، وقطع الديكور التي توضع على الطاولات، وهي أجابتني، وأنا بدوري دونت – بإخلاص – كل ما قالته في مستند «جوجل» بعنوان «أغراض الزفاف»، وهو الملف الذي أضيف له أشياء باستمرار».

تقول كاري إن ما يجعلها تتذكر هذه المكالمة بوضوح، ويجعلها تتوتر وتشعر بشيء من الحرج كلما تذكرتها، أن المكالمة لم تكن بها ما يدعو للتذكر بالأساس! كانت مكالمة عادية، والصوت على الجهة الأخرى كان مريحًا ومهنيًا ومحايدًا. وتصف كاري الأمر بأنه «منطقي، فهي كانت مكالمة عمل، وأنا أمثل لها عميلًا محتملًا».

اقرأ أيضًا: مترجم: كيف تصبحان زوجين سعيدين في عصر الفردانيّة؟

تقول الكاتبة: الأمر «العادي» عادة ما يجعلها تشعر ببعض التوتر والإحباط. تقول: «الأمر ليس (رهاب الهاتف) بالضبط، لكنني فقط أفضل المكالمات التي أشعر بعدها أنني والطرف الآخر حدث بيننا ترابط ما، إنه الشعور الذي يجعلني أعرف أننا إذا جمعنا أي سياق آخر، فقد نصبح أصدقاء». تقول كاري: «إن أحدهم قد يخبرك أن مهنة تنظيم حفلات الزواج هي مهنة مرهقة عاطفيًا، لكن لا أحد يخبرك أنها أكثر من مرهقة بمراحل، إذا كان لديك هذا الاحتياج العميق الذي لا يتزعزع بأن تكون محبوبًا من كل شخص تصادفه».

ما يراه أحدهم أنه «ثقة في النفس»، قد يراه آخرون «جُبنًا»، كما أن الصراحة قد تكون مفيدة فعلًا، أو تكون وقاحة، حتى القدرة على إطلاق النكات المضحكة، قد يقدرها البعض ويعتبرونها موهبة، فيما يراها آخرون شيئًا مزعجًا.

ترى كاري أن الأمر مرهق جدًا، وتقول: «أنا لا أتحدث هنا عن رئيسك أو زميلك في العمل؛ لأن هذا منطقي، فأنت إلى درجة ما تكون مهتمًا بأن تعرف قدر إعجابهم بك. أنا أتحدث هنا عن أناس غرباء كلية، أشخاص سأقابلهم مرة، ثم على الأغلب لن أراهم، أو أتفاعل معهم مرة أخرى». وتتساءل كاري، لماذا يعد ذلك أمرًا ملحًا إلى هذا الحد؟ وتعتقد أن هذا الشعور ربما هو أحد السمات المميزة للشخصية العصابية، أو أنه أحد أنواع القلق الاجتماعي، وهو ما تشير الإحصاءات أن 7% من البالغين في الولايات المتحدة يعانون منه.

«أنا أعرف – من خلال حديثي مع أصدقاء – أنني لست الوحيدة التي تعاني من هذه المشكلة»، تؤكد كاري أن هناك الكثير يعانون من الأمر ذاته، قائلة: «هناك الكثير من الناس الذين يأتيهم هذا الشعور الرديء، حينما يبدون غير مقبولين في نظر موظفين خدمة العملاء، أو سائقي الأجرة، أو غرباء يقفون خلفهم في طابور البقالة».

تحاول الكاتبة صياغة المشكلة وتلخيصها، فتقول: «المشكلة حينما يقول أحدهم: (فقط أخبر نفسك أنه من غير المهم أن يحبك كل هؤلاء الناس)، إنها نصيحة – بكل صراحة – بلهاء»، وتتابع: «بالطبع أنا أعرف على مستوى عقلاني أن ذلك لا يؤثر على حياتي بشكل أو بآخر، أن يحبني هذا الشخص الغريب أو يكرهني، ومع ذلك فأنا لا أكف عن الحاجة إلى ذلك».

لذلك – تتابع كاري – انتقلت إلى إيجابيات الأمر، وفيما يلي نصائح مهمة ومفيدة يوجهها أخصائيون نفسيون لتساعدك على الاهتمام – بصورة أقل – بإعجاب وحب الناس لك:

1. فكر في نفسك على أنك بقعة حبر!

تتحدث الكاتبة عن تجربة علمية تسمى «اختبار رورشاخ» – وهي عبارة عن أنماط مرسومة ببقع الحبر، ويطلب منك في الاختبار النظر إلى هذه الأشكال والحديث عما يمكن أن تراه في هذه البقع التي تبدو لك عشوائية.

وتنقل كاري عن الأخصائي النفسي روجر كوفين – مؤلف كتاب بعنوان «الحاجة لتكون محبوبًا» – الذي كان يخبر مرضاه بتخيل أنفسهم، بدلًا عن بقع الحبر على الصفحة، وأوضح كوفين: «الصورة التي يرى المرء عليها نفسه تكون معبرة عنه أكثر من تلك البقع الحبرية، والشيء ذاته صحيح فيما يخص العلاقات الشخصية».

نموذج لرسوم الحبر المستخدمة في اختبار رورشاخ

يضيف كوفين: «السمات الشخصية التي تجعلك محببًا لدى شخص تكون هي نفسها السمات التي تجعلك غير محبوب لدى شخص آخر»، وتعلق الكاتبة على حديث كوفين، فترى أن ما يراه أحدهم على أنها ثقة في النفس، قد يراها آخرون أنها جُبن، كما أن الصراحة قد تكون مفيدة فعلًا، أو تكون وقاحة، حتى القدرة على إطلاق النكات المضحكة قد يقدرها البعض، ويعتبرونها موهبة، فيما يراها آخرون شيئًا مزعجًا.

تقول كاري: «إن الصورة التي يراك بها الناس تكون معبرة في الأساس عن رؤيتهم لأنفسهم، كبقع حبر على تلك الصفحة البيضاء. في عام 2009 صدرت دراسة بعنوان «أن تكون محبوبًا يعني أكثر من امتلاك شخصية جيدة»، قام فريق البحث في هذه الدراسة بالسيطرة على بعض الصفات التي يكون الأشخاص بدونها أكثر إثارة للإعجاب – غير ودودين أو لديهم صعوبة في تقبل الآخرين – ووجد الفريق أن المتطوعين في الدراسة قالوا إن أكثر المشاركين الذين أثاروا إعجابهم كانوا هؤلاء الذين يشبهونهم».

وكان الأمر صحيحًا جدًا، خصوصًا مع هؤلاء الذين لديهم سمات شخصية «غير مرغوبة»؛ إذ لاحظ القائمون على الدراسة أنه كلما كان الموضوع المطروح أكثر عصبية وجلبًا للخصام، كان المتطوعون أكثر ميلًا لأصحاب تلك السمات الشخصية، التي تشبههم. وتعلق الكاتبة: «المتشابهون يتجاذبون، أو لنكن أكثر دقة: الشبيه يعجب بشبيهه. فأنت يمكنك أن تتحكم في الجانب الذي يخصك من محادثة ما، لكنك لن تستطيع التحكم في شخصية وتفضيلات الطرف الآخر».

اقرأ أيضًا: جسم الأب يتغير في فترة الحمل! ماذا تعرف عن «بيولوجيا الآباء»؟

2. ضع في اعتبارك كل الأشياء التي لا تعلمها

تنقل الكاتبة عن الأخصائي كوفين، إذ يقول إنه، وبعيدًا عن الشخصية، فإن هناك الكثير من العوامل الأخرى – كبيرة وصغيرة، عابرة وثابتة – يمكنها التأثير على شعور أحدهم تجاهك في وقت ما، ويضيف كوفين: «للناس تواريخ حياتهم الخاصة بهم، حتى وضعهم المزاجي في تلك اللحظة»، وتعلق كاري قائلة: «أحدهم ربما مر بيوم سيئ في العمل، أو أسبوع سيئ في المنزل، أو أنهم يشعرون بالتشتت؛ بسبب قائمة مهامهم المزدحمة، ويرغبون في صرف تركيزهم إليها».

وتضيف: «كل ما سبق هي عوامل خارجة عن سيطرتك، وعلى الأغلب أنت لا تعلمها بالأساس، ومع ذلك، وبالرغم من أن هذه العوامل تؤثر على طريقة رد فعل أحدهم تجاهك، إلّا أنها عوامل لا تخصك. أحيانًا يكون من المريح أن تذكِّر نفسك بأنك لست على هذه الدرجة من الأهمية».

يقول كوفين: «حتى إن كان أحدهم يشعر بالجوع والآخر لا، فإن ذلك يؤثر على رؤية كل منهما لك»، فأنت ربما تكون الشخصية الأكثر سحرًا على الكوكب، لكن هناك حلًا وحيدًا للجوع، وهذا الحل ليس أنت بالتأكيد!

3. حدد تحيزاتك

يتحدث الأخصائيون النفسيون أحيانًا عما يسمى «انحرافات إدراكية» أو «تشوهات معرفية»، وهو مصطلح علمي يشير إلى أنماط التفكير غير العقلانية أو المبالغ فيها. واحد من هذه الأنماط – يوضح كوفين – يدعى «قراءة الأفكار»، ويعني أن تفترض خطأً أن أي شخص تقابله لديه أفكار سلبية عنك.

صورة تحوي رموزًا تعبر عن معظم الأمراض النفسية

أمثلة أخرى: «شخصنة الأمور»، أي أن تعتبر أي موقف موقفًا شخصيًا يدور حولك، بعكس الحقيقة، وأيضًا «التشاؤم» إلى الحد الذي يجعلك تفترض أن أسوأ سيناريو، هو الذي سيحدث في كل الأحوال. يقول كوفين: إن الناس في معظم الأوقات يرتكبون هذه «الانحرافات الإدراكية» دون وعي منهم، «إنها تحدث لهم أوتوماتيكيًا؛ ما يولِّد لديهم الكثير من القلق».

تقول كاري: إن المفتاح لتخطي تلك الانحرافات الإدراكية، هو في البداية اكتشاف أي هذه الانحرافات يطابق حالتك، فالعمل على الانحراف الإدراكي لديك هو بالأساس عملية اكتشاف واختبار، لذلك اسأل نفسك: ما هي الافتراضات التي تضعها عن نفسك، وعن الآخرين، وعن ظروفك؟ ما هي الأشياء التي تأخذها على أنها منحة أبدية، فيما أنها ليست كذلك؟ إلى أي مدى تكون أحكامك عادلة؟ وتستطرد كاري: انتبه إلى أين يذهب عقلك قبل، وأثناء، وبعد المحادثات، ثم كن صريحًا مع نفسك حول أي شيء قد يكون حرّف تصورك عن موضوع المحادثة.

اقرأ أيضًا: مترجم: نسب صادمة للاكتئاب والانتحار.. هل دمرت الهواتف الذكية جيلًا كاملًا؟

4. تذكر الفرق بين السلبي والمحايد

عمومًا، الناس يكونون سيئين للغاية عند التعامل مع الغموض؛ ما يعني أنه إذا صدر عن شخص ما ردود فعل قد تنطوي على تفسيرين، إما أن تكون ودودة للغاية، أو عدوانية علنية، فإن معظمنا سيكون من الصعب عليه فهم القصد الدقيق من ذلك.

تنقل الكاتبة عن أوزلم عيدوق، أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا، الذي يدرس العلاقات الشخصية، قوله: «إنني لا أعرف هل هناك بالفعل نقطة محايدة على مقياس الإعجاب في التجارب اليومية»، فيما تعلق كاري: «إن هذا بدوره يعني أن عددًا من المواقف واللقاءات الحيادية ينتهي بنا المطاف إلى تفسيرها على أنها سلبية. وهو صحيح جدًا، خصوصًا مع هؤلاء الذين لديهم حساسية الرفض»، وهو الميل إلى افتراض أن الآخرين سيرفضونهم، ويبدأ القلق يتملكهم إزاء هذه الفكرة.

عدد من المواقف واللقاءات الحيادية ينتهي بنا المطاف إلى تفسيرها على أنها سلبية

يقول عيدوق إنه إذا لم يكن هناك أدلة قاطعة «فإن ما تستند إليه هو رؤيتك أنت للعالم. فإذا كانت رؤيتي للعالم، أن الناس تميل لرفضي، فإنني إذا رأيت أحدهم، وكان مشغولًا في عمل ما، فإنني أفسر الأمر على أنه يتظاهر بكتابة رسالة على هاتفه؛ حتى يتحاشى تبادل النظرات معي».

حساسية الرفض ليست نفسها الاحتياج لتكون محبوبًا، إذ إنك تشعر بذلك مع أشخاص لديك معهم علاقات بالفعل، أو تسعى إلى علاقات معهم، والعكس مع الغرباء – لكن – مع ذلك – الأمرين مرتبطان ببعضهما بشكل وثيق. وكما هو الحال مع «الانحرافات الإدراكية»، فإن هذه الحالة أيضًا تتطلب منك معرفة بالذات قوية: فاكتشاف فهمك الخاطئ للعالم هو الخطوة الأولى نحو تصحيح هذا الفهم.

ومن هنا – يقول عيدوق – فإن «تقنيات العلاج السلوكي المعرفي الكلاسيكي يمكنها أن تقلل القلق حول الرفض المحتمل: يمكنك أن تتعلم إعادة تفسير سلوكيات الآخرين، كما يمكنك أن تتحدى فرضياتك وتوقعاتك».

5. أخبر نفسك أن الاحتمالات غالبًا ضدك

تخبرنا الكاتبة عن خدعة أخرى: يحب الأخصائي كوفين أن يستخدمها مع مرضاه، فهو يطلب منهم أن يضعوا أنفسهم في سياق الكوكب، فيقول: «تخيل أنك تستطيع قضاء أسبوع تتفاعل فيه مع 7 مليار شخص على الكوكب. فكم نسبة الناس الذين سيقولون عنك أنك في العموم شخصًا جديرًا بالإعجاب؟»

ومن هنا، إذا حدد أحدهم نسبة مرتفعة للغاية أو منخفضة للغاية، فيبدأ الأخصائي بالعمل معهم؛ ليجعلهم يصلوا إلى توقعات واقعية، وبالنسبة إلى الناس الذين يحددون نسبة واقعية بالفعل؛ يعتبر ذلك التمرين بمثابة تذكير بسيط لهم بأن مقابلة أشخاص لا يعجبون بنا هي حقيقة لا مفر منها في الحياة.

تخيل أنك تستطيع قضاء أسبوع تتفاعل فيه مع 7 مليار شخص على الكوكب. فكم نسبة الناس الذين سيقولون عنك أنك في العموم شخصًا جديرًا بالإعجاب؟

تضرب الكاتبة مثالًا: إذ يحدد كوفين نسبته الخاصة، ويقدرها بـ70%؛ «ما يعني أن هناك 30% من الناس لن يحبوني، و30% من أصل 7 مليار يعني 2.1 مليار». يضيف كوفين: «هذا عدد كبير من الناس، إذا ذهبت لشراء طعام من مطعم، أو طلبته في السيارة، فإنني سأتفاعل مع أشخاص إذا قدر لهم أن يعرفوني أكثر، فربما لن يحبونني. إنهم في كل مكان. يجب أن تجد في نفسك مكانًا لتقبل ذلك».

تختتم الكاتبة كاري روم مقالها فتقول: «أن تخبر نفسك بأن ذلك غير مهم، هي نصيحة غير مفيدة، لكن ربما أن تخبر نفسك بأن الاحتمالات ستكون ضدك في الغالب، فهذا قد ينفعك: فأنت ستكون غير محبوب من قبل أشخاص، الكثير من الأشخاص، وهذا لا يعني أنك تستطيع أن تفعل شيئًا حيال ذلك، فقط امتص هذه المواقف، وامضِ إلى المكالمة التالية مع أحدهم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد