في تقريرٍ نشره موقع شبكة بلومبرج الأمريكية، ألقى المحلل السياسي الأمريكي كريستيان بيرثليسن الضوء على التعاملات الخفية والطرق التي استخدمتها إيران وتركيا للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على الأولى التي كشف عنها الشاهد الرئيسي في القضية التي تولى التحقيق فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي).

قلقًا ومتجهمًا، دخل الشاهد الرئيسي لدى «إف بي آي» من مكان الاحتجاز إلى قاعة المحكمة مرتديًا رداء السجن ذا اللون البني الفاتح، يروي بيرثليسن. اتخذ تاجر الذهب التركي-الإيراني مقعدًا في منصة الشهود في جلسة الاستماع التي عقدت في التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في اليوم الثاني لسماع الشهادات في قضية غسيل أموال والتهرب من عقوبات رفعتها الحكومة الأمريكية. عندما طلب منه ذكر اسمه أجاب: رضا ضراب.

منذ وقتٍ ليس بالطويل، يتابع بيرثليسن، كانت حياة ضراب قد تناسب وصف شرير أحد أفلام جيمس بوند، حيث كان يتجول حول إسطنبول مع زوجته مغنية البوب في سيارات من طراز إستون مارتن ورينج روفر، ويسافر على طائراتٍ خاصة، ويلهو حول بحر إيجة باستخدام السترة النفاثة والغواصة الخاصتين به. كان ضراب يحب حمل مسدس مطلي بالذهب ويحتفظ به بمكتبه في أبراج ترامب بإسطنبول.

اقرأ أيضًا: عمليات «غسيل الأموال» سياسة إيرانية للالتفاف على العقوبات

انتهى كل ذلك في مارس (آذار) 2016، عندما ألقى عملاء «إف بي آي» القبض عليه عقب وصوله إلى ميامي في إجازةٍ سيقضيها في عالم ديزني. على مدار الأشهر الثمانية عشر التالية، كان ضراب المتهم الرئيسي في قضية تتهمه وآخرين بالتآمر لغسيل حوالي مليار دولار من خلال بنوك في الولايات المتحدة لمساعدة إيران على التهرب من العقوبات المتعلقة ببرنامجها النووي.

وكّل ضراب فريقًا من 16 محاميًا من أفضل شركات المحاماة الأمريكية. عقب الانتخابات الرئاسية لعام 2016، ضم ضراب إلى فريقه اثنين من المقربين لدونالد ترامب، هما عمدة نيويورك السابق رودي جيولياني والنائب العام الأمريكي السابق الجنرال مايكل موكاسي، والذي حاول عقد صفقة لإطلاق سراحه تتضمن مبادلة مساجين. لكن تلك الجهود باءت بالفشل، قبل أن يختفي ضراب في سبتمبر (أيلول).

كيف تغسل مليار دولار من أموال النفط الخاضعة للعقوبات خارج تركيا؟

في شهادته، قدم رضا ضراب للمحققين مخططًا يمثل ما كان يقوم به خطوة بخطوة:

1. إيران تبيع النفط لتركيا. لكن إيران لا تستطيع استلام أموال تركيا بسبب العقوبات الدولية.

2. تودع تركيا المال في حسابٍ تملكه شركة النفط الوطنية الإيرانية ببنك هالكبنك التركي.

3. يبدأ دور ضراب عندما ينقل المال من حساب شركة النفط الوطنية الإيرانية إلى آخر تابع لبنك سرمايه الإيراني.

4. ينقل هالكبنك المال من حساب سرمايه إلى آخر تملكه إحدى شركات ضراب.

5. يستخدم ضراب المال لشراء الذهب في تركيا. يعبئ ضراب حقيبة سفر بالذهب ويعطيها إلى ناقلٍ يقوم بتوصليها، والذي يصطحبها على متن طائرة، وتسدد مدفوعات لصالح إيران.

6. في استمارات الجمارك، يتم كتابة أن الذهب متجه إلى إيران، لكن حامله يهبط في دبي.

7. يستلم ضراب الذهب من خلال مكتبٍ في دبي.

8. ضراب يبيع الذهب في دبي مقابل أموال بالعملة المحلية، الدرهم.

9. يسلم ضراب الأموال لشركة نقل أموال في دبي تدعى رستماني للصرافة، إلى جانب إرشادات دفع وضعتها إيران.

10. تستخدم رستماني الأموال لتسديد مدفوعات نيابةً عن إيران والقيام بتحويلات بالدولار عبر حسابات لدى بنوك في الولايات المتحدة.

باقي القصة

لأسابيع، كان محل إقامة ضراب لغزًا. قالت سجلات السجن إنه تم إطلاق سراحه، بينما أشارت أوراق المحكمة إلى أنه لم يعد مشتركًا في الدفاع في القضية. فقط عند ظهوره في المحكمة في التاسع والعشرين من نوفمبر خرجت إلى السطح القصة كاملة. قام «إف بي آي» بنقله من السجن لحمايته من التهديدات وتأمينه في مكانٍ غير معلن. بحلول ذلك الوقت، كان ضراب قد أُدينَ سرًا بجميع التهم الموجهة إليه ووافق على مساعدة الحكومة الأمريكية. كجزءٍ من الصفقة، وفر المدعون الحماية له ولأسرته.

على مدار أكثر من أسبوع من على منصة الشهود، روى ضراب قصة مذهلة عن الفساد والمخادعة اللذيْن وصلا إلى أعلى مستويات الحكومة التركية، وصولًا إلى الرئيس رجب طيب أردوغان. أدت القضية إلى المزيد من التوتر في العلاقات بين واشنطن وأنقرة والتي كانت متوترة بالفعل، حيث كشفت عن الكيفية التي قد تكون دولة لطالما كانت حليفة للولايات المتحدة ساعدت بها إيران على تقويض العلاقات في الوقت نفسه الذي كانت تتلقى فيه تركيا ملايين الدولارات من المعونات الأمريكية.

صحف تركية تظهر عليها صورة رضا ضراب في الصفحة الأولى.

وُجِّهتْ اتهامات إلى تسعة أشخاص، من بينهم وزير الاقتصاد التركي السابق والمدير التنفيذي السابق لهالكبنك، وهو بنك كبير تمتلكه الحكومة التركية. من بين هؤلاء، يخضع واحد فقط – وهو مسؤول كبير بهالكبنك يدعى محمد هاكان أتيلا – للمحاكمة، بينما أفلت الآخرون من إلقاء القبض عليهم من قِبل الولايات المتحدة.

في المحكمة، شرح ضراب كيف دفع عشرات الملايين من الدولارات رشاوى لمسؤولين في الحكومة والبنوك التركية للحصول على مساعدتهم – وتغطيتهم – لعملية غسيل الأموال. ألقى ضراب بقنبلة في اليوم الثاني لشهادته، عندما اتهم أردوغان بالتورط في المخطط، قائلًا إنه تم إخباره بأن الرئيس التركي قد أصدر أوامر بضم بنكين إلى المخطط.

اقرأ أيضًا: «فورين بوليسي»: بعد مصر وتركيا.. الدولة العميقة تظهر في أمريكا

انتقل ضراب، نجل أحد أقطاب الحديد الإيرانيين، إلى تركيا طفلًا صغيرًا وبدأ العديد من المشروعات في مراهقته. أصبح مجال عمله الرئيسي هو تحويل الأموال وتبديل العملات وتجارة الذهب. في عام 2005، أصبح ضراب مواطنًا تركيًا. في تلك الأثناء، كان والده أحد أفراد فريقٍ شكَّله الرئيس الإيراني المنتخب حديثًا حينذاك محمود أحمدي نجاد للمساعدة في الالتفاف حول العقوبات الأمريكية، والتي فرضت ردًا على سعي نجاد المحموم إلى امتلاك برنامجٍ نووي. ادعت إيران أن البرنامج للأغراض السلمية، لكن في عام 2011 قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها لا يمكنها استبعاد نية عسكرية.

قاد ذلك الولايات المتحدة، إلى جانب الأمم المتحدة، إلى فرض عقوباتٍ أقسى عام 2012 لعزل البنوك الإيرانية عن النظام المالي العالمي وحظر وصولها إلى عوائد مبيعات النفط والغاز. دخل الاقتصاد الإيراني في فترة ركود، وارتفع التضخم بشدة متجاوزًا عشرة بالمئة. ورغم استمرار إيران في بيع النفط، إلا أن المتحصلات بدأت تتراكم في بنوك لا تستطيع الوصول إليها.

بحلول عام 2012، كان لدى إيران مليارات الدولارات واليوروهات في بنوكٍ في تركيا والصين والهند وإيطاليا واليابان. مع تشديد العقوبات، شهد ضراب بأنه علم بأن البنك المركزي الإيراني وشركة النفط الوطنية يبحثان عن طرقٍ للوصول إلى أموالهم.

حسب المدعين، صمم ضراب بدءًا من عام 2012 مخططًا لنقل الأموال الإيرانية في تركيا إلى حسابات شركته هناك ثم تصديرها على هيئة ذهب إلى دبي. من هناك، كانت تُوجَّه إلى النظام المالي العالمي وتُستخدَم في تسديد مدفوعات لهيئات تحددها إيران، أحيانًا من خلال بنوك في نيويورك. فيما بعد صمم ضراب مخططاتٍ شبيهة للوصول إلى الأموال الإيرانية في بلدانٍ أخرى، بدرجاتٍ متفاوتة من النجاح.

اقرأ أيضًا: مترجم: الحرب الباردة تشتعل بين السعودية وإيران.. فهل تتحول إلى مواجهة عسكرية؟

في ذروة نجاحه، يقول ضراب إنه كان يستخدم ما يصل إلى 15 ناقلًا في اليوم لنقل أكثر من 450 كيلوجرامًا من الذهب في وقتٍ واحد. في وقتٍ لاحق، عندما أطاحت جولة جديدة من العقوبات بخيار الذهب، صمم ضراب نظامًا يصور الأموال على أنها شحنات من الغذاء لمهمات إنسانية، رغم عدم إرسال أي غذاء.

قال ضراب إنه استطاع على مدى أربعة أعوام إخراج مليارات إيران بالكامل تقريبًا من تركيا والمزيد من الهند والصين وإيطاليا. شهد ضراب بأنه كان يحصل على ما بين أربعة إلى خمسة دولارات عمولةً على كل ألف دولار يقوم بنقلها، ليحصل على ما يصل إلى 150 مليون دولار لنفسه، دفع بعضها، قال ضراب، رشًا ورسومًا بنكية. ارتاب مسؤولون بوزارة الخزانة الأمريكية ببعض تحويلات ضراب في عامي 2012 و2014 إلى هالكبنك في تركيا لتحذير البنك من القيام بعمليات لصالح إيران.

بينما كان المخطط ناجحًا في المجمل، إلا أنه كان قد بدأ ينكشف بالفعل. في يومٍ غائب في أواخر عام 2012، اضطرت طائرة تحمل إحدى شحنات ضراب على نحو غير متوقع إلى الهبوط في إسطنبول لإعادة التزود بالوقود. وجد ضباط الجمارك أكثر من طن من الذهب غير المقيد بالسجلات في مخزن الطائرة.

أسفر التحقيق الذي أعقب ذلك عن مقدارٍ كبير من التسجيلات الصوتية وتسجيلات الرسائل النصية ومواد أخرى. هاجمت السلطات منزل المدير التنفيذي لهالكبنك سليمان أصلان ووجدت 4.5 مليون دولار نقدًا في علب أحذية. ألقت الشرطة التركية القبض على ضراب في 2013.

لكن لم يطل الوقت حتى أغلق أردوغان القضية، حيث فصل بل وسجن ضباط الشرطة والمدعين الذين كانوا يحققون بها. أُطلِق سراح ضراب وعاد العمل بالمخطط، لكن دوره باعتباره مصرفي إيران المكلف بالتعامل مع العالم قد اجتذب الآن انتباه مكتب التحقيقات الفيدرالي، والذي بدأ تحقيقه الخاص. بحلول عام 2015، أصبح لدى المحققين الفيدراليين ما يكفي من الأدلة للحصول على حكمٍ بإدانة ضراب في نيويورك.

ذكر المدعون مراتٍ عديدة ذكر فيها ضراب اسم أردوغان في تعزيزٍ لمخطط غسيل الأموال، بما في ذلك محادثات مسجلة أخبر فيها أشخاصًا بأنه شرح المخطط بالكامل لأردوغان. في إحدى المحادثات عام 2013، قال ضراب: «حتى إذا قمنا بنقل مليارين، فإن ذلك مهم. هل تفهم؟ مهم بالنسبة لي، من وجهة رئيس الوزراء، لأنني سأذهب إليه مباشرةً» (كان أردوغان رئيسًا للوزراء بين عامي 2003 و2014). ذكر المدعون تبرعات وجهها ضراب إلى جمعياتٍ خيرية مرتبطة بعائلة أردوغان.

رغم جهود ضراب، إلا أن العقوبات كان لها أثرها المقصود. لم يطل الوقت حتى جلست إيران إلى طاولة المفاوضات لمناقشة تعديل برنامجها النووي. عقدت إيران اتفاقًا في يوليو 2015، حيث رُفِعت العقوبات بدايةً من يناير 2016. بحلول ذلك الوقت، كان مسار ملحمة ضراب قد رسم بالفعل. في يومه الثاني على منصة الشهود، تحركت إدارة أردوغان لمصادرة ممتلكاته في تركيا. وفي خطابٍ في الثلاثين من نوفمبر، عقب اتهام ضراب له بالتورط، قال أردوغان: «لم نقم بكسر أي حظر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد