تريد أن تكون مديرًا ناجحًا، وتريد أن تكون شركتك مكانًا رائعًا للعمل، ولكن هناك احتمالًا كبيرًا أنّ أحد أهم موظفيك يفكر في الاستقالة، وعلى وشك أن يترك العمل في أية لحظة.

استمر هذا الموظف في تقديم أفضل المستويات في عمله بشكل مستمر، كما نما ليصبح واحدًا من العناصر الثمينة والمركزية في العمل، لكن تعلّمه وصل إلى ذروته، ونموه توقف، وهو بحاجة إلى تحدٍ جديد يعيد نشاطه. وأنت بصفتك مديره تريد أن تترك كل شيء كما هو، ففي النهاية إنتاجيته بأعلى مستوياتها على الإطلاق، ويسلّم عمله دائمًا في وقته المحدد، وبأفضل شكل، لهذا السبب بالضبط تريد أن تبقيه تمامًا حيث هو، لكنها طريقة ممتازة لخسارته للأبد.

هكذا بدأت الكاتبة ويتني جونس، المؤلفة الرائدة في مجال الابتكار المؤسساتي والمعترف بها كواحدة من أهم 50 مفكرًا في الأعمال بالعالم، مقالها الذي نشرته على موقع مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو». تصف الكاتبة حالها قبل أكثر من عقد من الزمن عبر القصة التي ذكرتها في بداية المقال، فبعد ثماني سنوات من العمل كمحللة أسهم حائزة على العديد من الجوائز في شركة «ميريل لينش» (Merrill Lynch) الأمريكية، شعرت الكاتبة بالحاجة إلى تحدٍ جديد.

تذكر الكاتبة أنها لطالما شعرت بالرغبة في العمل مع الناس في مجالات التدريب والتوجيه، وفي يوم من الأيام توجهت إلى أحد كبار المدراء التنفيذيين لأخذ رأيه في فكرة التحويل إلى مجال الإدارة، وبدلًا عن أن يقدم دعمه، رفض الفكرة وقام بتثبيطها، كأنه يقول لها من خلال هذا الموقف: «نحن نفضلك في مكانك هذا». تركت الكاتبة عملها في ذات السنة.

السر يكمن في فهم «منحنى التعلم»

تصف الكاتبة قصتها بأنها سيناريو يتكرر في الكثير من الشركات وبشكل يومي، وأن الثمن كان كبيرًا من حيث الوقت والمال في حالتها، وأنها لو استمرت في العمل وانسلخت ذهنيًا عنه، لكان الثمن أكبر بكثير، فعندما يتوقف الناس عن التقدم في وظائفهم، يبدأون بإهمال الأعمال المطلوبة منهم، وينحدر مستوى العمل؛ مما يؤدي إلى فروقات ضخمة في الإنتاجية.

حسب شركة «جالوب» الأمريكية والمتخصصة في تقديم استشارات إدارية، فإن الانخفاض في تفاعل الموظف «يدل على قدر هائل من الإمكانات الضائعة، إذا أخذنا بالاعتبار قاعدة بيانات جالوب للشركات بناء على نسبة تفاعل الموظفين، فإن الشركات التي صنفت في الربع الأول من القائمة تتمتع بإنتاجية أعلى بنسبة 17%، وربح أعلى بنسبة 21% من الشركات المصنفة في الربع الأخير».

ومع ذلك، يبقى تفاعل الموظفين عرضًا من أعراض المشكلة. عندما لا يسمح للموظفين (والمدراء كذلك) بالنمو، فسيبدأون بالشعور بالتهميش، وإذا لم يستثمر فيهم أحد، فهم بدورهم لن يستثمروا في العمل، فحتى إن لم يتركوا العمل، فسيفقدون الحضور الذهني.

فكيف نحل هذا اللغز؟ يبدأ حل الكاتبة باستيعاب أن كل شخص في الشركة، ومنهم المدراء، يمرون بمنحنى للتعلم، وهذا المنحنى يعني أن كل دور له مدة صلاحية، فعندما يبدأ شخص ما وظيفة جديدة، فهو في أدنى نقطة على منحنى التعلم، ويرافق ذلك الكثير من التحديات الواجب تخطيها في الأيام الأولى، ويستمر في النمو والتحرك إلى أعلى المنحنى، مكتسبًا الثقة والكفاءة في طريقه، وحتى يصل إلى مستوى عالٍ من العطاء، ومن ثم الإتقان التام في قمة المنحنى.

ولكن ما الذي يحصل عندما نصل إلى قمة المنحنى وتنتهي المساحة المتاحة للاستمرار في التقدم؟ يستوي منحنى التعلم، ويتحول إلى شكل يشبه الهضبة، يقع على الجهة الأخرى منه انسحاب وتدنٍ في مستوى العمل. تقدّر الكاتبة أن أقصى مدة للوصول إلى قمة منحنى التعلم عند معظم الناس وفي معظم الوظائف هي أربع سنوات، وإذا استمر الموظف في ممارسة نفس الوظيفة لمدة أطول من ذلك، فسيبدأ في الشعور بالسطحية تجاه العمل.

من عازفة بيانو إلى خبيرة مالية حائزة على العديد من الجوائز

تضرب الكاتبة مثالًا من مسيرتها المهنية، وتذكر أنها انتقلت إلى مدينة نيويورك مع درجة جامعية في الموسيقى، كانت عازفة بيانو وعاشقة لموسيقى الجاز، ولكن سريعًا ما انبهرت بوول ستريت، المكان الذي كان الجميع يتمنى العمل به في نهاية الثمانينات.

استطاعت الكاتبة تأمين وظيفة سكرتيرة في إحدى الشركات المالية، وانخرطت في مدرسة ليلية للتعلم عن الاستثمار. ساعدها مديرها أن تقفز من موظفة في فريق الدعم إلى وظيفة مصرفية استثمارية بعد مرور بضعة سنوات. كانت فرصة بعيدة المنال، وفرصة جديدة ومثيرة، تطلبت رعاية ودعم المدير. قفزت مرة أخرى بعدها بسنوات؛ لتصبح محللة أسهم، وتتدرج في منحنى التعلم، حتى حققت تصنيفًا على (Institutional Investor) لعدة سنوات متتالية.

تستكمل الكاتبة قائلة: إنها شعرت بالسعادة عندما كانت سكرتيرة في وول ستريت، كما كانت سعيدة عندما أصبحت مصرفية استثمارية، وأحبت كذلك كونها محللة أسهم، واستطاعت التقدم والوصول إلى الإتقان الكامل في جميع الأعمال، على الرغم من أنها بدأت كل وظيفة من هذه الوظائف في أدنى نقطة من منحنى التعلم الخاص بها. لكنها كانت تصل في النهاية إلى شعور بالملل تجاه كل وظيفة، وتبدأ في البحث عن تحديات جديدة تقفز إليها.

«الدماغ البشري مصمم ليتعلم طوال الحياة وليس في المدرسة فقط»

يمر معظمنا بتجارب مشابهة؛ عقولنا تريد التعلم بشكل مستمر، وتمنحنا شعورًا بالسعادة عندما نتعلم، أما عندما نتوقف عن التعلم، فيكون الشعور الممنوح مغايرًا، فالدماغ البشري مصمم ليتعلم على مدار الحياة، وليس فقط أثناء الطفولة وسنوات الدراسة. عندما نتعلم ترتفع مستويات النشاط في الدماغ؛ مما ينتج كميات من المواد الكيميائية التي تمنحنا شعورًا بالسعادة، وتعلق الكاتبة قائلة: كم سيتحسن أداء المدراء لو استطاعوا تذكّر ذلك.

تتكون كل مؤسسة من مجموعة من الناس على منحنيات تعلم مختلفة، ولبناء فريق النخبة؛ فعلى المدراء تحسين هذه المنحنيات الفردية عبر جمع مزيج من الناس: 15% منهم على القسم الأدنى من المنحنى، ويتعلمون مهارات جديدة؛ 70% في الموضع الأمثل للتفاعل والعطاء؛ و15% منهم على قمة المنحنى في مستوى الإتقان الكامل. إذا استطاعت الإدارة دفع الموظفين نحو قمة منحنى التعلم، وقامت بتوجيههم نحو منحنيات تعلم جديدة عند وصولهم القمم، فسينتهي بهم المطاف في شركة مليئة بموظفين مرتفعي التفاعل والمشاركة.

تختم الكاتبة مقالها بأن كل شخص في كل فريق هو آلة للتعلّم، وأن كل شخص يريد ذلك التحدي: أن لا يعرف كيف يقوم بعمل شيء ما، ومن ثم يتعلمه ويصل به إلى مرحلة الإتقان، ومن ثم ينتقل إلى تعلّم شيء جديد. وتقدم أخيرًا النصيحة التالية للمدراء: بدلًا عن ترك محركات موظفيك خاملة، حفزّها على: التعلّم، القفز، والتكرار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد