ما الذي يمكننا فعله لمساعدة أطفالنا في تنمية الاستقلالية، والجدارة، والارتباطية الضرورية لدوافعهم الذاتية؟

في مقالها المنشور على موقع «واشنطن بوست» تصف «آنا همايون» حياة الأطفال والمراهقين في عصرنا هذا، لاسيما في ضوء التحديات التي تواجههم، بأنهم يخوضون في هذا العمر غمار تجربة معقدة، وفترة صعبة المراس من اكتشاف الذات والتطور والنمو في كثير من الأحيان؛ فهم يهتمون بالغ الاهتمام بهويتهم، وفهم ذواتهم، إلا أن كثيرًا مما يواجهونه ويمرون به قد يُعيق ثقتهم بأنفسهم، وقدرتهم على اتخاذ خيارات آمنة وصحية.

لذا تؤكد أن دورنا كآباء ومعلمين ومربيين يتجلى في مساعدتهم في تطوير تلك المهارات، إلا أن الأسلوب الأمثل لتحقيق الفاعلية المطلوبة، لا يكون واضحًا في كثير من الأحيان، ربما يكون من المغري استخدام المكافآت، أو التهديدات، أو حتى الترهيب لتحفيز الأطفال، إلا أن سنوات من البحث والدراسة قد خلصت إلى أنه على الرغم من احتمال نجاح هذا الأسلوب على المدى القصير، فإنه عادةً ما يأتي بنتائج عكسية على صعيد تطوير الدوافع الجوهرية التي يحتاجها الأطفال لاتخاذ الخيارات الصحيحة.

مترجم: قبل بلوغ طفلك سن الخامسة.. 4 أخطاء تربوية عليكِ تجنبها

وتضيف أن نظرية «تقرير المصير» لعالمي النفس «إدوارد ديسي»، و«ريتشارد ريان» تبحث في دوافع الناس في اتخاذ قراراتهم واختياراتهم، إذ تفترض النظرية أن البشر فضوليون بفطرتهم للتعلم وتطوير معارفهم، وتعتبر النظرية أن الاستقلالية (الشعور بالسيطرة على عملية اكتساب المعرفة)، والجدارة (القدرة على التعامل مع المهام الصعبة)، والارتباطية (الشعور بمفهوم الانتماء) لبنات أساسية لتطوير الدوافع الداخلية لفعل الشيء المناسب.

فما الذي يمكننا فعله لمساعدة أطفالنا في تنمية الاستقلالية، والجدارة، والارتباطية الضرورية لدوافعهم الذاتية إذًا، سواء كان ذلك داخل أو خارج الغرف الدراسية؟ إليكم خمس استراتيجيات رئيسة لتحقيق هذا الهدف.

الخيارات المُتاحة

من الأفضل منح المراهقين الفرصة لاختيار طريقة قضائهم أوقاتهم على الإنترنت، ومساعدتهم في تنمية شعور أقوى بالاستقلالية

تقول «آنا»: إن الأمر في مجمله يتعلق بالخيارات المُتاحة أمام الأطفال والمراهقين، وتعد مساعدتهم ببساطة في إدراك أن لديهم خيارات متعددة، وكيف أن طرق قضائهم لأوقاتهم، ومشاركتهم في الأنشطة غير الدراسية والتعلم منها، وأسلوب تفاعلهم في مدرستهم ومجتمعهم، يمكن أن يؤهلهم ويزيد من دوافعهم الداخلية، بل إن وجود مجموعة محدودة ومُحددة من الخيارات التي يمكن الاختيار من بينها قد يوفر شعورًا بالاستقلالية. غالبًا ما يُخطئ الآباء والمعلمون في استخدام أساليب الترهيب والعقاب كمحفزات بشكل تلقائي، من أجل اتخاذ الخيارات الصحيحة فيما يتعلق بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، ولكن على المدى الطويل من الأفضل منح الأطفال كبار السن والمراهقين الفرصة لاختيار طريقة قضائهم أوقاتهم على الإنترنت، ومساعدتهم في تنمية شعور أقوى بالاستقلالية، وبالتالي فإن الطلاب الذين يدركون ويفهمون مقاصدهم من تواجدهم على الإنترنت، وفي الحياة الواقعية، يكونون أكثر ميلًا لاتخاذ خيارات أفضل بأنفسهم.

التركيز على العادات اليومية

تشجيع الطلاب على اختيار المواد الدراسية المتناسبة مع قدراتهم، والتركيز على إرساء عادات يومية جيدة، يمنحهم الأساس الذي يحتاجونه لتنمية ثقتهم الذاتية وجدارتهم

تذكر «آنا» أن حياة الطلاب والمراهقين في غالب الأمر تدور حول العادات اليومية المرتبطة بالمدرسة وأنشطتها: كتنظيم الفروض، وإنشاء قائمة المهام، وترتيب الأولويات، والتحكم في الملهيات، والحافظة على التركيز، والعمل بتحضير مُسبق لفترات زمنية محددة. لا شك أن تعلم إدارة هذه العادات اليومية أمر بالغ الأهمية، قد يشعر طلاب المرحلة الثانوية في بعض الأحيان بالضغط عند اختيار فصول دراسية أصعب مما هو ملائم لهم، بسبب قلقهم بشأن القبول الجامعي. وعندما يحدث ذلك، تكتسب المحفزات الخارجية ومؤشرات النجاح (كالترتيب ودرجات الاختبارات على سبيل المثال) قدرًا غير متكافئ من التأثير على شعور الطالب بالجدارة. وإذا غرق الطلاب في مثل هذه الأمور، فإنهم يغفلون مقدار التحكم والاختيار الذي يمكن أن يمارسوه في عاداتهم اليومية؛ التحكم الذي يعزز الاستقلالية. علاوة على ذلك، فإن الطلاب يشعرون بالجدارة عندما يواجهون التحديات بمقدار ملائم لهم، بعكس التحديات التي تسحقهم لكونها غير ملائمة لأعمارهم، وبالتالي فإن تشجيع الطلاب على اختيار الفصول الدراسية المتناسبة مع قدراتهم، والتركيز على إرساء عادات يومية جيدة، يمنحهم الأساس الذي يحتاجونه لتنمية ثقتهم الذاتية وجدارتهم.

سعيهم وراء شغفهم واهتمامهم

تؤكد الكاتبة على أهمية إتاحة الفرصة لهم للسعي وراء شغفهم واهتمامهم، فتذكر أنها منذ عدة سنوات، التقت بصحفي أمضى وقتًا طويلًا من مسيرته المهنية في إجراء مقابلات مع الناس حول خياراتهم في العمل، وقد تبين أن هؤلاء الذين يتمتعون بمعدلات أداء عالية وحيوية في أعمالهم، قد اعتمدت حياتهم المهنية على شيء ما قد أحبوا عمله خلال مرحلة الدراسة المتوسطة أو المرحلة الثانوية. فمع إتاحة الفرصة لهم، استطاع كثير من الطلاب تحديد اهتماماتهم وقدراتهم، والتي بدورها أبرزت ميادين جدارتهم، علاوة على أن إتاحة الفرصة لهم للسعي وراء شغفهم، يساعدهم أيضًا على ربط ما تعلموه في المدرسة بالحياة خارج غرف الدراسة، وهو ما يعزز بدوره رغبتهم في تعلم المزيد، والتعمق سعيًا وراء المزيد من الخبرات، وربما شق طريقهم الخاص المؤدي إلى النجاح الذاتي والأكاديمي.

«أنت لا تفهميني».. لماذا تتدهور العلاقات أحيانًا بين الأم وابنتها؟

يواجه طلاب اليوم تحديين رئيسيين، أولهما: أن أوقاتهم في كثير من الأحيان تكون مزدحمة بالمهام، لدرجة أنه قد لا يتوفر لهم أي وقت فراغ، أو فسحة من الوقت ليتعرفوا ما الذي يُمكن الاستمتاع به، أما التحدي الثاني يكمن في أنهم يتلقون رسائل خارجية كثيرة جدًا، سواء عبر الإنترنت أو في الحياة اليومية، حول الطريقة التي يجب أن يظهروا بها، ويتصرفون وفقها، ويكونون عليها، لدرجة أن قلة منهم فقط من تتولد لديهم الثقة الكافية لاتخاذ خطوة مخالفة للمسار المحتوم، سواء في الالتحاق بالجامعة، أو النجاح المهني، من أجل استكشاف مواهبهم وقدراتهم وشغفهم.

تشجيع شبكات العلاقات الإيجابية

وجدت دراسة نُشرت في مجلة علم النفس المدرسي (School Psychology Quarterly) عام 2014، شارك فيها 1023 طالبًا في الفصل الخامس من 50 مدرسة، أن أولئك الذين كانوا يشعرون بأنهم ضحايا، أو كانوا ينظرون إلى مناخ مدرستهم العام بشكل سلبي، كانوا أكثر ميلًا للحصول على معدل درجات تراكمي أقل. أما الطلاب الذين شعروا بارتباط واهتمام أكبر بالمدرسة، كانوا أكثر ميلًا للنجاح الأكاديمي. يُستخدم مصطلح «مجموعات الارتباط» لوصف مجموعات متنوعة من الأشخاص أو الأماكن التي يشعر الشخص بالانتماء لها. إذا طبقت الفكرة على نحو مثالي، ينبغي ألا تتداخل تلك المجموعات مع بعضها البعض. قد تتضمن مجموعات الارتباط أصدقاء في فريق كرة القدم، أو الفرقة الموسيقية، أو المخيم الصيفي، أو حتى من فصل الرماية، وربما من أفراد العائلة، أو حتى من بعض المجموعات على الإنترنت.

توضح الكاتبة أن علاقات الصداقة خلال مرحلة الدراسة المتوسطة والثانوية تتميز بالمد والجذر، وقد لا يستمر تواصل الطلاب مع زملائهم دائمًا من عام لآخر. ويُعد بداية العام الدراسي فرصة عظيمة للبالغين كي يساعدوا الطلبة على توسيع نطاق مجموعات الارتباط المحتملة الخاصة بهم من خلال تحديد شبكات علاقاتهم، والتفكير في كيفية توسيع دوائرهم الاجتماعية، على سبيل المثال من خلال تقديم أنفسهم إلى أصدقاء جدد، أو مشاركة الحديث مع عدد من زملاء الفصل الجدد يتراوح من ثلاثة إلى خمسة لم يتعاملوا معهم من قبل.

وضع الأهداف

 إدراكهم أن التحكم في الملهيات المستهلكة للوقت قد يساعدهم في بذل وقت أكبر في استكشاف الاهتمامات، أو إجادة مهارات جديدة، أو الاسترخاء فحسب

ثم تنتقل الكاتبة إلى التأكيد على ضرورة إعادة التفكير في استراتيجيات وضع الأهداف، تقول إن الطلاب الذين يضعون أهدافًا خاصة بالفصل الدراسي، أو بالعام، ومن ثم يكتبون أسباب أهمية هذه الأهداف، يختبرون شعورًا بالتحكم أكثر في عملية تعليمهم، وتجدر الإشارة هنا إلى أن تشجيع الطلاب على تحديد أهدافهم الأكاديمية استنادًا إلى العادات اليومية، قد يساعدهم على الانتقال إلى ما هو أبعد من مجرد الدوافع الخارجية الشائعة مثل الدرجات، والتي تُعد محفزات قصيرة الأجل، والتركيز على الأهداف طويلة الأجل المُحفزة داخليًا، والتي تركز على التعليم الهادف. اكتشف «ديفيد ييغر»، أستاذ علم النفس بجامعة تكساس، أن الطلاب الذين لديهم هدف معين من وراء تعليمهم، ويربطون بين تعليمهم وإحداث تأثير ذو قيمة وإيجابي في العالم، يكونون أكثر تحفيزًا داخليًا للارتباط بعملية التعليم الخاصة بهم، وكذلك اكتشف «ييغر» وفريق باحثيه في دراسة منشورة في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (Personality and Social Psychology) عام 2014، أن الطلاب الذين لديهم إدراك واعٍ بالهدف، كانوا أكثر ميلًا للاهتمام بالمهام اليومية التي قد تبدو ثانوية عديمة الأهمية.

خلاصة العبارة، توصي الكاتبة المربين والعلمين أن يجعلوا الأمر كله منوط بالأطفال، لابد أن يدركوا أن أمامهم خيارات يقضون فيها أوقاتهم على الإنترنت، وفي الحياة العادية، وأن التحكم في الملهيات المستهلكة للوقت قد يساعدهم في بذل وقت أكبر في استكشاف الاهتمامات، أو إجادة مهارات جديدة، أو الاسترخاء فحسب. تكمن الفكرة الأساسية في مساعدتهم في أن يشعروا بالقدرة على إحداث تغييرات بأنفسهم، والذي يُعد ركنًا أساسيًا من التحفيز الداخلي، ولا شك أن العالم كله قد يستفيد من جيل من الأطفال والمراهقين المحفزين داخليًا.

 مترجم: كيف تعلم طفلك مواجهة الشعور بالإحباط؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد