يجب على الأوروبيين التحرك الآن لمنع نشوب حرب جديدة فتاكة تجتاح الشرق الأوسط.

نشر موقع «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» تقريرًا، كتبه «جوليان بارنز دايسي» تعقيبًا على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة الموقعة بين إيران، ومجموعة الخمس زائد واحد حول برنامج إيران النووي، أو ما يعرف بالاتفاق النووي الإيراني، وعلاقته بتطورات الوضع في الشرق الأوسط لا سيما الهجوم الإيراني على إسرائيل في الجولان المحتل مطلع الأسبوع الجاري.

يذكر الكاتب أن الهجمات الصاروخية الإيرانية االتي أُطلقت حينها من الأراضي السورية باتجاه الجولان التي تسيطر عليها إسرائيل، وما تبعها من رد إسرائيلي عنيف، تسلط الضوء على مدى خطورة توقيت انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني، واحتمال الانهيار الكامل للاتفاقية، ووفق ما جاء في التقرير فإن تحركات كثيرة اتُخِذَت بسبب مخاطر انتشار الأسلحة النووية المترتبة على إنهاء الاتفاقية، فعلى سبيل المثال صرحت المملكة العربية السعودية قبل أيام أنها ستسعى للتسلح النووي إذا ما أعادت إيران أنشطتها النووية، إلا أن من ناحية؛ يعد انهيار الاتفاقية بمثابة تغذية لحرب أوسع في الصراع الإقليمي، مهددًا باحتمال وقوع آثار مدمرة على نطاق أوسع.

ويضيف الكاتب أن في الوقت الذي يتطلع فيه الأوروبيون إلى إجراءات من شأنها ضمان بقاء خطة العمل الشاملة المشتركة قيد الحياة، أو كما تقول «إيلي جيرامايه» -إحدى زميلات الكاتب في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية- سيتطلب بقاؤها موقفًا أوروبيًّا أكثر حزمًا مما هو عليه الآن، إذ يجب على الأوروبيين أن يكونوا أكثر تجاوبًا مع تصاعد المخاطر الإقليمية المتسارعة بكثافة، ومن ناحية أخرى، تعتقد بعض الجهات الفاعلة المهمة أن انهيار الاتفاق النووي هو بمثابة نقطة انطلاق نحو صراع أوسع، ويجب عكس هذا الشعور، وكذلك مسارات الأحداث المتكشِّفة قبل سقوط المنطقة برمتها في أتون صراع ومواجهة على نطاق أوسع بين الدول.

تصعيد إيران ضد إسرائيل

إلا أن الكاتب يؤكد أن من ناحية أخرى، لم تكن هجمات إيران مطلع الأسبوع مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بمصير الاتفاق النووي، إذ دخلت إسرائيل وإيران في لعبة مهلكة عبر الحرب في سوريا خلال الأشهر الأخيرة، وتعتبر إسرائيل موقف إيران المستحكم في سوريا هو التهديد الاستراتيجي الرئيسي الذي تواجهه، لا سيما مع اقتران قوتها بقوة حزب الله الذي تدعمه في الأراضي اللبنانية المجاورة لها.

وأضاف التقرير أن إسرائيل تنظر إلى البلدين –سوريا ولبنان- باعتبارهما جبهة شمالية واحدة، فضلًا عن أنها سعت إلى فرض سلسلة من الخطوط الحمراء التي تهدف إلى مواجهة ذلك التهديد، وجدير بالذكر أن من بين التدابير التي لجأت لها إسرائيل: الحيلولة دون إقامة أي بنية عسكرية إيرانية دائمة في سوريا، وإعاقة أي تواجد عسكري إيراني على حدودها المباشرة، وكذلك منع نقل كفاءات وقدرات الصواريخ المحسنة إلى حزب الله، بيد أن خلال الأشهر الأخيرة، صعدت إسرائيل من استهدافها المباشر للأصول الإيرانية، وكذلك العناصر الإيرانية في جميع أنحاء سوريا.

وعلى الرغم من تأكيد الكاتب عدم وجود ارتباط مباشر بين قرار ترامب، والهجمات الإيرانية، لا تعد هذه الديناميكية الإقليمية منفصلة عن التطورات على الجبهة النووية. يأتي قرار دونالد ترامب في إطار حملة مكثفة من جانب الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين الرئيسيين -إسرائيل والسعودية- للضغط على إيران بشكل مكثف، وجزء من هذا، فإن فريق ترامب، بقيادة مستشار الأمن القومي، جون بولتون، يتبنى بشكل متزايد أجندة لمتابعة تغيير النظام، مع اعتبار إنهاء الصفقة النووية خطوة أولى ضرورية في هذا الاتجاه.

في حين أن الرئيس ترامب على الأرجح سيظل حذرًا بشأن التزام الولايات المتحدة مباشرة بهذه الحرب، فإن كل من إسرائيل والسعودية تعتقدان بلا شك أن الخطوات الأخيرة تمثل بداية تقويض الدعم الأمريكي الكامل. وقد تعهد ترامب علانية الآن بكفالة عدم إنتاج إيران سلاحًا نوويًّا. بيد أن بدون الحماية التي توفرها خطة العمل الشاملة المشتركة، فإن من المرجح أن يصير شبح التدخل العسكري مرة أخرى سحابة مظلمة تخيم فوق المنطقة.

وعلى الجانب الآخر، يشير التقرير إلى أن إيران تعتبر الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي ليس إلا أحد عناصر «حزمة ضغط» أوسع موجهة ضدها، وبالتالي سيشكل هذا الفهم تحركاتها، لا سيما أن إقدام إيران على توجيه ضربة لإسرائيل لم يأت إلا بعد قرار ترامب بشأن الاتفاق النووي، لم يأتِ من فراغ. ويقول التقرير إن على نطاق أوسع، من المؤكد أن طهران ستسعى إلى فرض موقف حازما خاص بها، ردًّا على الضغط المتزايد، وقد يمتد موقفها إلى أبعد من المسرح السوري نظرًا إلى الترابط المتزايد للصراعات الإقليمية، بما في ذلك صلة طهران بحركة الحوثيين في اليمن، المسؤولة عن سلسلة من الهجمات الصاروخية في المملكة العربية السعودية.

ضرورة التدخل الأوروبي

حسب ما ذكره الكاتب في التقرير المنشور على موقع «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية»، فإن الأوروبيين نأوا بأنفسهم لفترة طويلة عن المسرح الإقليمي في الشرق الأوسط، وهم الآن في أمس الحاجة إلى التيقظ لهذا الوضع. فبينما يستجيبون لقرار ترامب، عليهم مقاومة الرغبة في ربط الضغط الأوروبي المتزايد ضد إيران على الجبهة الإقليمية بتنازلات ترامب المتبقية التي تهدف إلى إنقاذ خطة العمل المشتركة، حتى دون استمرار المشاركة الأمريكية، إلا أن هذا النهج محكوم عليه بالفشل ولن يؤدي إلا إلى تغذية التصعيد المتزايد.

ويختتم الكاتب التقرير بأن الموقع سينشر في الأسبوع المقبل تقريرًا جديدًا واسع النطاق، يدرس الديناميكيات الإقليمية والمناطق التي يجب أن يلعب فيها الأوروبيون دورًا أكثر نشاطًا، للحيلولة دون نشوب حرب إقليمية فتاكة جديدة، مع تأكيد ضرورة أن تكون الأولوية الآنية هي الدفع في اتجاه تقليل احتمالات التصعيد بين إيران وإسرائيل قبل فوات الأوان، وعلى الرغم من أنه يبدو جليًا أن الولايات المتحدة لن تلعب هذا الدور، فضلًا عن ضعف يد الأوروبيين في هذا الشأن، يذكر التقرير بعض التحركات التي ينبغي لهم على الأقل اتباعها الآن:

1. التعجيل بالمحادثات الإقليمية التي أطلقت مؤخرًا مع إيران على وجه السرعة، ما يحرك النقاش لما هو أبعد من قضية اليمن باعتبارها القضية الرئيسية الآن.

2. الانخراط في مشاورات سريعة وبشكل أعمق مع إسرائيل وروسيا على حد السواء، باعتبار الأخيرة أحد الأطراف القليلة الفاعلة على الأرض، فضلًا عن علاقتها الوسيطة بين الأطراف الرئيسية.

3. دفع القضية إلى الصدارة على أجندة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

4. وبالطبع بذل كل ما بوسعها لإنقاذ الاتفاق النووي، دون تكبيله بمواصفات وتصاميم خطيرة تهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك