نشر موقع «ساينتِفِك أميريكان» تقريرًا مطولًا يستعرض أهم خلاصات الأبحاث والدراسات على الأطفال العباقرة، سواء كان بكيفية اكتشافهم عن طريق الاختبارات كالسات أو دعمهم في برامج كـ«ستيم» (برنامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات)، أو من خلال برنامج البحث عن النوابغ الكامنة في أعلى 1% من المسجلين في اختبار السات – برنامج SMPY.

بالتطرق لموضوع الذكاء وبرامج الكشف عن المواهب والعباقرة، نحن بصدد مجموعة أسئلة حيوية منها: هل تصنيف الأطفال بأنهم عباقرة أو لا في صالح أي منهم، أم أنه ينعكس على كليهما إما بالتكاسل أو الشعور بالانهزامية والإحباط؟ وهل التركيز على اكتشاف المواهب تسبَّبَ في إهمال الطلاب غير الموهوبين؟ وهل يستدعي ذلك وقفها وكذلك وقف التصنيف وتكريس الجهود للطلاب الضعاف؟ وكذلك تساؤل هل الطفل الموهوب هو من يجتاز اختبار السات ليصبح من بين أعلى 1%؟ وهل يهمل ذلك الذكاءات الأخرى كالقدرة المكانية التي أظهرت عددٌ من الدراسات أن الأطفال ذوي القدرة المكانية العالية يصبحون غالبًا من المهندسين والأطباء المتميزين؟

يقول الكاتب إنه في صيف عام 1968، التقى الأستاذ جوليان ستانلي طفلًا ذا 12 عامًا عبقريًا ولكنه «مضجَرًا» يدعى جوزيف بيتس. كان جوزيف في مدرسة بالتيمور متقدمًا بفارقٍ كبيرٍ عن زملائه في الرياضيات، الأمر الذي دفع والديه لاتخاذ التدابير اللازمة كي يلتحق بدورة في علوم الكمبيوتر في جامعة جونز هوبكنز، حيث كان يدرس ستانلي، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا. فبعد أن تخطى مستوى الطلاب الكبار في صفه، بقي الطفل مشغولًا بتدريس لغة البرمجة FPRTRAN- لطلاب الدراسات العليا.

قام مدرس الكمبيوتر بتقديم الطفل لستانلي بعد أن كان في حيرةٍ من أمره. ستانلي هو باحث معروف جيدًا في مجال القياس النفسي – دراسة الأداء الإدراكي. ليكتشف ستانلي المزيد عن موهبة الشاب المعجزة، أعطاه مجموعة من الاختبارات التي شملت «امتحان القبول بالجامعات»، والذي عادة يقوم به الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 16- 18 سنة في نظام الولايات المتحدة.

كانت نتيجة بيتس أعلى بكثير من حد القبول في جامعة جونز هوبكنز، ودفعت ستانلي للبحث عن مدرسة ثانوية محلية تسمح للطفل أن يدرس مستويات متقدمة من الرياضيات والعلوم. وعندما فشلت تلك الخطة، استطاع ستانلي إقناع عميد جامعة جونز هوبكنز بالسماح لبيتس أن يلتحق بالجامعة.

منهجية دفن العقول

يشير ستانلي في «دراسة النضج الرياضي للشباب SMPY» إلى بيتس «بالطالب صفر» كنوع من »الإعجاب» به، جدير بالذكر أن الدراسة من شأنها إحداث نقلة في نظام التعليم الأمريكي من خلال دعم الأطفال الموهوبين. تعد الدراسة (SMPY) أطول دراسة طولية تجري حاليًا للأطفال الموهوبين فكريًا، وتمكنت خلال 45 عامًا أن تتبع العمل المهني والإنجازات التي قام بها ما يزيد على 5000 فرد، صار أغلبهم علماء متميزين بالفعل. قدمت قاعدة بيانات تلك الدراسة – التي لم تتوقف بعد – أكثر من 400 ورقة بحثية بالإضافة إلى العديد من الكتب، كما قدمت مفاتيح رئيسية في كيفية اكتشاف وتطوير المواهب في العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الرياضيات وغيرها.

تقول تلميذة ستانلي «كاميلا بينبو» التي تشغل الآن منصب عميد كلية التربية والتنمية البشرية بجامعة فاندربيلت في ناشفيل، تينيسي «ما أراد جوليان معرفته هو كيفية العثور على الأطفال ذوي القدرات الفائقة فيما نسميه الآن ستيم، وكيف يمكننا زيادة فرص وصولهم لذلك القدر من التميز». إلا أن ستانلي لم يشغل نفسه بدراسة الطلاب النابغين فقط، بل أراد تغذية عقولهم وزيادة فرصهم في تغيير العالم. وكان شعاره الذي قاله لطلابه في الدراسات العليا، «كفى منهجية دفن العقول».

نجد أن أول دفعة اجتازت البرنامج يعيشون الآن ذروة حياتهم المهنية، وصار جليًا مقدار تأثير الموهوبين وتصدرهم المراكز الأولى في المجتمع عن غيرهم، العديد من الذين يبتكرون ويطورون العلوم والتكنولوجيا والثقافة هم بالأساس من ذوي القدرات العقلية المعرفية الفريدة الذين اكتُشِفَت قدراتهم وتلقوا الدعم منذ نعومة أظفارهم، من خلال برامج إثرائية مثل «مركز الشباب الموهوب» بجامعة جونز هوبكنز، حيث بدأ «ستانلي» مشواره العلمي أستاذًا مساعدًا عام 1980.

في البداية، كانت كل من الدراسة والمركز متاحيْن للمراهقين الشباب من بين أعلى 1% من المتقدمين لامتحانات التسجيل بالجامعة. كان «تيرينس تاو» و«لينارد إن جي» – النابغان في الرياضيات – من بين أعلى 1%، وكذلك «مارك زوكربيرج» مؤسس فيسبوك، وأيضًا سيرجي برين مؤسس جوجل، والموسيقية «ستيفاني جيرمانوتا» (ليدي جاجا)؛ جميعهم اجتازوا اختبارات مركز هوبكنز.

تيرنس تاو مع والده

يقول «جوناثان واي»، وهو طبيب نفساني يعمل في برنامج جامعة ديوك لتحديد المواهب في دورهام بولاية نورث كارولينا، والتي تتعاون مع مركز هوبكنز: «شئنا أم أبينا، يتحكم هؤلاء الناس في مجتمعنا بالفعل». جمع «واي» بيانات من 11 دراسة استباقية وطولية ارتجاعية (بأثر رجعي) كي يوضح العلاقة المتبادلة بين القدرة المعرفية المبكرة وإنجاز البالغين، فحسب قوله «يميل الأطفال لدينا الذين أحرزوا أعلى 1% أن يصبحوا علماء وأكاديميين بارزين، وكذلك ثروتنا من 500 مدير تنفيذي، وقضاة فيدراليين، وأعضاء مجلس الشيوخ ومليارديرات».

«إن انصباب التركيز على التنبؤ بمن سوف يصل للقمة، يضعنا في مواجهة مخاطر إهمال العديد من الأطفال الذين لم يأخذوا ذلك الاختبار».

تتناقض هذه النتائج مع الأفكار الراسخة بأن الأداء المبتكر يعتمد كليًا على التدريب – وأن أي شخص يمكن أن يصل للقمة عن طريق بذل جهد كاف في المجال المقصود. على النقيض تمامًا، توضح الدراسة أن القدرة المعرفية المبكرة لها دور مؤثر في إنجازات الشخص بنسبة تفوق بكثير تأثير أية تدريبات معينة أو حتى أي عوامل بيئية مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي. أكدت الدراسة على أهمية التنمية المبكرة للأطفال الموهوبين، في الوقت الذي كان فيه الاهتمام بتحسين أداء الطلاب الضعاف هو السائد في الولايات المتحدة وبلدان أخرى. في نفس الوقت، أثار العمل على تحديد الطلاب الموهوبين أكاديميًا ودعمهم تساؤلات مقلقة حول مخاطر تصنيف الأطفال، بالإضافة إلى النواقص التي وجدت في الأبحاث ونماذج الاختبارات الموحدة التي تستخدم كوسيلة لتحديد الأطفال المميزين، خاصة في المناطق الفقيرة والريفية.

تقول «دونا ماثيوز» – طبيبة نفسية تنموية في تورونتو، كندا، شاركت في تأسيس مركز التربية ودراسات الموهوبين في كلية هنتر، في مدينة نيويورك – إن انصباب التركيز على التنبؤ بمن سوف يصل للقمة «يضعنا في مواجهة مخاطر إهمال العديد من الأطفال الذين لم يأخذوا ذلك الاختبار»، وتضيف أن إطلاق مسمى أطفال موهوبين أم غير موهوبين لا ينفع أيًّا منهم كثيرًا، «ففي كلتا الحالتين يمكن أن يثبط ذلك دافعية الطفل للتعلم».

تمهيد الدراسة

في يوم مليء بالرطوبة في شهر أغسطس (آب)، وبينما تسير «بينبو» وزوجها «ديفيد لوبينسكي» عالم النفس عبر باحة جامعة فاندربيلت، يصف لها زوجها أصول الاختبار. كانت «بينبو» طالبة دراسات عليا في جامعة جونز هوبكنز عندما التقت «ستانلي» مُدرِّسًا لها عام 1976، كما شاركت في إدارة الدراسة منذ تقاعد «ستانلي»، وجلبتها إلى فاندربيلت في عام 1998.

تقول «بينبو» وهي تدنو من مختبر علم النفس في الجامعة إن هذا هو المكان الذي تمَّم بحث جوليان؛ «فهنا بدأ حياته المهنية أستاذًا». يعد المكان هو البناء الأول المختص بدراسة ذلك المجال في الولايات المتحدة، إذ بني في عام 1915، ويضم مجموعة صغيرة من الآلات الحاسبة العتيقة وأدوات علم النفس الكمي التي تعود لبدايات عام 1950 حينما بدأ ستانلي عمله الأكاديمي في القياس النفسي والإحصاء.

أثارت غيرته الدراسات الوراثية للعبقرية لـ«لويس تيرمان» – أحد أهم وأشهر الأبحاث الطولية في علم النفس – فدفعته للاهتمام بتطوير المواهب العلمية. بداية من عام 1921، اختار «تيرمان» المراهقين للدراسة، على أساس درجات معدل الذكاء العالية، ثم تعقب حياتهم المهنية وشجعهم. ولكن ما أثار استياءه أنها لم تنتج سوى عدد قليل من العلماء المبجلين. وكان من بين الذين رفضوا – لأن معدل ذكائهم 129 كان منخفضًا جدًا – «وليام شوكلي» الفائز بجائزة نوبل المشارك في اختراع الترانزستور، وأيضًا الفيزيائي «لويس ألفاريز» الحائز على جائزة نوبل أخرى.

«لا يمثل الذكاء كل الاختلافات بين الناس؛ فالدوافع والعوامل الشخصية، واجتهادك في العمل وعوامل أخرى أيضًا مهمة».

ظن «ستانلي» أن «تيرمان» لم يكن ليفوت «شوكلي» و«الفاريز» إذا كان لديه وسيلة موثوقة يعتمد عليها في الاختبار وتحديدًا اختبار القدرة على التفكير الكمي، لذلك قرر تجربة اختبار الكفاءة الدراسية (ببساطة المعروف الآن باختبار السات). وعلى الرغم من أن الهدف من الاختبار الطلاب الأكبر سنًا، افترض ستانلي أنه سيكون مناسبًا تمامًا لقياس قدرات التفكير التحليلي للطلاب النخبة الأصغر سنًا.

وفي مارس (آذار) 1972، وصل الطلاب الأذكياء لدى «ستانلي» إلى 450 تتراوح أعمارهم بين 14 و12 سنة من منطقة بالتيمور، وقُدِمَ لهم جزء الرياضيات من اختبار السات، كان هذا أول اختبار أكاديمي موحد للبحث عن المواهب (في وقت لاحق، تضمن الاختبار الجزء اللفظي والتقييمات الأخرى).

يقول «دانيال كيتنغ» عالم النفس التنموي – الذي كان حينها طالب دكتوراه في جامعة جونز هوبكنز – «كانت أول مفاجأة كبيرة كيف أن كثيرًا من المراهقين تمكنوا من حل مسائل رياضية لم تصادفهم من قبل في المقررات الدراسية»، مضيفًا أن «المفاجأة الثانية كانت عدد الأطفال الصغار الذين سجلوا درجات أعلى بكثير من حد القبول في جامعات النخبة».

لم يتصور «ستانلي» أن برنامج دراسةSMPY سيستمر دراسةً طوليةً عدة عقود. ولكن بعد أول مسح متابعة، بعد خمس سنوات، اقترحت «بينبو» تمديد الدراسة لتتبع المراهقين موضوع الدراسة خلال حياتهم، مع إضافة مجموعات جديدة وتضمين تقييم الاهتمامات والتفضيلات والإنجازات في الحياة المهنية وغيرها. تراوحت الأفواج الأربعة الأولى في الدراسة بين الحاصلين على أعلى 3% و0.01% في اختبار السات SAT. وأضاف فريق
البرنامج – SMPY – الفوج الخامس من أبرز طلاب الدراسات العليا في مجالات الرياضيات والعلوم في عام 1992، وذلك لاختبار إمكانية تعميم نموذج موهبة البحث لتحديد الإمكانات العلمية.

يقول «كريستوف بيرليث» طبيب نفساني في جامعة روستوك في ألمانيا، المتخصص في دراسة الذكاء وتنمية الموهبة «لا أعرف أي دراسة أخرى في العالم مدتنا بمثل تلك النظرة الشاملة على كيف ولماذا تحديدًا تتطور مواهب برنامج STEM».

المهارات المكانية

وبينما تتدفق البيانات، سرعان ما أصبح واضحًا أن نهج «نموذج واحد يناسب الجميع» في تعليم الموهوبين والتعليم بشكل عام، غير ملائم بالمرة. تقول «رينا سوبوتنيك» التي تدير مركز سياسة تعليم الموهوبين في مؤسسة علم النفس الأمريكية في واشنطن العاصمة، إن دراسة SMPY «أعطتنا أول عينة كبيرة أساسية، من أجل الابتعاد عن الذكاء العام وصولًا إلى تقييم قدرات معرفية معينة وكذلك الاهتمامات والعوامل الأخرى». بدأ ستانلي اختبار مجموعته الثانية في المهارات المكانية عام 1976، وهي عينة من 563 طفلًا بعمر الثالثة عشرة، والذين حصلوا على أعلى 5% من درجات اختبار السات، وهو اختبار قدرتهم على فهم وتذكر العلاقات المكانية بين الأشياء.

يجب أن تحتوي اختبارات القدرات المكانية على رؤية أشياء متشابهة في أوجه مختلفة، وتحديد القطاع العرضي الصحيح الذي ينتج من قطع هذا الشيء بطرق معينة، أو تقدير مستويات المياه في زجاجات متعددة الأشكال في وضع مائل. ساور «ستانلي» الفضول حول احتمالية أن القدرات المكانية يمكنها التنبؤ بالنتائج التعليمية والمهنية أفضل من قدرتها على القياس الكمي واللفظي في حد ذاتهما. وفقًا للاختبارات التي أُعدت بناءً على حدسه عند أعمار 18 و23 و33 و48، وجدت دراسة عام 2013 علاقة بين أمرين، عدد ما أنتجه الناس من براءات الاختراع، والدرجات السابقة التي حصلوا عليها في اختبارات السات واختبارات القدرات المكانية.

قدمت اختبارات السات تفسيرًا لحوالي 11% من التباين، بينما قدم اختبار القدرة المكانية نسبة إضافية تقدر بـ7.6%، وبالتالي فإن النتائج التي تتفق مع الدراسات الأخرى التي أجريت مؤخرًا، تشير إلى أن القدرة المكانية تلعب دورًا رئيسيًا في الإبداع والابتكار التقني. يعتقد «لوبنسكي» أن «الذكاء المكاني قد يكون أكبر مصدر للإمكانات البشرية معروف لكنه غير مستغل»، ويضيف أن الطلاب الذين أُعجبوا بالرياضيات جزئيًا فحسب أو بالقدرات اللفظية، ولكنهم اهتموا بشكل كبير بالقدرة المكانية، غالبًا ما يصبحون مهندسين، ومعماريين، وجراحين متميزين. ويرى أيضًا أنه على الرغم من ذلك، «لا ينظر أي من مديري القبول في الجامعات الذين أعرفهم إلى أي من ذلك، بل ويتغاضون عن التقييمات المدرسية بشكل كامل». وعلى الرغم من أن الدراسات مثل SMPY أتاحت للمعلمين القدرة على تمييز الشباب الموهوب ودعمهم، يظل الاهتمام العالمي بتلك الفئة متفاوتًا.

في الشرق الأوسط وشرق آسيا، تلقى الطلاب ذوو الأداء المتميز في الاختبار، اهتمامًا بالغًا خلال العقد الماضي، فقد قامت كوريا الجنوبية وهونج كونج وسنغافورة بفرز الأطفال الموهوبين، وتوجيه ذوي الأداء المتميز إلى البرامج الإبداعية، كما أطلقت الصين في عام 2010 الخطة الوطنية لتنمية المواهب لمدة عشر سنوات، من أجل دعم وتوجيه الطلاب المتفوقين إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والمجالات الأخرى التي يكثر الطلب عليها، بينما انحسر دعم الأبحاث والبرامج العلمية الخاصة بالأطفال الموهوبين في أوروبا، وانتقل التركيز إلى مزيد من الشمولية، فقد قررت إنجلترا عام 2010 التخلي عن الأكاديمية الوطنية للشباب المتميز والموهوب، وإعادة توجيه التمويل إلى جهود استيعاب الطلبة الفقراء في الجامعات الرائدة.

على مسار الدراسات السريع

عندما بدأ «ستانلي» عمله، كانت الفرص وقتها محدودة أمام الأطفال النابغين في الولايات المتحدة الأمريكية، لذا سعى وراء البيئات التي يمكن أن تزهر فيها المواهب اليانعة، تقول «ليندا برودي» التي درست مع «ستانلي» والآن تدير برنامجًا في جامعة جون هوبكنز الذي من شأنه التركيز على إرشاد الأطفال الموهوبين بشكل أساسي «كان من الواضح لجوليان أن تحديد القدرات ليس كافيًا؛ بل يجب تطويرها بشكلٍ كافٍ إذا كنت تنوي إبقاء تلك القدرات متألقة».

في البداية، كانت الجهود المبذولة قائمة بكل حالة على حدة، وبدأ آباء الأطفال الأذكياء يحاولون الوصول لـ«ستانلي» بعد ما سمعوا عن إنجازاته مع «بايتس»، الذي برع أكثر في الجامعة، وحصل على البكالوريوس والماجستير في عمر السابعة عشرة في علوم الكمبيوتر، وكان يحضر للدكتوراة في جامعة كورنيل، نيويورك. ولاحقًا، بعد أن صار أستاذًا جامعيًا بجامعة كارنيغي ميلون في بيتسبرغ – بنسلفانيا، أصبح رائدًا في مجال الذكاء الاصطناعي. يقول «بايتس» وهو يناهز الـ60 الآن، إنه كان خجولًا ولم يكن الضغط الاجتماعي في المدرسة الثانوية مناسبًا له. في المقابل، بالرغم من صغر سنه في الجامعة استطاع أن يتأقلم ويندمج مع المهووسين بالعلوم والكمبيوتر. ويضيف أنه يمكنه «النضج في الجانب الاجتماعي بمعدله الخاص وكذلك أيضًا في الجانب العقلي؛ فكلما كان النضج العقلي أسرع، ظل «بايتس» مهتمًا بالمحتوى والاستزادة منه».

ودعمت بيانات الدراسة على الأطفال ذوي النضج المبكر رياضيًا فكرة تسريع العملية التعليمية للطلاب سريعي التعلم من خلال إتاحة الفرصة لهم بتخطي عدد من السنوات الدراسية. وفي مقارنة بالأطفال الذين تجاوزوا إحدى السنوات الدراسية مع مجموعة ضبط من أطفال أذكياء متشابهين لكنهم لم يتجاوزوا المرحلة الدراسية، كان الأطفال الذين تخطوا السنوات أعلى بنسبة 60% من المجموعة الثانية في الحصول على درجة الدكتوراه أو براءة اختراع، فضلًا عن أن ضِعف النسبة حصلوا على الدكتوراة في مجال الرياضيات والهندسة. تعد زيادة السرعة أمرًا شائعًا في هذا النوع من الدراسات بنسبة 1 من بين كل 10000 فرقة، إذ يجعلهم تنوعهم العقلي وتحصيلهم السريع من أكثر الطلاب تحديًا وصعوبة في التدريس لهم. وتقول «لوبينسكي» إن تطوير هؤلاء الطلاب لا يتكلف سوى القليل، أو ربما لا شيء على الإطلاق؛ وبالتالي يساهم في تخفيض نفقات بعض المدارس. وتوضح ذلك بأن «هؤلاء الأطفال لا يحتاجون أي شيء مبتكر أو جديد، إنما فقط يحتاجون وصولًا لما هو متاح للطلاب في المراحل المتقدمة بالفعل».

«لا ينبغي استخدام الاختبارات الموحدة للحد من الخيارات المتاحة للطلاب، وإنما لوضع إستراتيجيات التعلم والتعليم المناسبة لقدرات الأطفال».

وعلى الرغم من أن العديد من المعلمين والآباء والأمهات لا يزالون يعتقدون بأن تسريع العملية التعليمية يؤثر بالسلب على الأطفال، وأنه سوف يضر بهم اجتماعيًا، وسيحرمهم من طفولتهم أو أنه سيخلق فجوات معرفية، أجمع الباحثون في التعليم على أن تسارع العملية التعليمية يفيد الغالبية العظمى من الأطفال الموهوبين اجتماعيًا، وعاطفيًا، أكاديميًا، ومهنيًا.

ومع ذلك، يبدو أن تخطي الصفوف الدراسية لا يعد الخيار الوحيد، إذ يقول الباحثون القائمون على اختبار الأطفال النابغين إن أبسط التدخلات في العملية التعليمية – كالتعرض لمواد صعبة كمواد الدراسة الجامعية أو مستويات متقدمة من الدورات التعليمية – له أثر ملحوظ على أولئك الأطفال. ومن بين الطلبة ذوي القدرة العالية هناك طلبة كان لديهم حظ وافر من الفرص التعليمية المتقدمة في برنامج «ستيم STEM»، واستمروا في طريقهم لنشر دراساتهم الأكاديمية، وحصلوا على المزيد من براءات الاختراع ومارسوا نشاطهم المهني بمستوى أعلى من أقرانهم الذين هم على درجة واحدة من الذكاء ولكن لم يحالفهم الحظ بنفس الفرص التي أتاحها «ستيم».

وعلى الرغم من كثرة الرؤى بشأن هذا الاختبار، فالصورة حول الموهبة والإنجاز لا تزال غير مكتملة بعد للباحثين. يقول «دوجلاس ديترمان» طبيب نفساني يدرس القدرة الإدراكية في جامعة كيس ويسترن ريزيرف في كليفلاند بولاية أوهايو «لا نعرف لماذا، ففي آخر المطاف سنجد دائمًا أشخاصًا أداؤهم جيد وآخرون أداؤهم غير جيد»، ويضيف قائلًا «لا يمثل الذكاء كل الاختلافات بين الناس؛ فالدوافع، والعوامل الشخصية، واجتهادك في العمل وعوامل أخرى أيضًا مهمة».

بعض الأفكار بشأن الدراسة أتت من دراسات ألمانية لديها منهجية مماثلة لاختبار SMPY. ففي دراسة ميونيخ الطولية للموهبة، والتي بدأت تتبع 26000 من الطلاب الموهوبين في منتصف الثمانينيات، وجد أن العوامل المعرفية كانت الأكثر توقعًا، ولكن بعض السمات الشخصية كالدوافع، والفضول، والقدرة على العمل تحت الضغط كان له تأثير محدود على الأداء، وكذلك كان للعوامل البيئية تأثيرٌ أيضًا، مثل الأسرة والمدرسة والأقران.

تساهم بيانات عمليات البحث حول المواهب الفكرية في معرفة كيفية تطوير خبرات الأشخاص في مواد معينة. وقد عمم بعض الباحثين والكتاب، ولا سيما «أندرس إريكسون» عالم النفس في جامعة ولاية فلوريدا في تالاهاسي، والكاتب «مالكوم جلادويل»؛ فكرة القدرات المبكرة لدى الأشخاص. فتجد أن وقت الممارسة المركزة للأفراد ذوي معدلات الذكاء أقل من 120 – وهو الأكثر انتشارًا – يعد أهم بكثيرٍ من القدرات الفكرية الإضافية في اكتساب الخبرات. ولكن البيانات المعتمدة من اختبار SMPY ومن برنامج مواهب جامعة «ديوك» تنقض تلك الفرضية؛ ففي دراسة نشرت هذا العام، عرضت مقارنة لنتائج الطلاب الذين يمثلون أعلى 1% من المتفوقين الذين تم اختيارهم بناء على قدراتهم الفكرية أثناء طفولتهم بتلك التي تمثل 0.01%، وجد أن المجموعة الأولى تحصل على درجات متقدمة بمعدل أكثر 25 ضعفًا عن معدل الكثافة السكانية عامةً، بالإضافة لمعدل حصول طلاب النخبة على درجة الدكتوراة 50 مرة ضعف المعدل الأساسي.

لكن هناك بعض الأعمال المثيرة للجدل. ففي أمريكا الشمالية وأوروبا، رثي بعض خبراء تنمية الطفل حال الكثير من أبحاث تنمية المواهب إذ تحرك الكثير منها الرغبة في التكهن «بمن سوف يصل إلى القمة»، وأعرب المعلمون عن تخوفهم من أسلوب تحديد وتصنيف مجموعة من التلاميذ بناء على موهبتهم.

تقول «ماثيوز» إن النتيجة المتقدمة في اختبارٍ ما «تخبرك فقط أن ذلك الشخص لديه قدرة عالية مكنته من اجتياز ذلك الاختبار في تلك الفترة من الزمن»، وأن النتيجة المتدنية في الحقيقة «لا تخبر عمليًا بأي شيء»، لأن هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تؤثر سلبًا على أداء الطلاب، بما في ذلك خلفياتهم الثقافية ومدى ارتياحهم لتلك الخطوة تجاه إجراء تلك الاختبارات بمخاطرها. وتؤكد «ماثيوز» على أن الأطفال عندما يشعرون في مراحلهم العمرية المبكرة – سواء من يحتلون مراتب متقدمة جدًا أو متدنية جدًا في إنجازاتهم – أنهم يتم تقييمهم على أساس فرص نجاحهم في المستقبل، من الممكن أن يثبط ذلك دوافعهم للتعلم، وأن يسهم في خلق ما تسميه عالمة النفس «كارول دويك» في جامعة ستانفورد «عقلية جامدة». تقول «كارول» إنه من الأفضل كثيرًا أن نشجع التنمية العقلية بطريقة يدرك بها الأطفال أن العقول والمواهب ما هما سوى نقطة انطلاق، وأنه يمكن تطوير تلك القدرات بالعمل الجاد والمخاطرات الفكرية المستمرة.

تضيف «دويك» في بحث قامت به ومجموعة زملاء لها أن تركيز الطلاب يجب أن ينصب على تحسين أدائهم بدلًا من انشغالهم بمعرفة معدل ذكائهم وسعيهم لتلقي الاستحسان عليه، وأن ينصب على الاجتهاد ليتعلموا المزيد ليصبحوا أكثر ذكاءً. وتضيف أن من يتعلموا بتلك العقلية يكن لديهم مزيد من الدافعية للتعلم في المدرسة، ويحصلوا على علامات أفضل ويحرزوا درجات أعلى.

تتفق «بينبو» مع فكرة أنه لا ينبغي استخدام الاختبارات الموحدة للحد من الخيارات المتاحة للطلاب، وإنما لوضع إستراتيجيات التعلم والتعليم المناسبة لقدرات الأطفال، والتي تتيح للطلاب في جميع المستويات بلوغ أقصى إمكاناتهم.

يخطط «لوبينسكي» و«بينيو» لإطلاق مسح منتصف العمر لمجموعة الموهوبين بنسبة (1 في كل 10000) العام القادم، مع التركيز على الإنجازات المهنية ومستوى الرضا الحياتي، وكذلك القيام بإعادة الإحصاء الخاص بعينة عام 1992 من طلاب الدراسات العليا في أعلى الجامعات في الولايات المتحدة. يمكن أن يدحض الإحصاء والدراسات المقبلة المفهوم الخاطئ الثابت من أن الأطفال الموهوبين يمكنهم النجاح بمفردهم دون الاحتياج للمساعدة.

يقول «ديفيد جيري» (عالم نفس النمو المعرفي في جامعة ميسوري – كولومبيا، والمتخصص في تعليم الرياضيات) إن المجتمع التعليمي لا يزال يقاوم تلك الرسالة، ويضيف «هناك اعتقاد عام بأن الأطفال الذين لديهم مزايا معرفية أو أي مزايا أخرى، لا ينبغي أن نعطيهم تشجيعًا إضافيًا، بل يجب أن نزيد التركيز على الأطفال ذوي الأداء المنخفض».

وعلى الرغم من أن المتخصصين في تعليم الموهوبين يبشرون بتوسيع دائرة خيارات تنمية المواهب في الولايات المتحدة، فقد اقتصرت فوائد ذلك حتى الآن على الطلاب الذين هم على رأس منحنى الموهبة والمنحنى الاقتصادي الاجتماعي.

يقول «لوبينسكي» إن العلماء في الولايات المتحدة الأمريكية يستطيعون «تحديد هؤلاء الأطفال، ومعرفة جيدًا كيفية مساعدتهم»، إلا أنهم لا يزالون يفقدون الكثير من الأطفال الأذكى في البلاد.

وبينما تسير «بينبو» في باحة الكلية، تدق الساعة منتصف النهار، مفرجة عن أعداد من المراهقين المتحمسين للسباق نحو قاعة الطعام. يشارك الكثير منهم سواء في برامج «فاندربيلت للشباب الموهوب» أو«دورات تنموية في الصيف» والتي يقضي فيها الطلاب الموهوبون ثلاثة أسابيع يكرسون أنفسهم لدراسة الرياضيات، أو العلوم أو الآداب، يلتهمون فيها ما يعادل سنة دراسية، بينما يشارك البعض الآخر في معسكر «فاندربيلت الرياضي».

ويقول «لوبينسكي» – المصارع السابق في المدرسة الثانوية وكذلك في الجامعة – «هم فقط يصقلون مواهب عدة، لكن مجتمعنا كان أكثر تشجيعًا للمواهب الرياضية فيما مضى عن الوقت الحالي؛ الآن يشجع المواهب الفكرية».

ومع ذلك، فهؤلاء الطلاب الموهوبون «عباقرة العالم في الرياضيات»، يمكنهم أن يشكلوا المستقبل. يقول «لوبينسكي» إننا عندما ننظر في القضايا التي تواجه المجتمع الأمريكي الآن، سواء كانت قضايا الرعاية الصحية، أو تغير المناخ، أو الإرهاب، أو الطاقة؛ فإن هؤلاء الأطفال ذوي الإمكانات العالية هم الأقدر على حل مثل تلك القضايا، مختتمًا بتعقيب «سنفلح إن راهنَّا على هؤلاء الأطفال».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد