لا يمكن للناس القيام بعدة مهام في وقتٍ واحد جيِّدًا، وعندما يقولون أنَّ بإمكانهم ذلك فهم يخدعون أنفسهم

تُصنَع المعلومات وتنتشر أسرع ممَّا يمكن لأيٍّ منَّا استيعابه، يُقدِّر جوجل أنَّ البشر قد صنعوا معلومات في الخمسة أعوام الماضية أكثر ممَّا صنعوا في مجمل تاريخ البشرية، 300 إكسابايت من المعلومات (300,000,000,000,000,000,000). إذا دُوِّنَت كل تلك المعلومات على بطاقات حجمها 3×5، يمكن أن تلتف حصتك الخاصة منها حول الأرض مرتين، ستصل كومة البطاقات إلى ثلاثة أضعاف المسافة إلى القمر.

تستغرق وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية ورسائل تطبيق واتساب والمكالمات الهاتفية قدرًا متزايدًا من الوقت، وقوائم أعمالنا ممتلئة لدرجةٍ تجعلنا لا نأمل في القيام بكل بندٍ منها، إذًا ماذا نفعل؟ نقوم بمهام مُتعدِّدة، نتلاعب بعدة أشياء في وقت واحد، نحاول المواكبة عبر الانشغال المستمر.

ولكن يوضِّح بحث أجراه إيرل ميلر العالم بمعهد ماساتشوستش للتكنولوجيا وآخرون أنَّ القيام بمهام متعدِّدة في آن واحد لا ينجح، ببساطة لأنَّ العقل لا يعمل وفق هذه الطريقة. إذا كنتَ تذاكر كتابًا وتحاول الاستماع إلى محادثة في الوقت ذاته، فهذان مشروعان منفصلان، بدأ كلاهما واستمرَّا بواسطة دوائر مختلفة في العقل. انتبه إلى أحدهما أكثر للحظةٍ، وستنتبه أقل للآخر تلقائيًّا.

وممَّا يزيد الأمر سوءًا أنَّ تعلُّم معلومات جديدة خلال القيام بعدة مهام في وقت واحد يجعل المعلومات الجديدة تتَّجه إلى جزء خاطئ في العقل، كما أوضح روس بولدراك الأستاذ بجامعة ستانفورد. إذا ذاكر الطُلَّاب وشاهدوا التليفزيون في الوقت نفسه على سبيل المثال، فالمعلومات الخاصة بمقررهم الدراسي تذهب إلى المخطط (Striatum)، وهو منطقة في المخ مختصة بتخزين الإجراءات والمهارات الجديدة وليس تخزين الحقائق والأفكار. ودون التشتيت الناتج عن التليفزيون، ستذهب المعلومات إلى الحُصين (Hippocampus) حيث تُنظَّم وتُصنَّف ممَّا يجعل استرجاعها أسهل.

يقول ميلر: «لا يمكن للناس القيام بعدة مهام في وقتٍ واحد جيِّدًا، وعندما يقولون أنَّ بإمكانهم ذلك، فهم يخدعون أنفسهم»، واتَّضح أنَّ العقل ماهر جدًا في أمور الخداع.

وكأنَّ ما سبق لم يكُن كافيًا لمنعك من القيام بمهام متعدِّدة، يستهلك الانتقال جيئة وذهابًا بين المهام “جلوكوز”، والذي تحتاجه الأعصاب لكي تعمل على الوجه الأمثل. إذًا فبعد قضاء صباحك في التنقُّل بين مشاهدة المسلسلات على موقع نت فليكس وبين ملاحظاتك الدراسية وبين الفيديوهات اللطيفة للقطط، إذا كنت تشعر وكأنَّك لا تستطيع التركيز والانتهاء من شيء ما، فهذا لأنَّك قد استنزفت الموارد العصبية التي تحتاجها لكي تظل نشِطًا ومُركِّزًا.

إنَّ الطُلَّاب الذين يقومون بمهمة واحدة على حدة، وينغمسون في شيء واحد، يتذكَّرون دروسهم أفضل، وينجزون أكثر، ويكون عملهم عادةً أكثر إبداعًا وأعلى جودةً. ولحُسن الحظ، هناك بضع نصائح لمساعدتك على منع الحياة العصرية من التأثير عليك سلبًا.

افسح وقتًا لشرود ذهنك

يمكن للاستراحات الصحية إعادة ضبط عقلك، واسترجاع بعض الجلوكوز والعناصر الغذائية الأيضية الأخرى التي استهلكها التفكير العميق. الاستراحة الصحية هي تلك التي تسمح فيها لعقلك بالراحة وإرخاء قبضته على أفكارك.

إنَّ الأنشطة التي تحث على الشرود الذهني مثل، قراءة الأدب أو التنزُّه أو ممارسة الرياضة أو الاستماع إلى الموسيقى، هي أنشطة مقوِّية. يجد الكثير من الطُلَّاب أنَّ دورة من العمل لمدة 25 دقيقة والراحة لمدة 5 دقائق، أو حتى العمل لساعتين ثم الراحة لمدة 15 دقيقة، تزيد من الفعالية إلى الحد الذي يجعلهم يستعيدون الوقت الذي قضوه في الراحة، والأفضل من ذلك هو الغفوة لمدة 15 دقيقة.

احظر الإنترنت

إنَّ جاذبية مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت اليوم هي واحدة من أكبر الحواجز أمام التعلُّم أو المراجعة الفعَّالة، وهذا لأنَّ العقل يميل إلى السعي وراء المثيرات الجديدة، ومحاولة العثور على طريق لبذل أقل جهد. هل جلست أمام الكمبيوتر من قبل محاولًا التركيز على كتابة مقال ثم وجدت انتباهك بدأ يتشتَّت؟ ربما تتذكَّر أنَّك أردت مشاهدة فيلم ما، فتتصفَّح الإنترنت لتبحث عن مواعيد العرض، ثم تجد ثلاثة أفلام تعجبك معروضة في منطقتك، فتذهب إلى موقع روتن توميتوز لإلقاء نظرة على التقييمات، وبعد ذلك تذهب إلى فيسبوك لترى رأي أصدقائك فيها. وقبل أن تلاحظ، تكون قد مرَّت ساعتان دون أن تُنجِز أي عمل، وقد استُهلك عقلك من كل تلك المثيرات.

بدأ الطُلَّاب والعلماء والمديرون التنفيذيون يفرضون حظرًا، فيُغلِقون الإنترنت، ويُتيحون وقتًا للتركيز والاندماج بعمق فيما أمامهم، قد يحدث هذا ببساطة عبر غلق المُتصفِّح أو وقف الاتصال اللاسلكي. كما أنَّ لدى مُتصفِّح جوجل كروم الآن إضافة تسمح لك بتحديد الوقت الذي تقضيه في تصفُّح مواقع معينة، وهناك تطبيقات أخرى عديدة متاحة تساعدك على فرض الحظر.

استعِد السيطرة

إنَّ إدمان مواقع التواصل الاجتماعي وتعدُّد المهام حقيقي، إذ يرتبط بحلقةٍ من الدوبامين والإدمان والتغذية الراجعة، يسعى العقل البشري وراء الحداثة، ويكون هذا في بعض العقول أكثر منه في غيرها، والدوبامين هو مكافأة العقل على العثور عليها. يمكن التفكير في الدوبامين على أنَّه المادة الكيميائية العصبية التي تجعلك ترغب في المزيد. نجد شيئًا جديدًا كل بضع ثوان من خلال القيام بمهام متعدِّدة، ونفرز الدوبامين، الذي يجعلنا نرغب في العثور على شيء جديد، وهو ما يجعلنا نفرز الدوبامين، وهكذا، حتى نصاب بالإرهاق.

يسمح الكثيرون منَّا بمقاطعة الرسائل النصية ومواقع التواصل الاجتماعي لنا، مانحين إياها السيطرة على تحديد كيفية قضاءنا لأوقاتنا وما نُفكِّر فيه. يمكن لتغييرات بسيطة في طريقة استخدامنا للإنترنت، ولزيادة بسيطة في ضبط النفس، أن تُشكِّل الفرق بين تحكُّمك في الإنترنت وبين السماح للإنترنت بالتحكُّم فيك. لا يمكننا إبطاء تدفُّق المعلومات، ولكن يمكننا إبطاء تدخُّله في خططنا وفي أوقات المذاكرة وفي حيواتنا الاجتماعية وفي أوقات أحلام اليقظة التي تُعَد جزءًا هامًا من كَون المرء منتِجًا ومبدعًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد