أخذ الصعود المفاجئ للدولة الإسلامية الغرب على حين غرة، تمامًا كما تفاجأ الغرب بهجمات القاعدة، والاتحاد السوفيتي بصمود مجاهدي أفغانستان، في الثمانينيات.

لم تكن قلة استعداد الغرب مصادفة، ولكن نتيجة للنقطة العمياء في العقل العلماني، التي تجعله عاجزًا عن إدراك قوة الأديان الرهيبة على تحريك العالم، عندما يُستغل من قبل السياسيين. منذ النهضة العلمية الحديثة، اقتنع المفكرون بأن الإيمان قد أصبح في العناية المركزة، على وشك الموت، أو أنه على الأقل قد أصبح عديم الضرر بعد إقصائه من ميدان الحياة العامة.

لكن ذلك لم يحدث في كل مناطق العالم، ولم ينجح مع بعض الديانات التي لم تسمح بذلك الإقصاء. وعندما تفشل الثورات العلمانية، فيجب علينا أن نتوقع ثورات مضادة ذات طابع ديني. هنا نسأل أنفسنا: ما العلاقة بين الدين والعنف؟

في السنوات الأخيرة، برزت إجابات ثلاثة لهذا السؤال. الأولى تقترح أن الدين هو المصدر الرئيسي للعنف. لذا، فإن الطريق نحو عالم مسالم لا بد أن يمرّ بإقصاء الدين، واجتثاثه من الجذور. الثانية تنفي ذلك الاتهام عن الدين، ولكنها تنبه إلى إمكانية استخدامه من قبل القادة المخادعين لتحريض الناس على شن الحروب. ذلك لأن الأديان تلهم الناس للقيام بأعمال بطولية يضحون بها بأنفسهم في سبيل القضية العظمى. لكن الدين نفسه يعلمنا الحب، والتسامح، لا الكراهية والقتال. أما الثالثة فتقول: “دينهم عنيف وديننا بريء. نحن نسعى للسلام، وهم يسعون للحرب”.

الإجابة الصحيحة هي: لا شيء مما سبق.

بخصوص الأولى، فإن مؤلفي “موسوعة الحروب”، تشارلز فيليبس وآلان أكسلرود، قاما بدراسة 1800 نزاع، ووجدا أن أقل من 10% منها كان له علاقة بالدين. كما أن تحقيقًا أجرته  BBC بعنوان “الإله والحرب”، خلُص إلى أن الدين لعب دورًا، ضئيلًا عادةً، في 40% من الحروب الكبرى على مدار الثلاثة آلاف عام الماضية.

الإجابة الثانية مضلًّلة. فعندما يشعل إرهابي أو جماعة مسلحة حربًا مقدسة، ويعلنونها صراعًا مع الشيطان، مرسلين بغير المؤمنين إلى الموت، ومرتكبين الجرائم تحت شعار “الله أكبر”، فإن إنكار الدوافع الدينية يعد ضربًا من ضروب السخافة. صحيحٌ أن الأديان تسعى للسلم، لكن بشروطها الخاصة.

أما الثالثة فهي لمحة كلاسيكية من التحيز العصبي. فأي عصبة، شأنها في ذلك شأن الأفراد، تحتاج إلى قدر من احترام وإجلال الذات، ومن هذا المنطلق يجري تفسير الحقائق بما يتسق مع إحساسهم بالفوقية. فاليهودية، والمسيحية، والإسلام تعرّف نفسها بأنها أديان سلام، رغم أن كلها أشعل شرارة البدء لأحداث عنف، في مرحلة ما من التاريخ.

لكن ما يهمنا هنا تحديدًا، هو تحدي التطرف الديني المسيّس، في القرن الواحد والعشرين.

يقال إن عام 1989، الذي شهد انهيار سور برلين، ونهاية الحرب الباردة، كان المشهد الأخير في دراما امتدت طويلًا. مات الدين أولًا، ثم الأيديولوجية السياسية، بعد فترة طويلة في العناية المركزة، لينتهي عصر المؤمن الحقّ، متدينًا كان أم علمانيًّا، ويبدأ عصر اقتصاد السوق، والدولة الديمقراطية الليبرالية. في هذا العصر، أصبح حق الفرد في أن يعيش وفق اختياراته الشخصية، أولوية تعلو على كل العقائد والقوانين.

لكن ما نسيه العلمانيون أن Homo Sapien تعني “الحيوان الباحث عن المعنى”. العلم يجيبنا عن “كيف”، لا عن “لماذا”. التكنولوجيا تعطينا القوة، لكنها لا تدلنا على كيفية استخدامها. السوق يزودنا بالاختيارات، لكنه يتركنا نختار بلا وعي. الدولة الديمقراطية الليبرالية تعطينا حرية العيش باختيارنا، لكنها ترفض عمدًا أن توجهنا إلى أسس هذا الاختيار.

لا يتناقض هذا بالطبع مع أن العلم، والتكنولوجيا، والسوق الحر، والدولة الديمقراطية الليبرالية قد مكنتنا من تحقيق إنجازات غير مسبوقة في المعرفة، والحرية، والمستوى المعيشي، والرخاء. فهي من الإنجازات العظيمة للحضارة الإنسانية. لكن كل هذه الإنجازات لا تجيب عن الأسئلة الثلاثة التي حتمًا تجول بعقل أي إنسان متأمل: من أنا؟ لم أنا هنا؟ وكيف ينبغي لي أن أعيش؟ إن القرن العشرين قد أعطانا خيارات من أوسع ما يكون، لكن بلا معنى.

عاد الدين لأنه من الصعب العيش بلا معنى. لهذا لم يصمد أي مجتمع طويلًا بلا دين، أو بديل للدين. لقد أظهر القرن العشرون، بوحشية وحسم، أن البدائل الحديثة للدين – القومية، والعرقية، والأيديولوجية – لا تقلل كثيرًا من احتمالات التضحية الخرقاء بالنفس.

سيكون القرن الواحد والعشرون أكثر تدينًا من القرن العشرين، لعدة أسباب. أولها هو أن الدين متوافق أكثر مع عالم التواصل العالمي السريع، أكثر من الدول القومية أو المؤسسات السياسية الحالية.

أما ثانيها فهو فشل المجتمعات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية في مخاطبة الاحتياج الإنساني في البحث عن الذات والهوية. الديانات الكبرى توفر المعنى، الاتجاه، ومجموعة من قوانين السلوك وقواعد الأخلاقيات والحياة الروحانية، وهو ما يفشل فيه السوق الحر، والغرب الديموقراطي الليبرالي.

السبب الثالث متعلق بالديموغرافية. فالجماعات الأكثر تدينًا تتميز بارتفاع معدلات المواليد. وكما سجّل إيريك كوفمان في كتابه “هل يرث المتدينون الأرض؟”، سيحدث تحول هائل في التكوين الديني لأغلب مناطق العالم خلال نصف القرن القادم، وعلى رأسها أوروبا. باستثناء الولايات المتحدة، يبدو أن الغرب قد فشل في اتباع الحتمية الدارونية، ولن يورث جيناته للأجيال القادمة.

ليس أمامنا خيار إذن، سوى إعادة فحص الثيولوجية المؤدية إلى العنف في المقام الأول. كمسلمين، ومسيحيين، ويهود، يجب علينا الاستعداد للإجابة عن أسئلة غير مريحة بالكلية: هل يريد إله إبراهيم من أتباعه أن يقتلوا في سبيله؟ هل يطالب الرب بالتضحيات البشرية؟ هل يفرح بالحروب المقدسة؟ هي يريدنا أن نكره أعداءنا، وأن نروّع الكفار؟ هل قرأنا نصوصنا المقدّسة بطريقة خاطئة؟ ماذا يقول لنا الله، هنا، الآن؟ لسنا أنبياء، لكننا ورثتهم، وبالتأكيد لم نُحرم التوجيه السديد في هذه القضايا المصيرية.

بصفتي شخص يقدّر اقتصاديات السوق، والسياسات الديمقراطية الليبرالية، فإنني أخشى أن الغرب لا يفهم حجم القوى التي تواجهه. لن يربح المنطق وحده هذه المعركة، ولا الكلمات الرنانة، مثل “الحرية” و”الديمقراطية”.

اليوم يجب على المتدينين جميعًا الوقوف متحدين، دفاعًا عن الإنسانية، وحرمة الدم، والحرية الدينية، وإجلالًا لله. إن صراع القرن الواحد والعشرين الحقيقي لن يكون بين الحضارات من جهة والأديان من جهة، وإنما سيكون صراعًا بداخل كل جانب من هؤلاء. سيكون بين متقبلي فكرة الفصل بين الدين والسلطة، وأولئك الذين يعارضونها.

ماذا يجب علينا فعله إذن؟ لا بد أن نخطط على المدى الطويل لدعم الحرية الدينية تمامًا كما نخطط لمنع انتشار التطرف الديني. لقد عمل أنصار الإسلام المتطرف لعقود على تهميش التقاليد الأكثر انفتاحًا، سماحة، وتصوفًا، وإثارة للفكر، التقاليد التي كانت مصدر عظمة الإسلام في الماضي.

لا بد من تنفيذ حملة دولية مناهضة لتعليم ووعظ الكراهية. يتعلم الأطفال أن غير المؤمنين مصيرهم الجحيم، وأن المسيحيين والمسلمين هم الشيطانين الأكبر والأصغر. إن استمر ذلك، وان استمر بث البارانويا والتحريض في الراديو، والتليفزيون، والمواقع الإلكترونية، ومواقع التواصل الإجتماعي، فإن المادة الثامنة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تضمن الحرية الدينية، ستكون عديمة المعنى. كل التدخلات العسكرية في العالم لن توقف العنف.

نحتاج إلى استعادة القيم التي تجعل التوحيد الإبراهيمي قوة إنسانية كما كانت في عصور مجدها: حرمة الدم، كرامة الإنسان، ثنائية العدل والرحمة، التمسك بالوسائل السلمية لحل النزاعات، التسامح مع جراح الماضي والتركيز على مستقبل يمكن لكل أطفال العالم أن يعيشوا فيه بسلام.

هذه القيم يمكن لليهود، والمسيحيين، والمسلمين أن يجتمعوا عليها. لا يعني هذا أن الطبيعة الإنسانية ستتغير، أو أن السياسة لن تصير ميدانًا للنزاع. لكن كل ما يعنيه أن السياسة ستظل سياسة، ولن تتحول إلى دين.

نحتاج أيضًا إلى التمسك بأبسط مبدأ أخلاقي: الإيثار المتبادل. المبدأ الذي يقول: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك. إن كنت تسعى إلى الاحترام فيجب أن تقدمه أولًا. إن كنت تريد تفادي الإساءة، احرص على ألا تسيء إلى أحد.

الحرب تدار بالسلاح، لكن السلم لا يرسيه إلا الأفكار. أن تكون من أبناء إبراهيم يعني أن تحترم أبناء إبراهيم كلهم، حتى وإن كان فهمهم لله مختلفًا عن فهمك. إن إنسانيتنا يجب أن تسبق اختلافاتنا الدينية.

نعم، هناك فقرات في الكتب الإبراهيمية إن تم تفسيرها حرفيًّا، فربما يقود ذلك إلى إشاعة الكراهية، والقسوة، والحرب. لكن الأديان الثلاثة كانت تُفسر في الماضي في سياق من التعايش المشترك، احترام الاختلاف والسعي نحو السلام، وما زال يمكننا فعل ذلك اليوم. الأصولية التي تقرأ النص في غير سياقه، وتطبقه بلا تأويل لا تُعدّ من الإيمان، بل تعد انحرافًا عنه.

ومع صعود الإسلام السياسي المتطرف، أصبح عالمنا فجأة خطرًا ليس فقط على اليهود، والمسيحيين، وغيرهم فقط، بل حتى على المسلمين في الجانب الآخر من الصراع السني الشيعي.

لا بد من تربية جيل من الشباب يدرك أنه ليس من التقوى أن تقتل باسم الله، وتكره باسم إله الحب، وتشن الحرب باسم إله السلام، وتقسو باسم إله الرحمة.

حان الوقت لكي نقول ما عجزنا عن قوله في الماضي: كلنا أبناء إبراهيم. نحن غالون في أعين الله. نحن مباركون. ولكي نكون مباركين، لا يجب أن نلعن بعضنا البعض. محبة الله لا تسير هكذا. الله ينادينا لكي نتخلى عن الكراهية والوعظ بها، وأن نحيا إخوة وأخوات، مؤمنين بديننا، رحماء على الغير باختلاف أديانهم، وأن نكرّم اسم الله بتكريم خلقه: البشرية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد