«قتل سليماني لم يكن ضروريًّا أو كافيًا لتعطيل سير عمل مؤامرة وشيكة تُحاك. والأمر الذي كان يمكن فعله بدلًا من ذلك هو إرباك الحسابات الإيرانية، وردع خططها لشن هجوم في المستقبل» جون باتمان – كبير محللي الاستخبارات في الشأن الإيراني في وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لمراسليها ميسي ريان، وجوش داوسي، ودان لاموث، وجون هدسون تناولوا فيه الحدث الذي هز العالم؛ مقتل الجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ورجل إيران القوي، وهو الحدث الذي يحذر كثيرون من أنه ستكون له تداعيات كبيرة وربما يؤدي إلى اندلاع حرب واسعة. 

وفي بداية تقريرهم، ذكر المراسلون أنه: في يوم الأحد الماضي، انضم إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معظم كبار مستشاري الأمن القومي في منتجع مار إيه لاغو بولاية فلوريدا، حيث كان ترامب يبدأ الأسبوع الثاني من عطلته. 

وصرح مسؤولون لمراسلي «واشنطن بوست» بأن المقاتلات الأمريكية سترايك إيجل من طراز إف- 15 هاجمت مجموعات الميليشيات التي ترعاها إيران في قواعدها بالعراق وسوريا، ردًّا على سلسلة من الهجمات الصاروخية التي تُوجت بمقتل متعاقد دفاع أمريكي (في مجمع عسكري) قبل يومين.

ولفت التقرير إلى أن الرئيس ترامب كان منفعلًا، وطرح موضوعًا مختلفًا في إطار من السرية؛ عن ما إذا كان يجب قتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي حمَّله القادة العسكريون مسؤولية الهجوم على المواطن الأمريكي، والذي من المحتمل أن يقتل غيره الكثير من الأمريكيين الآخرين».

الهجوم على مبنى السفارة الأمريكية في بغداد الأسبوع الماضي

ولفت التقرير إلى أن «السبب وراء اختيار ترامب هذه اللحظة لبحث شن غارة جوية ضد قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، بعد التساهل مع العدوان الإيراني في الخليج العربي خلال الأشهر الماضية، أن هذا الموضوع كان محل نقاش داخل إدارته. 

وقدم المسؤولون روايات مختلفة وغير كاملة عن المعلومات الاستخباراتية التي قالوا إن ترامب استند إليها لاتخاذ تلك الخطوة. وقال البعض إنهم فوجئوا بقراره، الذي ربما يؤدي إلى اندلاع حرب مع أحد أقدم خصوم أمريكا في الشرق الأوسط. 

وصرح مسؤول كبير في إدارة ترامب كان على دراية بالمناقشات رفيعة المستوى بين الرئيس الأمريكي ومستشاريه قائلًا: «كان قرارًا جريئًا على نحو هائل وفاجأ الكثير منا»، وتحدث هذا المسؤول مثل آخرين شريطة عدم الكشف عن هويته، نظرًا إلى أنه غير مخوَّل له مناقشة المشاورات الداخلية.

هجمات وشيكة

وأشار المراسلون إلى أنه: «في يوم الجمعة، وبعد ساعات من مقتل سليماني وأبي مهدي المهندس، نائب قائد ميليشيات الحشد الشعبي العراقية، في مطار بغداد بطائرة أمريكية بدون طيار، أخبر مسؤولون كبار في وزارة الخارجية الصحفيين أن إيران كانت تتآمر لشن «هجمات وشيكة تستهدف قتل المئات من الأمريكيين»، لكنهم رفضوا تقديم تفاصيل بشأن ذلك. 

وصرح وزير الخارجية مايك بومبيو لشبكة سي إن إن يوم الجمعة بأن سليماني «كان يخطط بنشاط لشن هجمات في المنطقة، وهذه الهجمات كانت خطيرة، على حد وصفه، وكان من شأنها أن تعرض حياة العشرات إن لم يكن المئات من الأمريكيين للخطر. ونحن نعلم أن ذلك كان على وشك الحدوث».

وفي كابيتول هيل (مقر الكونجرس الأمريكي)، اطلع المسؤولون المشرِّعون والموظفون على الأمر، لكنهم لم يقدموا أي تفاصيل حول الأهداف الإيرانية المزعومة أو الأسباب التي جعلت هذه الهجمات على وشك الحدوث، وذلك بحسب ما أورده أشخاص حضروا هذه النقاشات».

هل كان قتل سليماني ضروريًّا؟

وأوضح المراسلون أن: «بعض المحللين شككوا في ضرورة قتل سليماني. وقال جون باتمان، الذي شغل منصب كبير محللي الاستخبارات المتعلقة بإيران في وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية: «ربما كانت هناك مؤامرة تُحاك كما يزعم بومبيو، لكن سليماني كان صانع قرار، وليس منفذًا للخطط بنفسه على الأرض». 

وأضاف أن «قتله لم يكن ضروريًّا أو كافيًا لتعطيل سير عمل مؤامرة وشيكة تُحاك. والأمر الذي كان يمكن فعله بدلًا من ذلك هو إرباك الحسابات الإيرانية، وردع خططها لشن هجوم في المستقبل».

وفي مؤتمر عبر الهاتف مع الصحافيين، صرح قائد الأمن القومى روبرت إس. أوبراين مساء الجمعة أن الغارة الجوية ضد سليمانى حدثت بعد أن زار دمشق مؤخرًا، وكان يخطط لاستهداف العسكريين والدبلوماسيين الأمريكيين.  وقال أوبراين: «كان الهدف من هذه الضربة تعطيل الهجمات المستمرة التي كان يخطط لها سليماني، وردع الهجمات الإيرانية المستقبلية، من خلال وكلائهم أو من خلال فيلق القدس، ضد الأمريكيين مباشرةً». 

قاسم سليماني

مظاهرات إيرانية تندد باغتيال سليماني

ووصف مسؤولو الدفاع مخططات سليماني بأنها جزء من استمرار الاستفزازات الإيرانية السابقة، لا سيما عمليات تخريب  السفن في الخليج العربي في مايو (آيار). وبعد مرور شهر، ألغى ترامب غارة جوية في اللحظة الأخيرة، وكان الهدف من ذلك الهجوم هو الانتقام من إيران لإسقاطها طائرة استطلاع أمريكية بدون طيار».

وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال مارك ميلى، في لقاء مع الصحافيين يوم الجمعة إن سليماني قُتل بعد أن اطلع المسؤولون الأمريكيون على معلومات استخباراتية تفيد بأن «حجم ونطاق ومدى» ما كان يخطط له سليماني قادهم إلى استنتاج مفاده أن هناك خطورة في عدم اتخاذ إجراء وقائي لمنع المخاطر المتوقعة.

وبشأن ردود الأفعال الإيرانية المحتملة على مقتل أحد أبرز القادة في البلاد، قال ميلى متسائلًا: «هل هناك خطر؟ نعم هناك خطر بالفعل». وأضاف: «لكننا نخفف من حدة ذلك الخطر، ونعتقد أننا نتخذ إجراءات مناسبة لتخفيف حدة خطورته». متابعًا أن «الكرة الآن في الملعب الإيراني. وهم مَن يحددون الخطوات التالية».  وربما تمر أيام أو أسابيع قبل أن يعرف المسؤولون الأمريكيون كيف يكون رد إيران. 

ولكن التسلسل السريع للأحداث التي أدت إلى مقتل سليماني أوضحت أن الصراع القديم قد وصل إلى نقطة الذروة.

الضحية الأمريكية

أفاد التقرير أنه «يمكن تتبع الأسباب المباشرة للأزمة الحالية إلى يوم الجمعة، الذي أعقب عيد الميلاد، عندما أُطلق وابل من الصواريخ على قاعدة كيه وان العسكرية، وهي قاعدة أمريكية عراقية مشتركة على الحدود الجنوبية لمدينة كركوك شمال العراق. ومن بين حوالي 30 صاروخًا قال مسؤولون أمريكيون إنها أطلقت على القاعدة الجوية بعد عدة ساعات من غروب الشمس، سقطت تسعة صواريخ داخل القاعدة مترامية الأطراف.

وسرعان ما ألقى المسؤولون الأمريكيون باللوم على كتائب حزب الله العراقية، وهي ميليشيات قوية يقولون إنها تتلقى التمويل والأسلحة من إيران. وبالإضافة إلى إصابة ثلاثة جنود أمريكيين وشرطيين فيدراليين عراقيين، قال المسؤولون إن الهجوم أسفر عن مقتل مترجم أمريكي لم يُكشف عن هويته. وكان هذا الشخص يعمل إلى جانب قوة مكونة من حوالي 100 جنديًّا أمريكيًّ في القاعدة كجزء من الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية».

أعداء يقاتلون على الجبهة ذاتها

وأفاد المراسلون أنه «بينما أثار الهجوم إطلاقًا متكررًا للصواريخ التي أمطرت القوات الأمريكية في بغداد وغيرها من المواقع في السنوات التي أعقبت غزو العراق في عام 2003، فإن مثل هذه الحوادث لم تكن شائعة في السنوات الأخيرة. ووجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف لا تحسد عليه، تمثل في أنها تقاتل ضد تنظيم الدولة على الجبهة ذاتها مع الميليشيات التي تدعمها إيران. لكن الهجمات الصاروخية استؤنفت في الأشهر الأخيرة بعدما واصلت وزارة ترامب حملة «الضغط الأقصى» ضد إيران، والتي تمثلت في فرض عقوبات اقتصادية عليها، وازدادت حدتها حتى وقع هجوم كركوك.

Embed from Getty Images

تظاهرات أمريكية تندد بالعملية الأمريكية على العراق وتطالب بعدم التصعيد ضد إيران – واشنطن – 4 يناير (كانون الثاني) 2020 

وقال ميلي للصحافيين قبل الهجوم على سليماني «إن الغرض من إطلاق 31 صاروخًا ليس التحذير. ولكن الغرض من ذلك إلحاق الضرر والقتل». وأصيب المسؤولون الأمريكيون بخيبة أمل لأن العراق لم يشجب هجوم كركوك علانيةً، وتساءلوا عن استعداد الحكومة لكبح جماح الميليشيات الموالية لجارتها القوية. 

وبعد مرور 48 ساعة تقريبًا من وقوع هجوم كركوك، أطلقت طائرات أمريكية مقاتلة من طراز إف-15 قنابل على خمسة مواقع للميليشيات. وشملت الأهداف مواقع القيادة ومخازن الأسلحة في مدينة البوكمال في سوريا، ومدينة القائم في العراق، إضافة إلى مواقع حدودية على جانبي الحدود العراقية السورية. 

وفي حديثه في وقت لاحق من ذلك اليوم بعد لقائه مع ترامب في منتجع مار إيه لاغو، قال وزير الدفاع الأمريكي مارك توماس إسبر إن الهجوم كان ناجحًا ولكنه ألمح أيضًا إلى مناقشة «خيارات أخرى» قيد النظر. وأضاف: «سنتخذ إجراءات إضافية حسب ما تقتضيه الضرورة لضمان أن يصب تصرفنا في مصلحة دفاعنا عن أنفسنا وردعنا للسلوك الهجومي السيئ».

رد قاسٍ

غير أن هذه الهجمات الأمريكية تسببت في أزمة سياسية فورية في بغداد، إذ لم يُعط المسؤولون سوى القليل من الاهتمام لخطط حليفهم الغربي الرئيسي لمهاجمة الميليشيات المرتبطة بجارتهم القوية. وكان رد الفعل عنيفًا وخاصة من جانب المليشيات. وحذر جمال جعفر إبراهيمي، نائب قائد قوات الحشد الشعبي، المعروف باسم أبو مهدي المهندس (هو أيضًا مؤسس ميليشيات كتائب حزب الله، وقُتل المهندس في الضربة الأمريكية على سليماني)، أن: «الرد سيكون قاسيًّا على القوات الأمريكية في العراق».

وبعد مرور يومين، وفي يوم الثلاثاء، تجمع الآلاف من أنصار الميليشيات أمام السفارة الأمريكية في بغداد، وألقوا عليها قنابل المولوتوف وحاولوا تسلق الحائط الخارجي للمجمع الذي توجد فيه السفارة، وبعد ذلك أقاموا معسكر اعتصام حول السفارة. وعندما أشعل رجال الميليشيات النار في منطقة الاستقبال، تصاعد الدخان إلى خارج المبنى الذي رمز يومًا ما إلى النفوذ والقوة الأمريكية في العراق. 

وفي داخل المجمع، تجمّع الموظفون في غرف آمنة. وأرسل الجيش الأمريكي على الفور حوالي 100 جندي من مشاة البحرية إلى بغداد، ثم أرسل 750 جنديًّا آخرين للبقاء على أهبة الاستعداد في الكويت.

وبدا أن التوترات هدأت في اليوم التالي، عندما أصدرت عناصر المليشيات تعليمات للمتظاهرين بالتراجع والمغادرة وناشدت الحكومة التهدئة. إلا أن المسؤولين الأمريكيين شعروا بالغضب من الاستجابة البطيئة من جانب القادة العراقيين، إذ التزمت قوات الأمن الحكومية الحياد، في الوقت الذي فرض فيه رجال الميليشيات حصارًا على السفارة.

ترامب يقرر التحرك

وأشار المراسلون إلى أنه «في منتجعه بولاية فلوريدا، أُبلغ ترامب بأن القائد الإيراني (سليماني) في طريقه إلى بغداد. وشعر كبار المسؤولين أنه يسخر من الولايات المتحدة بتجوله في العاصمة العراقية، مما يعني ضمنًا أنه يمكنه التحرك في مَنَعةٍ من العقاب. وقال مسؤول رفيع بإدارة ترامب إن نائب الرئيس دعا إلى إجراء محادثات بين مديري الأمن القومي طوال الأسبوع بعد مناقشات أولية في يوم الأحد لقتل سليماني». 

ترامب ليس الأول.. هؤلاء أيضًا استغلوا «الأمن القومي» للبقاء بالبيت الأبيض

وذكَّر المسؤولون ترامب بأنه لم يرد على إيران بعد تخريب الإيرانيين للسفن وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار والهجوم المزعوم على منشآت النفط السعودية. وقال أحد مسؤولي البيت الأبيض لترامب: «إن التحرك الآن سيبعث برسالة مفادها: أن الحجة التي يمكن أن نستند إليها أننا، إذا لم نرد على تحركات الإيرانيين، سندَعَهم يعتقدون بأنهم يستطيعون الإفلات بأي فعلٍ يقومون به».

وقال المسؤولون إن ترامب كان مدفوعًا للتحرك بسبب ما شعر بأنه تغطية سلبية بعد قراره عام 2019 بإلغاء الغارة الجوية، بعد أن أسقطت إيران طائرة استطلاع أمريكية. وأضافوا أيضًا أن ترامب كان محبطًا كذلك من أن تفاصيل مداولاته الداخلية تسربت، وشعر أنه ظهر ضعيفًا.

ونقل التقرير عن المسؤول الكبير بالإدارة الأمريكية، قوله إن الولايات المتحدة تتبعت تحركات سليماني لعدة أيام، وأبلغت ترامب بها، وقررت أن أفضل فرصة لقتله ستكون بالقرب من مطار بغداد. مضيفًا أنه أعطى الموافقة النهائية في نهاية الأمر قبل الغارة الجوية مباشرةً، وأجرى المكالمة من منتجع الجولف الخاص به.

وأشار التقرير إلى أن ترامب وضع دروس التاريخ نصب عينيه. وتذكر حادثة الهجوم على بنغازي (هجوم استهدف القنصلية الأمريكية في بنغازي في سبتمبر/أيلول 2012 وأسفر عن مقتل أربعة أمريكيين بينهم السفير) ورد إدارة أوباما على ذلك، كما يقول المشرعون والمساعدون الذين تحدثوا إليه، وشعر بأن الرد على الهجوم الذي وقع هذا الأسبوع على السفارة، ومقتل متعاقد أمريكي سيجعله يبدو أقوى مقارنة بسلفه.

ومن جانبه، قال السيناتور ليندسي جراهام (عضو الحزب الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية) في مقابلة له، تعليقًا على الرد الأمريكي هذا الأسبوع: «لقد ألقى هجوم بنغازي بظلالٍ كثيفة على تفكيره». وكان جراهام في منتجع مار إيه لاغو في يوم الاثنين، وقال إن الرئيس أخبره بأنه يشعر بالقلق من أنهم «سيهاجموننا مرة أخرى» وأنه يفكر في ضرب الإيرانيين. وقال جراهام إنه لم تكن هناك خطة محددة لقتل سليماني، لكنها كانت في ذهن ترامب.

وأضاف جراهام: «كان كثيرًا ما يفكر ترامب بصوتٍ عالٍ، لكنه كان مصممًا على فعل شيء لحماية الأمريكيين. وأدى مقتل المقاول الأمريكي إلى تغيير المعادلة تمامًا». وأفاد جراهام بأن ترامب كان يقول عن سليماني: «هذا الرجل رجل سوء، وأنه يتصرف على  نحو سيئ، وعلينا أن نفعل شيئًا». 

وبعد الهجوم، أعد المسؤولون الأمريكيون في العراق أنفسهم لمجموعة من الردود المحتملة، والتي يمكن أن تتراوح بين هجمات مباشرة من جانب إيران، إلى أوامر عراقية بمغادرة القوات والأفراد الأمريكيين البلاد.

واختتم المراسلون تقريرهم بالإشارة إلى أنه «في يوم الجمعة، قال جراهام: إن ترامب وصف العملية بأنها «مهمة صعبة». وتابع قائلًا: «قلت له، نعم، إنها مهمة صعبة يا سيدي الرئيس».

دولي

منذ 10 شهور
هل سيشعل اغتيال قاسم سليماني شرارة حرب مؤجلة بين أمريكا وإيران؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد