أعد الكاتب والصحافي البريطاني ديفيد هيرست مقالًا نشر في موقع «ميدل إيست آي» وفيما يلي ترجمة كاملة للمقال:

حينما خططت إسرائيل لفرض الحصار على قطاع غزة بعد فوز حماس في الانتخابات في يناير (كانون الثاني) 2006، ثم آلت إليها مقاليد الأمور فيه بعد الاشتباكات مع حركة فتح في يونيو (حزيران) 2007، صرح مستشار لرئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك في ذلك الوقت بكلمات لم يجرؤ على البوح بها غيره منذ ذلك الحين.

قال دوف فايسجلاس: «الفكرة هي إجبار الفلسطينيين على اتباع نظام تغذية متقشف، لكن دون التسبب في موتهم جوعًا».

كانت وحشية فايسغلاس تبلغ من الصراحة ما لم يكن معهودًا لدى الولايات المتحدة، والحكومات المانحة، والأمم المتحدة، ومنظمات العون الدولية، رغم أنها كانت في واقع الأمر تطبق نفس المبدأ؛ فقد كانت المساعدات الدولية تبقي الفلسطينيين على قيد الحياة، لكنها كانت لا تكفي للمعيشة؛ فكل المساعدات كانت أدنى مما هو مطلوب.

إشكالات أمنية

ولهذا السبب أمسك بنيامين نتنياهو في بداية الأمر لسانه عندما أعلن ترامب عن قراره قطع كل التمويل الذي كانت تقدمه الولايات المتحدة لوكالة «غوث» وتشغيل اللاجئين التابعة لـ«لأمم المتحدة (الأونروا)»، والتي أنشئت في عام 1949 للتعامل مع النزوح الجماعي لما يقرب من 700 ألف لاجئ، وكذلك الاعتراف فقط بعُشر اللاجئين الذين يبلغ تعدادهم اليوم 5 ملايين نسمة.

كانت المخابرات الإسرائيلية أول من قرع جرس الإنذار حول قرار ترامب، وذلك على الرغم من أن «الشين بيت» والوزارة الأمنية الإسرائيلية ليسوا ليبراليين متخفين، ولا يكنون أي شعور بالذنب تجاه معاناة الفلسطينيين.

ومثلهم مثل معظم الإسرائيليين، لا يرون التناقض الحاصل في الاعتراض على وجود جيل رابع من اللاجئين الفلسطينيين، بينما نفس الوقت يمنحون حق المواطنة في أرض إسرائيل لكل من يولد يهوديًا، وعلى مدى مئات الأجيال المتعاقبة.

ومثلهم في ذلك مثل نتنياهو، يزعمون أن (الأونروا) لديها مصلحة مؤسساتية في إدامة مشكلة اللاجئين، ومثل نتنياهو لم يعد بإمكانهم تقبل ولو حقًا رمزيًا للفلسطينيين في العودة.

إنما مصدر قلقهم هو الجانب الأمني، وبشكل أساسي ما يتهدد إسرائيل من خطر أمني. فلو أخفقت مدارس الأونروا في فتح أبوابها في الموعد ككل عام هذا الخريف، وإذا ما ترك الآلاف من الفتيان يتسكعون حول المخيمات ولا شاغل يشغلهم سوى التقاط الحجارة من الأرض، فسوف يكون الجنود الإسرائيليون في خط النار. تتمثل السياسة المتبعة في الحفاظ على الأحوال التي تضمن احتلالًا بأقل التكاليف؛ فالصراع ثمنه باهظ.

فقد ذكّروا رئيس الوزراء بأنهم يعتمدون على التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية، وأنه ليس من مصلحة إسرائيل التسبب في تدهور الاقتصاد الفلسطيني، وإشعال موجة جديدة من الاحتجاجات على الحدود مع غزة.

مساء الأحد طفا إلى السطح حنقهم بسبب الاختلاف مع نتنياهو حول هذه المسألة. فقد بثت القناة العاشرة الإسرائيلية تقريرًا أعده باراك رافيد يفيد بأن نتنياهو تخلى عن سياسة دعم تمويل (الأونروا) في خطاب أرسله شخصيًا إلى البيت الأبيض قبل أسبوعين. وقد أقدم على ذلك «دون إجراء أي مشاورات ذات بال مع قادة الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن والمخابرات الإسرائيلية».

تجاوز نتنياهو لجنته الوزارية المكلفة بشؤون الأمن الوطني، ويقول التقرير: «إن أعضاء اللجنة أخذوا على حين غرة».

النفاق العربي

وجهوا اللوم لترامب معتبرين أنه تصرف كما لو كان كاثوليكيًا أكثر من بابا الفاتيكان نفسه، حينما اندفع على عجل للإجهاز على فكرة أن القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية، ووأد مشكلة اللاجئين، لدرجة أنه هدد بتدمير المشروع بأسره، والذي يتمثل بترجمة مزاعم إسرائيل بحقها في كامل الأرض إلى واقع ملموس.

إلا أن تبرير ترامب كان أشد غلظة من ذلك، وهو ما عبرت عنه سفيرته لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، عندما قالت: «إن الرئيس محمود عباس يعض اليد التي تطعمه من خلال رفضه للمفاوضات، وإحراجه للولايات المتحدة ولإسرائيل وللأمم المتحدة».

وقالت هايلي في كلمة داخل مجلس الأمن الدولي: «الأمريكان شعب في غاية السخاء، نحب تقديم المساعدات الإنسانية، ونحن مستمرون في البحث عن وسائل لمساعدة الشعب الفلسطيني الذي تشكل معاناته مصدر قلق حقيقي لنا، ولكننا لسنا مغفلين، فإذا مددنا يدًا للصداقة والسخاء، فإننا لا نقبل بأن تعض يدنا. وحينما نمد يدنا فإننا نتوقع أيضًا من الآخرين أن يمدوا أياديهم».

تصرفات ترامب بالفعل تصعب الأمور على حلفائه العرب؛ فهو يكشف نفاقهم؛ إذ يسارعون دومًا إلى الدفاع عن أشقائهم الفلسطينيين، ولكنهم لا يهبون لنجدتهم وتقديم المساعدة اللازمة لهم. ففي العام الماضي أنفقت المملكة العربية السعودية على شراء الأسلحة الأمريكية ما يعادل ألفي ضعف ما تقدمه من تمويل للمدارس الفلسطينية.

ووقعت صفقات نوايا بقيمة 110 مليار دولار مع الولايات المتحدة لشراء أسلحة، بينما لا تنفق سوى 51 مليون دولار على (الأونروا)، وتحتل المرتبة السادسة في قائمة الدول الأكثر إنفاقًا عليها، وتأتي بذلك بعد المملكة المتحدة. يفضح ترامب النفاق العربي كما لم يسبق لرئيس أمريكي أن فعل ذلك من قبل.

ترامب: خطر حقيقي

كما أنه يتسبب في خلق أزمة داخلية في بلدين عربيين من حلفاء بلاده، هما: الأردن ولبنان، حيث إن استقرار كل واحد من هذين البلدين يتوقف على الإبقاء على تعريف اللاجئ الفلسطيني كما هو. بمجرد أن يفكك ترامب (الأونروا) سيفقد ملايين الفلسطينيين ليس فقط مدارسهم وخدماتهم الصحية وموارد دخلهم، بل كذلك وضعهم وهويتهم.

ولكنهم لن يختفوا عن وجه الأرض. أين عساهم يذهبون وقد سلبوا حلم العودة إلى فلسطين، ولم يبق لديهم ما يحفزهم على البقاء حيث هم؟ ستكون وجهتهم بكل وضوح هي الشمال، وسيشقون طريقهم نحو أوروبا.

ماذا سيكون شعور ألمانيا وفرنسا حينما تنطلق موجة أخرى من اللاجئين باتجاه سواحل أوروبا؟ لم يعد هذا الأمر مستبعدًا بتاتًا، وخاصة إذا ما أطيح إلى الأبد بالأمر الواقع الذي يعيش فيه الفلسطينيون.
بإمكانكم أن تروا لماذا لم يتمكن حتى الآن من نشر تفاصيل خطة «صفقة القرن»، وذلك أنه كلما تم الكشف عن مزيد من التفاصيل كلما تقلص عدد من يرغبون في ربط أسمائهم بها. في آسيا اجتمع ترامب مع زعيم كوريا الشمالية في لقاء قمة دون وجود خطة. أما في الشرق الأوسط فلديه خطة لا قبل له بتحويلها إلى لقاء قمة. في كلتا الحالتين يشكل ترامب خطرًا حقيقيًا.

تقديم معروف للفلسطينيين

هناك جانب إيجابي واحد في حالة الفوضى التي يتسبب بها ترامب للصراع المركزي والأكثر أهمية في الشرق الأوسط. ولا ينبغي لأحد أن يقلل من أهمية ذلك: يقدم ترامب للفلسطينيين معروفًا من خلال الإطاحة بالدعائم، والقضاء على كل المظاهر الزائفة، وإزالة كل مساحيق التجميل التي استخدمت لتحسين صورة عملية «أوسلو».

وها هو الآن يتلاشى كل ما عمل على مدى عقود على إبقاء أسطورة مفادها: أنه ذات يوم في المستقبل المشرق يمكن أن تولد دولة فلسطينية من خلال التفاوض.

باختصار أزاح ترامب عن الطاولة موضوع القدس الشرقية، وموضوع ما يقرب من أربعة ملايين ونصف المليون لاجئ، وحقهم في العودة، وكذلك (الأونروا). ويضاف إلى ذلك – طبقًا لنتنياهو – الدولة الفلسطينية. إذًا ماذا بقي للفلسطينيين ليفعلوه الآن؟ لقد باتت معاقبة إسرائيل عملًا مناهضا للسامية، كما أن الهجوم عليها عمل إرهابي. وأن يكتب عضو عربي في الكنيست خطابًا ويرسله إلى صحيفة «الجارديان» فإن عمله ذاك يمكن أن يعتبر عملًا خائنًا.

وبالمقابل بات مشروع بالقانون استيلاء المستوطنين على الأرض الفلسطينية، حتى لو كانت مملوكة ملكية خاصة، طالما أنهم يفعلون ذلك بحسن نية. وبالفعل فإن القانون الأساسي يعبر بكلمات لا تقل وحشية عن كلمات فايسغلاس حين يعتبر أن الاستيطان حتمية أخلاقية لوجود الدولة اليهودية.

ماذا ينبغي على الفلسطينيين ممن يلتزمون باستخدام الوسائل السلمية حصريًا أن يفعلوا للدفاع عن حقوقهم التي تتلاشى يومًا بعد يوم؟ وما هو الغرض الآن من وجود السلطة الفلسطينية؟ هل يتوجب استمرارها حتى تؤدي دور مقاول الباطن حفاظًا على أمن إسرائيل؟ لست متأكدًا من أن هذه المهمة تبدو جذابة.

لا غرو في أن رد الفعل الوحيد على إزاحة جميع الملفات المتعلقة بمطالبك من الطاولة، بالإضافة إلى فقدان أرضك، وحقول زيتونك، وبيوتك ومدارسك، ومياهك، وتاريخك، ولاجئيك، ومؤسساتك، هو تسليم المفاتيح لأقرب نقطة عسكرية إسرائيلية.

يتوجب على محمود عباس الآن أن يقول الآتي: «هلموا! احتلونا. كلنا تحت أمركم. كل الملايين الستة من الفلسطينيين تحت مسؤوليتكم»؛ فالرجل لم يبق لديه ما يفعله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد