لا شك أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو واحدٌ من أغرب الرؤساء في التاريخ، فضلًا عن أنَّ سياساته التي انتهجها على مدار العام المُنقضي أربكت الأعداء والحلفاء على حد السواء، وتحدَّى بها المُدركات والتوقعات السائدة بشأن دور واشنطن في المنطقة. لذا سلَّط موقع «ميدل إيست آي» الضوء على الفوضى التي أحدثها ترامب بسياساته في الشرق الأوسط، ودفعت به ليُنهي عام 2018 دون أيٍ من كبار مُساعديه للسياسة الخارجية الذين كانوا ضمن طاقمه في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي؛ إذ خرج من الخدمة وزير خارجيته، ومستشاره للأمن القومي، ووزير دفاعه، وسفيرته لدى الأمم المتحدة، إما عن طريق الإقالة أو الاستقالة.

يُركِّز تقرير «ميدل إيست آي» في جزئه الأول على قرارات الرئيس الغريبة في ما يتعلَّق بسوريا وتركيا وإيران وفلسطين؛ بدايةً من فرض عقوباتٍ على مسؤولين من تركيا، حليفته في الناتو، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني دون التشاور مع الدول الأوروبية التي وقَّعت على المعاهدة، ووصولًا إلى الإعلان عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، مناقضًا بهذا نصيحة كبار قادته، وهجر المؤسسات الدولية نكايةً في الفلسطينيين. ثم ينتقل التقرير في جزءٍ ثانٍ لتسليط الضوء على السياسات الأمريكية تجاه الخليج، وتوضيح كيف أدت سياسة ترامب لدعم ابن سلمان إلى حصار الرئيس الأمريكي، وتاليًا ترجمة للجزئين:

الانسحاب من سوريا

يُشير التقرير إلى أنَّ ترامب آخر شهرٍ من عام 2018 حقق ما كان يريده، وأعلن عن سحب القوات الأمريكية من سوريا بعكس نصيحة كبار قادته ومستشاريه.

أثارت هذه الخطوة صدمةً كبيرةً في واشنطن أدَّت إلى استقالة وزير دفاعه جيمس ماتيس احتجاجًا على القرار.

ويوضح الموقع أنَّ ترامب ضغط على مدار شهور من أجل الانسحاب، لكنَّ قادة الجيش الأمريكي والمسؤولين تصدَّوا علنًا لمزاعمه بأنَّ «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» هُزِمَ بالفعل داخل البلد الذي مزَّقته الحرب.

وقال الرئيس أواخر شهر مارس (آذار): «نحن نهزم (داعش) هزيمةً نكراء. سنخرج من سوريا قريبًا جدًا. ونُفسح المجال أمام الآخرين للاهتمام بالأمر الآن».

Embed from Getty Images

 

وبعد ذلك التصريح بأيام، قال بريت ماكجورك، مبعوث الولايات المتحدة الخاص للتحالف الدولي لمكافحة داعش، إنَّ مهمة الجيش الأمريكي في سوريا «لم تنتهِ بعد»، مُؤكِّدًا أنَّ الجنود هم «من سيُنهون تلك المهمة». واستقال ماكجورك إثر إعلان البيت الأبيض بدء عملية سحب القوات.

وكتب ترامب في حسابه على «تويتر»: «إلى كل المتعاطفين مع بريت ماكجورك، أُذكِّرُكم أنَّه من تعيين أوباما الذي كان مسؤولًا عن شحن 1.8 مليار دولار أمريكي نقدًا داخل الطائرات وإرسالها إلى إيران كجزءٍ من الاتفاق النووي الإيراني المُروِّع (الذي أُنهِيَ الآن) والذي أقره بوب كوركر».

 

 

ويذكر موقع «ميدل إيست آي» أنَّ جهود ترامب لسحب القوات الأمريكية من سوريا قبل عدة أشهر عُرقِلَت حين حُمِّلت القوات النظامية السورية المسؤولية عن هجومٍ كيماويٍ مزعومٍ خارج دمشق في شهر أبريل (نيسان). واستجابت واشنطن بشن ضرباتٍ جويةٍ محدودةٍ على أهدافٍ تابعةٍ للجيش النظامي.

وخلال الإعلان عن الضربات الجوية، شدَّد ترامب على أنَّه لا يرغب أن تتعمَّق القوات الأمريكية كثيرًا في الصراع. وقال: «لا تنشد الولايات المتحدة التواجد بصفةٍ دائمةٍ داخل سوريا. وفي الوقت الذي تسعى خلاله العديد من الدُوِل إلى زيادة إسهاماتها، نتطلَّع نحن إلى اليوم الذي يعود فيه أبطالنا إلى أرض الوطن».

تمتلك واشنطن قرابة ألفي جنديٍ في سوريا، وهدفهم المُحدَّد هو هزيمة داعش. لكنَّ مسؤولي حكومة ترامب تحدَّثوا أيضًا عن استغلال نشر القوات في سوريا لاحتواء إيران ومقاومة روسيا، وإضعاف حكومة الرئيس السوري بشار الأسد.

وفي أعقاب إعلان الرئيس عن قرار سحب القوات الأمريكية، اتَّهمه منتقدوه بالتخلِّي عن الأكراد حلفاء واشنطن، الذين كان لهم الفضل في طرد (داعش) من مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي السورية.

ويرى موقع «ميدل إيست آي» أنَّ الجنود الأكراد في قوات سوريا الديمقراطية سيُصبحون بدون الحماية الأمريكية أكثر عُرضةً لهجمات كلٍ من الحكومة التركية التي تعتبرهم إرهابيين، والحكومة السورية التي تسعى للقضاء على محاولات إقامة منطقةٍ كرديةٍ ذاتية الحُكم داخل البلاد.

ورغم تلك الانتقادات، يبدو أنَّ ترامب يُولي اهتمامًا أكبر لقاعدته القومية داخل الولايات المتحدة، والتي تنظر إلى الحروب الأجنبية باعتبارها استنزافًا لموارد البلاد.

وقال روبرت فورد، سفير الولايات المتحدة السابق في سوريا، في تصريحٍ أدلى به لموقع «ميدل إيست آي» في أبريل الماضي: «الرئيس مُحِقٌ في أمرٍ واحد، وهو أنَّ الشعب الأمريكي لا يُريد الانخراط أكثر في الحرب الأهلية السورية. وهذا أمرٌ أنا مُقتنعٌ به تمامًا».

 

تركيا: حلٌ للنزاعات بين البلدين

يلفت التقرير الانتباه إلى العلاقة الطيبة مع تركيا التي أنهى بها ترامب العام، في أعقاب شهورٍ من والتهديدات والمواجهات والأزمات.

إذ انتهى العام بالإفراج عن القس الأمريكي أندرو برونسون، وقرار الولايات المتحدة بالانسحاب من سوريا، الذي نال استحسان الحكومة التركية، ودعوةٍ تلقَّاها مسؤولو الجيش الأمريكي لزيارة نظرائهم في تركيا.

لكنَّ عام 2018 شكَّل اختبارًا حساسًا لعلاقات البيت الأبيض مع أنقرة، حسبما يرى موقع «ميدل إيست آي».

فعلى مدار سنوات، انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حكومة ترامب على دعمها المتواصل للمقاتلين الأكراد في سوريا، الذين تعتبرهم الحكومة التركية تهديدًا لأمنها القومي.

وفي أوج التوتُّرات بين حليفي الناتو كتب أردوغان مقالًا في صحيفة «نيويورك تايمز» في شهر أغسطس (آب) يُطالِب فيه واشنطن باحترام السيادة والمخاوف التركية.

وكتب أردوغان في ما اعتبره الكثيرون مؤشرًا على التقارب الروسي-التركي: «قبل أن يفوت الأوان، يجب أن تتخلَّى واشنطن عن النظرية المُضلِّلة بأنَّ علاقتنا يُمكن أن تكون غير متكافئة، وعليها أن تتقبَّل حقيقة امتلاك تركيا لبدائلَ أخرى. والفشل في عكس مسار هذا الاتجاه أُحادي الجانب من عدم الاحترام سيدفع بنا إلى البحث عن أصدقاء وحلفاء جُدُد».

جديرٌ بالذكر أنَّ حكومة ترامب فرضت عقوباتٍ على كبار المسؤولين الأتراك في وقتٍ مُبكِّرٍ من الصيف الماضي إثر القبض على برونسون، القس الأمريكي الذي واجه تُهمًا مُتعلِّقةً بالإرهاب في تركيا. واستجابت أنقرة بفرض عقوباتها على اثنين من كبار المسؤولين الأمريكيين.

ويذكر التقرير أنَّ ترامب تولَّى شخصيًا قضية القس، واصفًا إيَّاه بـ«الرجل النبيل والزعيم المسيحي» في الولايات المتحدة، وقال إنَّه «يتعرَّض للاضطهاد في تركيا دون مُبرِّر».

Embed from Getty Images

 

لكنَّ توتُّر العلاقات لم يدُم طويلًا.

إذ حوَّلت تركيا اهتمامها إلى مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية المملكة في إسطنبول، وأُطلق سراح برونسون في أكتوبر (تشرين الأول). ورُفِعَت العقوبات المُتبادلة، واستعادت الدولتان مظهر الحلفاء من جديد.

وفي انتصارٍ إستراتيجيٍ ضخمٍ لأنقرة، أعلن ترامب في ديسمبر (كانون الأول) عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، مما يمنح القوات التركية والقوات المحلية المتحالفة معها في شمال البلاد الضوء الأخضر للهجوم على المقاتلين الأكراد، الذين يُدان لهم بالفضل في هزيمة (داعش).

وكتب ترامب على تويتر: «أكَّد لي الرئيس التركي أردوغان أنَّه سيقضي على ما تبقَّى من (داعش) في سوريا … وهو رجلٌ يُمكنه فعل ذلك، فضلًا عن أنَّ تركيا (تقع على مقربةٍ من الصراع). سيعود جنودنا إلى أرض الوطن».

 

 

وصرَّح مصدرٌ رئاسي تركي لموقع «ميدل إيست آي» في نوفمبر (تشرين الثاني): «في وقتٍ من الأوقات خلال قضية برونسون، اتخذ الأمريكيون موقفًا يعتمد على عدم التعامل معنا. وفي أعقاب الإفراج عنه، يُمكننا الإعلان عن عودة العزم على تحسِّين العلاقات».

 

الضغط على الفلسطينيين

واصل ترامب دعمه للسياسات العدائية الموالية لإسرائيل طوال عام 2018، مُؤكِّدًا على موقفه تجاه الفلسطينيين بعد يومين فقط من بداية العام، حين كتب على تويتر في الثاني من يناير (كانون الثاني) أنَّ واشنطن لا تلقى تقديرًا من الفلسطينيين رغم منحهم  «مئات الملايين من الدولارات»، حسبما أفاد تقرير موقع «ميدل إيست آي».

وحافظ ترامب على تلك اللهجة على مر الشهور الاثنى عشر التالية، في حين فكَّكت حكومته برامج المساعدات المُوجَّهة للفلسطينيين تدريجيًا، ومن بينها برامج المساعدة الإنسانية لمستشفيات شرق القدس، ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، فضلًا عن إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

وشوَّهت حكومة ترامب سمعة المنظمات الدولية في مساعيها لحماية إسرائيل من الانتقاد، وذلك بانسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في يونيو (حزيران) نتيجة ما وصفته بالتحيُّز ضد إسرائيل، وهدَّدت بفرض عقوباتٍ على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية في حال تجرَّأوا على مُحاكمة إسرائيل على جرائم الحرب.

ويُشير موقع «ميدل إيست آي» إلى الدفاع المُستمر من جانب الرئيس الأمريكي وكبار الشخصيات داخل حكومته عن استخدام الجيش الإسرائيلي للقوة المُميتة بحق المتظاهرين الفلسطينيين في غزة، والذين تظاهروا كل جمعةٍ للمشاركة في الاحتجاجات الواسعة التي تُسمَّى بـ«مسيرات العودة الكُبرى».

وفي الواقع، شنت إسرائيل أكبر حملاتها لقمع المتظاهرين في غزة يوم 14 مايو (أيار)، إبان احتفال كبار مُساعدي ترامب، ومن بينهم ابنته إيفانكا وصهره جاريد كوشنر، بافتتاح السفارة الأمريكية في القدس. وقتل الجيش الإسرائيلي يومها 60 متظاهرًا فلسطينيًا سلميًا وأصاب الآلاف.

وفي اليوم التالي، قالت نيكي هيلي، سفيرة واشنطن السابقة لدى الأمم المتحدة، إنَّ إسرائيل تحلَّت بضبط النفس، وحمَّلت نيكي حركة حماس الفلسطينية مسؤولية العُنف.

ودافعت نيكي أيضًا بحسب التقرير عن خطوة نقل السفارة التي قُوبِلَت بإدانةٍ واسعة، قائلةً في اجتماعٍ لمجلس الأمن إنَّها «لا تُقوِّض مستقبل السلام بأي شكلٍ من الأشكال».

لكنَّ السفيرة أعلنت استقالتها في أكتوبر، ومن المنتظر أن تشغل منصبها هيذر نويرت، المُتحدِّثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، في وقتٍ مُبكِّرٍ من عام 2019.

وفي واحدةٍ من آخر خطواتها الرسمية كسفيرةٍ هذا الشهر، سعت نيكي لتمرير مشروع قانون يُدين حماس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنَّه قُوبِل بالرفض.

ووفقًا لموقع «ميدل إيست آي»، يقول المُحلِّلون إنَّ سياسات ترامب العدائية تجاه الفلسطينيين تهدف إلى الضغط عليهم لقبول خطة السلام التي وصفها بأنَّها «صفقة القرن»، والتي لم تُعلن بعد.

Embed from Getty Images

 

ويذكر التقرير أنَّ الاقتراح يعرض على الفلسطينيين إقامة حكومةٍ مؤقتةٍ دون أن تكون القدس عاصمةً للدولة الفلسطينية مستقبلًا، في حين تحتفظ إسرائيل بأكبر مستوطناتها على طول الضفة الغربية. ورفض الفلسطينيون تلك الخطة وتعهَّدوا بإفشالها.

ورغم قطع ترامب للمساعدات وهجومه الدبلوماسي، يبدو أنَّ النشاط الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي اكتسب جرأةً أكبر خلال العام المُنقضي.

إذ صوَّت المجلس المركزي الفلسطيني على تعليق اعترافه بالدولة الإسرائيلية خلال اجتماعٍ حضره الرئيس محمود عباس في أكتوبر، في حين واصل آلاف الفلسطينيين التظاهر في غزة.

وقال عمر بدَّار، نائب مدير المعهد العربي الأمريكي، في تصريحه الذي أدلى به لموقع «ميدل إيست آي» في وقتٍ مُبكِّر من العام الجاري: «في نهاية اليوم، لن تتمكن من محو البشر من الوجود عن طريق قطع التمويل عنهم».

 

إيران.. «العقوبات في الطريق»

لم ينجُ الاتفاق النووي الإيراني خلال العام الثاني لترامب في منصبه.

خلال فترة ترشُّحه، شن ترامب حملةً ضد الاتفاق النووي واصفًا إيَّاه بـ«أسوء صفقةٍ أُجريت على الإطلاق».

وشهدت المعاهدة مُتعدِّدة الأطراف التي وقعت عليها طهران والعديد من القوى العالمية تحجيمًا كبيرًا من جانب إيران لبرنامجها النووي، مُقابِل رفع العقوبات الاقتصادية التي فُرِضَت عليها بقيادة الولايات المتحدة.

وأشار الموقع إلى أنَّه رغم ثورة الرئيس ضد الصفقة، ضغط ريكس تيلرسون، وزير خارجية ترامب الأول، طوال عام 2017 من أجل أن تظل واشنطن جزءًا من الاتفاق.

Embed from Getty Images

 

لكنَّ تيلرسون أُقيل في شهر مارس؛ مما مهَّد الطريق أمام ترامب ووزير خارجيته الجديد مايك بومبيو لإعلان انسحاب واشنطن من المعاهدة.

وفعلًا كان ذلك في شهر مايو، مما أغضب الدول الأوروبية، التي بدأت شركاتها في إبرام الصفقات التجارية مع إيران بعد التوقيع على الاتفاق.

وقال رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة: «بالنظر إلى قرارات الرئيس ترامب الأخيرة، ينتاب المرء تساؤلٌ واحد: ما حاجتنا إلى الأعداء، حين يكون أصدقاؤنا على هذه الشاكلة؟».

ويذكر موقع «ميدل إيست آي» أنَّ الاتحاد الأوروبي نجح في إقناع إيران أن تلتزم بجانبها من الصفقة، في ظل إقرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة بالتزام طهران بالشروط المنصوص عليها في الاتفاق.

لكنَّ ذلك لم يمنع الولايات المتحدة من إعادة فرض عقوباتها الاقتصادية الخاصة.

ونشر ترامب صورةً على تويتر في الثاني من نوفمبر تحمل الجملة التالية: «العقوبات في الطريق»، قبل أيامٍ من فرض العقوبات الأمريكية على قطاع النفط الإيراني. وقال النُقَّاد وقتها إنَّ التغريدة، التي كانت تشبه أسلوب المسلسل التلفزيوني الشهير Game of Thrones، تُسلِّط الضوء على الاتجاه السطحي الذي ينتهجه ترامب تُجاه إيران.

 

 

وينفي موقع «ميدل إيست آي» وجود أي تأثيرٍ للعقوبات على سلوك إيران أو نفوذها في المنطقة، فضلًا عن أنَّها لم تُجبِر طهران على إعادة التفاوض على الاتفاق كما كانت تزعم حكومة ترامب.

ورفض القادة الإيرانيون عروض ترامب بإجراء مُحادثاتٍ مُباشرة، مُؤكدِّين على أنَّ عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي هي السبيل الوحيد لاستئناف المفاوضات مستقبلًا.

وفي الوقت الحالي، تعمل طهران على إنشاء نظام مقايضةٍ مع أوروبا يُساعد على ازدهار التجارة دون الحاجة لتبادل الدولارات، مما يعني تفادي تدقيق واشنطن والمؤسَّسات المالية الأمريكية.

وقال سيد حسين موسويان، الدبلوماسي الإيراني السابق والمتخصص في سياسة الشرق الأوسط بجامعة برنستون، في تصريحٍ أدلى به لموقع «ميدل إيست آي» في نوفمبر: «تُعَدُّ إيران أكثر دول العالم خبرةً في التعامل مع العقوبات. ولا أعتقد أنَّ أي دولةٍ أخرى في المنطقة تمتلك الخبرة أو القدرة أو الإمكانية التي تسمح لها بمقاومة العقوبات».

سياسات ترامب تجاه الخليج

يرى المحللون أنَّ ترامب ينظر للسياسة الخارجية من منظور المعاملات التجارية، حسبما يذكر تقرير «ميدل إيست آي». ولهذا كان من الطبيعي أن يرفض ترامب وقوف جريمة مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي عقبةً في وجه الصفقات التجارية.

وأشار التقرير إلى تصريحات ترامب نفسه حين ذكر استثمار الرياض المُفترض بقيمة 450 مليار دولار أمريكي في الولايات المتحدة أثناء تعهُّده بأن تظل بلاده «شريكةً مُخلصةً للمملكة العربية السعودية» في أعقاب جريمة القتل.

Embed from Getty Images

 

وأضاف الرئيس الأمريكي في نوفمبر، إبان ذروة الغضب العالمي بشأن اغتيال خاشقجي: «إذا ألغينا هذه العقود بحمق، ستكون روسيا والصين أكبر المستفيدين». وأكد في تصريحٍ آخر أدلى به في نفس الشهر أنَّ الوقوف بجانب الرياض يهدف إلى «تأمين مصالح بلادنا وإسرائيل وكافة شركائنا في المنطقة».

ويرى التقرير أنَّ تلك التصريحات الغريبة والمُثيرة للجدل كشفت أنَّ الأرباح الاقتصادية أكثر أهمية بالنسبة لترامب من أهداف واشنطن على المدى البعيد. وبينما شهد عام 2018 قراراتٍ مختلفة من ترامب تجاه الخليج، بدايةً من إصلاح العلاقات الأمريكية مع قطر ووصولًا إلى وقف تزويد الطائرات السعودية بالوقود جوًا أثناء مشاركتها في الحرب على اليمن، إلا أنَّ أكثر ما ميَّز هذا العام كان إصرار ترامب على الدفاع عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في أزمة خاشقجي.

دعمه لمحمد بن سلمان

يُشير موقع «ميدل إيست آي» إلى موقفٍ نادرٍ من التوافق بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري هذا العام، إذ دعم كافة نُوَّاب الكونجرس الأمريكي مشروع قرارٍ في ديسمبر ينُصُّ على اعتقادهم بأنَّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان «هو المسؤول عن قتل جمال خاشقجي».

ورغم كونها خطوةً رمزية، لكنَّها بعثت برسالةٍ شديدة اللهجة إلى الرياض والبيت الأبيض على حد السواء؛ إذ دعم ترامب محمد بن سلمان رغم حالة الغضب التي انتشرت بين أشد مُؤيِّدي ترامب في الكونجرس.

دفعت جريمة القتل منذ انكشافها أكثر المُحافظين تشدُّدًا، ممن يعتبرون الرياض مُهِمَّةً لخدمة أهداف واشنطن الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط الأوسع، إلى التشكِّيك في جدوى الشراكة مع مملكةٍ يقودها ابن سلمان. وزاد حُنق الكونجرس إثر الاستنتاج الذي توصَّلت له وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأنَّ ولي العهد أمر باغتيال خاشقجي.

لكنَّ ترامب لم يتراجع رغم ذلك بحسب التقرير، في حين واصلت الرياض إنكار تورُّط ولي العهد، ولجأت إلى إلقاء اللوم على مجموعةٍ من السعوديين الذين شملوا بعض كبار مُستشاري محمد بن سلمان.

Embed from Getty Images

 

واقتصرت تصريحات ترامب في أعقاب جريمة القتل على انتقاد الطريقة التي نُفِّذت بها الجريمة. إذ قال في أواخر شهر أكتوبر: «لقد تصرَّفوا وفقًا لمفهومٍ أساسيٍ شديد السوء، ونفَّذوا المهمة برداءة، ومحاولات تسترهم عليها كانت الأسوأ في التاريخ».

وفي 20 نوفمبر، أُدين ترامب لمحاولته تشويه سمعة خاشقجي في بيانه بشأن السعودية في أعقاب الاغتيال. إذ نقل عن مسؤولين سعوديين قولهم إنَّ الصحافي الراحل كان «عدوًا للدولة وعضوًا في جماعة الإخوان المسلمين»، وهي المزاعم التي انتقدها أفراد عائلة خاشقجي.

وكتب فريد ريان، الناشر بصحيفة «واشنطن بوست»، في عمودٍ نُشِر اليوم التالي: «في تصريحٍ عجيبٍ تنقصه الدقة والترابط، مما يُذكِّرنا بأهمية احتواء تويتر على حدٍ أقصى للحروف المكتوبة، برَّء الرئيس ترامب الحكومة السعودية من جريمة القتل الوحشية للصحافي جمال خاشقجي».

وبعد أسابيعَ قليلةٍ من تصريحاتٍ ترامب، أُدرِج خاشقجي على قائمة مجلة «تايم» لشخصية العام إلى جانب مجموعةٍ من الصحافيين.

ويرى موقع «ميدل إيست آي» أنَّ ترامب ما يزال يقف وحيدًا في محاولاته حماية ولي العهد من تداعيات القضية مهما كلَّف الأمر، رغم أنَّ وسائل الأخبار العالمية تجاوزت قضية اغتيال خاشقجي بالفعل.

ومع سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس في العام الجديد، تعهَّد الساسة الأمريكيون بالتحقيق في تعاملات الرئيس مع المملكة.

التدقيق في دور الولايات المتحدة باليمن

في آخر الأعمدة التي كتبها لصحيفة «واشنطن بوست» وهو على قيد الحياة، طالب خاشقجي محمد بن سلمان بإنهاء الحرب في اليمن، حسبما أفاد تقرير موقع «ميدل إيست آي».

وتكمُن المفارقة العجيبة هنا في أنَّ مقتله سلَّط الضوء على جهود حرب الرياض في البلد الفقير، فضلًا عن دور واشنطن في الصراع.

أطلقت السعودية عمليةً عسكريةً واسعة النطاق في اليمن عام 2015 لاجتثاث جذور الحوثيين من البلاد، بعد سيطرتهم على العاصمة صنعاء وإطاحتهم عبد ربه منصور هادي، الرئيس المدعوم من السعودية. وانضمت واشنطن لتلك العملية منذ اليوم الأول، إذ كانت ترى الحوثيين قوةً حليفةً لإيران.

لكن يوضح الموقع أنَّ دعم السعوديين لم يعد الموقف الأساسي لمراكز القوى داخل واشنطن مع وصول أعداد الضحايا في اليمن لعشرات الآلاف وفقًا لبعض التقديرات، وتحوُّل اليمن إلى أسوأ أزمةٍ إنسانيةٍ في العالم.

Embed from Getty Images

 

وفي رفضٍ صادمٍ لعلاقات ترامب مع الرياض، صوَّت مجلس الشيوخ الأمريكي في ديسمبر على إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن.

استخدم أعضاء مجلس الشيوخ قانون سلطات الحرب الذي أُقرَّ عام 1973 للمرة الأولى في التاريخ؛ مما يمنح أعضاء الكونجرس سلطة إنهاء المُشاركة الأمريكية في التدخلات العسكرية التي سمح بها البيت الأبيض وحده.

وعُطِّلَ قرارٌ مماثلٌ داخل مجلس النواب وفقًا لتقرير «ميدل إيست آي»، حيثُ نجح المُشرِّعون من حزب ترامب الجمهوري الذين ما زالوا يُسيطرون على المجلس في منع مناقشة القرار وطرحه للتصويت.

لكنَّ التقرير يُشير إلى أنَّ الوعي المُتزايد بالكارثة الإنسانية في اليمن وشكوك الأمريكيين تجاه علاقاتهم مع الرياض، كل هذا أدى إلى تزايد الأسئلة المُقلقة المُوجَّهة إلى البيت الأبيض بشأن دعمه اللوجستي والسياسي للحرب.

وقال وزير الخارجية مايك بومبيو في سبتمبر (أيلول) إنَّ المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تبذلان جهودًا مُناسبةً للحد من الضحايا بين المدنيين، وهو التأكيد الذي دعمه جيمس ماتيس، وزير الدفاع آنذاك.

جاء ذلك الإعلان بعد شهرٍ من الضربة الجوية السعودية التي أصابت حافلةً مدرسيةً وقتلت العشرات شمال اليمن، في هجومٍ وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنَّه «جريمة حربٍ واضحة».

لكن بحلول شهر أكتوبر، كانت حكومة ترامب نفسها تُطالب بإنهاء الحرب.

فوفقًا للتقرير، قال بومبيو في بيانٍ أصدره أواخر شهر أكتوبر، مع اقتراب القوات المُؤيِّدة للتحالف من مدينة الحُديدة الساحلية، مهددةً بقطع طريق المساعدات الإنسانية في اليمن: «لقد حان وقت إنهاء الصراع، واستبداله بالتسوية، والسماح للشعب اليمني بالتعافي عن طريق السلام وإعادة الإعمار».

وأُتبِعَت تعليقات وزير الخارجية بقرارٍ من البيت الأبيض بوقف تزويد الطائرات السعودية بالوقود جوًا وهي في طريقها لإنهاء مهماتها في اليمن.

وينفي التقرير أنَّ تكون تلك الخطوات قد ساعدت كثيرًا في حل النزاع؛ إذ حاول المُشرِّعون إجبار ترامب على تطبيقها.

وفي ديسمبر طلب ماتيس وبومبيو من أعضاء مجلس النواب خلال جلسة إحاطة «أن يُواصلوا تقديم المشورة العسكرية والدعم اللوجستي والمعلومات الاستخباراتية التي تجري مُشاركتها مع السعودية منذ سنوات»، وفقًا لما أفادت به صحيفة «نيويورك تايمز».

لكن في ظل مشروع القانون المُناهض للحرب الذي طُرح في مجلس الشيوخ، يُنتظر أن يشهد مجلس النواب – الذي سيسيطر عليه الديمقراطيون العام الجديد – تمرير قرارٍ يُجبر ترامب على إنهاء المساعدات العسكرية لحرب المملكة العربية السعودية؛ مما يضع علاقات الحكومة مع الرياض في مواجهةٍ جديدة.

وبحسب «ميدل إيست آي»، يُمكن لترامب أن يعترض على القرار؛ مما سيتطلَّب أغلبيةً تُقدَّر بثُلثي أعضاء الكونجرس لتمريره.

مُنعطفٌ في العلاقات مع قطر

في وقتٍ مبكِّرٍ من هذا العام، بدا وكأنَّ ترامب غيَّر سياسته تجاه قطر تغييرًا كاملًا، إذ أثنى على الدولة الخليجية الصغيرة لجهودها في «مكافحة الإرهاب»، وهو ما يتعارض صراحةً مع اتهامات الرئيس الأمريكي في السابق للدوحة بتمويل الجماعات المُسلَّحة «على نطاقٍ واسع»، بحسب تقرير موقع «ميدل إيست آي».

ففي يونيو (حزيران) عام 2017، بدا من تصريحات ترامب أنَّه ينسب لنفسه الفضل في الحصار الذي فرضته السعودية على قطر، وقدَّم الرئيس الأمريكي الدعم الكامل لحلفائه في الرياض على جهودهم في عزل الدوحة، بعكس نصيحة كبار مُساعديه الذين طالبوا بوضع حدٍ لتلك الأزمة الدبلوماسية.

لكن في أبريل من العام نفسه، استضاف ترامب تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر داخل البيت الأبيض، وأشاد به واصفًا إيَّاه بـ«الرجل الرائع» الذي «يمتلك شعبيةً واسعةً في بلاده».

ويرى موقع «ميدل إيست آي» أنَّ ترامب كان واضحًا دائمًا في نظرته إلى حُكَّام الخليج، ومن بينهم الأمير القطري، كمُستهلكين مثاليين للبضائع الأمريكية، وخاصةً الأسلحة.

Embed from Getty Images

 

وقال ترامب خلال اجتماعٍ بالبيت الأبيض تعهَّد آل ثاني في أعقابه بمضاعفة المشتريات القطرية من الولايات المتحدة في السنوات القادمة: «لدينا هنا رجلٌ نبيلٌ، يجلس إلى يميني، يشتري الكثير من المُعدَّات التي نُنتجها. الكثير من المشتريات داخل الولايات المتحدة والكثير من الطائرات والصواريخ العسكرية، ومُختلف الأشياء».

لكن عادت أزمة الحصار للظهور على الساحة مرةً أخرى داخل كونجرس الولايات المتحدة في مشروع قرار مجلس الشيوخ، الذي يسعى إلى إدانة محمد بن سلمان بجريمة قتل خاشقجي.

مراقبة أسعار النفط

يذكر موقع «ميدل إيست آي» أنَّ الرئيس الأمريكي أثنى وهدَّد وأعرب عن غضبه من الدول العربية، وخاصةً المملكة العربية السعودية، في ما يتعلَّق بأسعار النفط على مدار عام 2018.

طالب ترامب بزيادة الإنتاج لخفض أسعار النفط، مع التذكير بصورةٍ غير رسميةٍ من حينٍ لآخر بأنَّ الجيش الأمريكي هو من يحمي الدول المُنتجة للنفط في الشرق الأوسط.

وبحسب تقرير الموقع، وجَّه ترامب حديثه إلى مُؤيِّديه خلال خطابٍ ألقاه في مسيرةٍ انتخابيةٍ أوائل شهر أكتوبر: «نحن نحمي المملكة العربية السعودية، هل تعتقدون أنَّها دولةٌ غنية؟ أنا أحب الملك سلمان، لكنَّني قُلت له: أيها الملك، نحن نحميك. وربما لن تنجو لأسبوعين بدوننا. يجب أن تدفع للجيش الذي يحميك، يجب أن تدفع».

وكتب ترامب في صفحته الرسمية على تويتر: «تحدَّثتُ للتو مع الملك سلمان، ملك المملكة العربية السعودية، وأوضحتُ له أنَّني أُطالب السعودية بزيادة إنتاج النفط إلى ما يُقارب المليوني برميل لتعويض الفارق، نظرًا للاضطرابات والخلل الذي أصاب إيران وفنزويلا… الأسعار مرتفعة! ووافق على ذلك!».

 

 

لكنَّ ترامب أعرب عن عرفانه للسعودية بسبب أسعار النفط المنخفضة، حتى في خِضَم أزمة خاشقجي. وكتب على تويتر: «أسعار النفط تنخفض، رائع! الأمر أشبه بتخفيض الضرائب المستحقة على أمريكا والعالم. استمتعوا بالأمر! 54 دولارًا أمريكيًا بعد أن وصل السعر إلى 82 دولارًا. شكرًا للسعودية، لكن دعونا نخفضها أكثر».

 

 

ويُشير موقع «ميدل إيست آي» في ختام تقريره إلى تشكيك المُحلِّلين في تأثير زيادة الإنتاج السعودي على أسعار النفط، ويقول بعضهم إنَّ السوق يستعد للتراجع في مُعدَّلات الطلب نتيجة التوقعات بتباطؤ النمو، الناتج جزئيًا عن حروب ترامب التجارية وسياساته الاقتصادية المُتقلِّبة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد