نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالًا لمراسل مجلة «نيويورك»، جابرييل دبنديتي، استعرض فيه بعض ما ورد في كتاب «دونالد ترامب ضد الولايات المتحدة.. من داخل الصراع لإيقاف الرئيس» للمؤلف مايكل إس شميدت، والذي تناول المحاولات التي بذلها الديمقراطيون لعزل الرئيس دونالد ترامب من منصبه بتهمة الإخلال بواجبات وظيفته، وإعاقة سير العدالة في التحقيقات الخاصة بالتدخل الروسي في انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية 2016م.

استهل الكاتب مقاله قائلًا: عندما أصدرت لجنة مجلس الشيوخ التي يقودها الجمهوريون تقريرًا مؤلفًا من ألف صفحة تقريبًا في منتصف شهر أغسطس (آب) يشرح بالتفصيل النطاق الهائل للاتصالات التي جرت بين المسؤولين الروس وأعضاء فريق حملة دونالد ترامب الانتخابية عام 2016م، بدا هذا التقرير وكأنه قصة صحفية من واقع مألوف يحفل بالغموض؛ لعالم ما قبل الجائحة عندما كان بمقدورنا أن نتفق في الغالب على التركيز على التدخل الأجنبي في الديمقراطية الأمريكية، وعندما بدت رئاسة ترامب مثل ريشةٍ في مهب الريح أثناء انتظار القرار الذي سيصدره روبرت س. مولر الثالث، مستشار وزارة العدل الخاص ورئيس لجنة التحقيق في التدخل الروسي في انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية 2016م والمسائل ذات الصلة.

هذه هي الأجواء التي ألف فيها مايكل إس شميدت كتابه «دونالد ترامب ضد الولايات المتحدة»، وفيه يعيد المؤلف إحياء تلك الحقبة غير البعيدة من خلال تفكيك القصص المذهلة أحيانًا التي رواها شخصان في إدارة ترامب، كانا عنصرين محورين في القصص الاستقصائية التي هيمنت على سنوات ترامب الأولى، ويرجع الفضل في ذلك بقدر كبير إلى محاولاتهم لتقييده. ويلفت شميدت إلى أن كل هذه الموضوعات مألوفة للغاية، ويشير إلى أنها لا تحظى بالتقدير الكافي من حيث أهميتها في تشكيل رئاسة ترامب.

محاكمة ترامب أم كبح جماحه؟

يروي شميدت قصة جيمس كومي بحميمية زائدة، من انتخابات عام 2016م، إلى طرده عام 2017م من مكتب التحقيقات الفيدرالي، ويوثق الفترة غير المريحة بلا كلل في البيت الأبيض للمستشار العام السابق، دونالد ماكجان الثاني، الذي كان، كما يشير، «مسؤولًا عن أعظم إنجازات ترامب السياسية، ووجد نفسه متورطًا بصفته الشاهد الرئيسي ضد ترامب».

وكانت النتيجة صورة كاشفة للأحداث التي أدت إلى التحقيق مع ترامب بتهمة عرقلة سير العدالة، ومحاولاته المتكررة للسيطرة على وزارة العدل. ويرى الكاتب أن هذا الأمر لا يتعلق بالتواطؤ المزعوم مع موسكو؛ إذ أفاد شميدت بأن محققي مولر «لم يجروا فحصًا جادًّا لعلاقات ترامب الشخصية والتجارية مع روسيا»، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى تدخل نائب المدعي العام، رود روزنشتاين.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ويذكر الكاتب أن شميدت، مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» في واشنطن، والذي كان جزءًا من فريقين فازا بجوائز بوليتزر في عام 2018م، من بينهم فريق غطى فضائح ترامب المنبثقة عن علاقته بروسيا، يرسم صورةً لإدارةٍ يمتلك جميع مساعديها دائمًا خطاب استقالة جاهز لتقديمه ضمانة ضد رئيس غاضب، ومتعثر، ومنفصل عن الواقع المقبول بشكل عام. وهذا الكتاب يستفيد بوضوح من وصول المؤلف الاستثنائي إلى العديد من الشخصيات ذات الصلة، وأيضًا من ميل رعاياه إلى تسجيل وقائع الفترة التي يقضونها حول ترامب بالتفصيل.

يضيف الكاتب: في حين شهدت السنوات الأخيرة صدور العديد من الكتب ذات التأثير الكبير عن سلوك ترامب غير المتزن وما تحفل به إدارته من القيل والقال- يخطر على الذهن منها: كتاب بوب وودوارد «الخوف»، وكتاب فيليب روكر وكارول ليونيج «عبقرية مستقرة جدًّا»، وكتاب جوناثان كارل «الصف الأمامي في عرض ترامب» – أما كتاب «دونالد ترامب ضد الولايات المتحدة» فأُعِدَّ على نحو أوثق ليعرض الجهود الرامية إلى كبح جماح ترامب. وعلى هذا النحو، قد يكون من المستبعد أن يصبح الكتاب نقطة انطلاق لاستنتاجات عامة حول شخصية ترامب، لكنه يضيف الكثير لتوضيح الصورة العامة للتحقيقات التي أجراها مولر وحرب ترامب ضده.

سرد سينمائي

ويضيف الكاتب أن السرد في الكتاب سينمائي في بعض الأحيان. إذ يبدأ الأمر بمطاردة شميدت لماكجان خارج البوابات الأمامية للبيت الأبيض وحمله في النهاية على التنازل، قائلًا: «لقد دمرت مكتب الرئيس؛ لقد أصبت المكتب بالضرر». كان هذا اعترافًا كاشفًا على نحو مذهل من كبير محاميِّ البيت الأبيض ومهندس جهود ترامب الرامية لتعيين أكبر عدد ممكن من القضاة المحافظين. (يقول شميدت: «اعتقدت أنه ما يزال يتفهم خطورة ما فعله»).

كان ماكجان، المؤمن بشدة بالأفكار التحررية، غالبًا ما يجد نفسه في موقف عصيب مع الرئيس الخارج عن القانون الذي يلقبه بـ«كينج كونج»، وكان يصارع من خلال اتصالاته الواسعة غير العادية للغاية ضد فريق مولر. ومع ذلك، على الرغم من أنه أوشك على تقديم استقالته، ظل ماكجان عالقًا إلى جوار ترامب لفترة أطول بكثير مما يوحي به بؤسه الجليُّ ومحاولاته المتكررة في المواقف المبدئية، وذلك إلى حد كبير بسبب نجاح مشروعه القضائي. لكن حين منح ترامب عفوًا لامرأةٍ بناءً على طلب من كيم كارداشيان، علم ماكجان وقتها فقط أن عليه مغادرة البيت الأبيض حقًّا. فلم يعد بإمكانه الالتزام بتحمل أفعال ترامب المتراكمة.

عزل ترامب

وفي سجلات العلاقات غير المستدامة مع ترامب، يتطرق الكتاب إلى جيمس كومي، الذي يصف مرارًا وتكرارًا تعاملاته الأولى مع الرئيس، مثل العشاء على انفراد الذي طلب فيه ترامب ولاء كومي. ولكن في رواية شميدت الدقيقة، كانت العلاقة مؤلمة على وجه الخصوص بسبب وجود حالة من الانفصال الأساسي بين الرجلين.

كان كومي مهتمًّا دائمًا وبشدة بالحفاظ على المصداقية العامة له ولوكالته، خاصة بعد تدخلاته المثيرة للجدل في حملة عام 2016م بشأن رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهيلاري كلينتون. وبعد أن أقاله ترامب من منصبه، أرسل رسالة نصية إلى صديق قائلًا: «أنا مع زملائي (الزملاء السابقين). لقد انفصلوا وأنا أجلس معهم كأنني متيقظ، رغم أنني كنت أحاول معرفة كيف سأعود إلى المنزل. ربما أطلب مساعدة الآخرين في التنقل مجانًا». كان هذا مجرد مثال واحد على مدى الانفتاح الكبير الذي كان يتمتع به شميدت تجاه كومي وزوجته.

التدفق المستمر للحكايات المروعة

ويشير الكاتب إلى أن كتاب «دونالد ترامب ضد الولايات المتحدة» مليء بالتفاصيل الدقيقة التي تتعلق بمكائد ترامب، بدءًا من الوقت الذي كان فيه شميدت يرعى مصدرًا مهمًّا من المطار وإليه، وحتى علمه مباشرة بأن مسؤولًا في وزارة العدل يؤدي دورًا قذرًا ضد كومي في حفل سينكو دي مايو. ويذكر شميدت أنه في مرحلة ما حطم هاتفه المحمول ولم يصلحه لمدة أسبوع؛ بسبب كثرة الأخبار. وانتهى به الأمر مصابًا في يديه بسبب الزجاج المتناثر.

لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو التدفق المستمر للحكايات المروعة؛ إذ كتب شميدت أن ميتش ماكونيل نام أثناء تقديم إحاطة سرية بشأن روسيا، على سبيل المثال، ويوضح رد فعل مكتب التحقيقات الفيدرالي المخزي على أدلة حدوث قرصنة في عام 2016م، بما في ذلك خلاف لم يحسم حول كيفية التعامل مع المواد المقدمة.

وفي وصف زيارة ترامب غير المتوقعة التي جرت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019م إلى مركز والتر ريد الطبي العسكري الوطني، ذكر شميدت أن البيت الأبيض أراد من مايك بنس «الاستعداد لتولي سلطات الرئاسة مؤقتًا إذا اضطر ترامب إلى الخضوع لإجراء طبي كان سيتطلب تخديره».  (لكن لم يضطر نائب الرئيس إلى اتخاذ هذه الخطوة).

ويختم الكاتب قائلًا: على الرغم من كل ما كشف عنه، فهذه ليست نظرة من الداخل إلى تحقيق مولر نفسه، ذلك أن أكثر من نصف قصص شميدت وردت قبل تعيين مولر في منصبه. ومع ذلك، إذا كان الغضب حول التحقيقات في حملة ترامب الأخيرة، يبدو وكأنه أصبح جزءًا من الماضي؛ إذ تواجه الأمة الآن جائحة، ومُساءلة عن الحقوق المدنية، وانتخابات أخرى، فإن كتاب «دونالد ترامب ضد الولايات المتحدة» يقدم مع ذلك تشريحًا مذهلًا آخر لرئاسة ترامب. وفي نهاية المطاف، يعد هذا الكتاب الذي يدور عن «النضال من أجل إيقاف الرئيس»، من نواحٍ عديدة، رواية تحكي كيف نجا الرئيس (من المحاكمة).

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: ما يستطيع وما لا يستطيع ترامب أن يفعله في ملف العقوبات على إيران

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد