نشرت مجلة «بلومبيرج» الأسبوعية للأعمال مقالًا اقتصاديًا يتحدّث فيه بين هولاند، مُحرر ومراسل للمجلة، عن حال الاقتصادَين التركيّ والأرجنتينيّ، مُستعرضًا كيف كانت النتيجة واحدةً رغم اختلاف استراتيجية البلدين الاقتصادية، لا سياسيّ يُحب القروض مخفضة الفوائد مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولا بلد أسعار الفائدة فيه أعلى منها في الأرجنتين. هذه مجرّد البداية للتناقض بين بلدين في قلب عاصفة الأسواق الناشئة.

البيزو والليرة.. رفاقٌ في السقوط

يبدأ هولاند بالحديث عن واقع كِلا البلدين؛ حيث يعاني اقتصادهما من تضخّم كبير وسقوط في قيمة العملة، ويواجهان خطر الركود.

في الأرجنتين، قام ماوريسيو ماكري، الرئيس، بتلبية معظم ما يطلبه المُستثمرون في ظروف كالظروف الحاليّة. ومنذ يونيو (حزيران) رفعَ أسعار الفائدة إلى 60% واتجه لصندوق النقد الدولي طالبًا المساعدة وأعلن عن تقليص شامل لميزانية 2019، العام الذي سيسعى فيه لأن يُعاد انتخابه.

يبيّن هولاند الخطأ في أسلوب ماكري، إذ لا أحد من المستثمرين سيشارك في الانتخابات لسوء حظه، وربما ينتهي به الأمر مُعاقبًا على ما يراه السوق منفعة له.

وينقلُ هولاند عن ويليام جاكسون من «كابيتال إيكونوميكس»، شركة استشارات اقتصادية، يقول عن سياسات ماكري:«الطريقة التي يستجيبُ بها تنالُ استحسان السوق، لا النَاخبين».

الرئيس الأرجنتينيّ الحالي، ماوريسيو ماكري.

ثمّ ينتقل هولاند من الأرجنتين إلى تركيا، أردوغان يحملُ مُقاربةً مُعارضةً لمقاربة ماكري؛ ضاربًا بعرض الحائط ما يريده السوق، وحذَّر البنك المركزي -المُستقل اسميًا- من رفع أسعار الفائدة، بما في ذلك رفعة البنك المُفاجئة في 13 سبتمبر (أيلول)، وتابعَ بعدها أردوغان هجومه عليه. وبالإضافة لذلك، أكسب نفسه المزيد من السلطة في مساحة السياسات المالية، وفي حال لم تكن سلطته كافيةً فقد عيّن صهره وزيرًا للماليّة والخزنة. وفوقَ كلّ هذا، لا توجد كُلفٌ سياسية مُباشرة لجموح أردوغان، فقد أُعيد انتخابه لخمسة أعوام إضافية في يونيو (حزيران) قبلَ أسوأ هبوط لليرة التركيّة.

على الرغم من اختلاف المسارات التي سلكها رؤساؤها إلا أنّ عملة البلدين، الليرة والبيزو، تُعانيان نفسَ المصير، انخفاضٌ في القيمة بأكثر من 35%.

أردوغان وحيدًا في واشنطن

رايشل زييمبا، مُختصة في الأسواق الناشئة في مركز الأمن الأمريكي الجديد، قالت قبل الارتفاع الأخير لسعر الفائدة أن البنك المركزي التركي كانَ «مدفوعًا ليفعل أقل ما يمكن» للتعاطي مع الأزمة. وأنّ الحكومة لم تُقدّم تقليصًا «ذا معنى» للميزانية، مثيرة الشكوك بالتزامها تجاه إيقاف نزيف العملة.

لكن لدى أردوغان، كما يرى هولاند، «بُعبعًا» مناسبًا لإلقاء اللوم عليه. جاءت أكبر ضربة أصابت السوق التركيّ بعد غضب الرئيس الأمريكي ترامب لاعتقال قِسّ أمريكي فارضًا عقوبات على حليفه التركيّ في الناتو. تقول رايشل أنّ هذا يتسقُ مع «سردية أردوغان عَن جهات خارجية تزعزع تركيا».

Embed from Getty Images

الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في قمة حلف الناتو في بروكسل، بلجيكا.

دعم ترامب الزعيم الأرجنتيني، ماكري، عندما سعى لتغييرات عاجلة للحصول على قرض 50 مليار دولار (الأكبر على الإطلاق) من صندوق النقد الدوليّ، الذي قبل قبل ثلاثة أشهر فقط. يريد ماكري المزيد من المال ليوقف نزيف البيزو، وصندوق النقد أشارَ إلى أنّه سيحصل عليه.

إيان بريمر رئيس مجموعة أوراسيا يقولُ أن «لا أعداء للأرجنتين في واشنطن العاصمة» أما عن تركيا فـ«أردوغان لا يملك كثيرًا من الأصدقاء».

صندوق النقد.. شبحٌ من الماضي

يعودُ هولاند إلى الخلف نحو تاريخ صندوق النقد في البَلَدين. في الأرجنتين أموال صندوق النقد سامة. ففي 2001 خرجت البلاد عن برنامج للصندوق، فتعثّرت في سداد الديون وعانت ركودًا اقتصاديًا واضطرابًا اجتماعيًا مع ميل حادٍ لليسار السياسي. ولأكثر من عقد حكم البلاد شعبويّون فتحوا باب الإنفاق العام، حتّى فوز ماكري في الجولة الانتخابية الثانية عام 2015.

ومع تركيا يذكرُ هولاند حين عانت أسوأ أزماتها المالية تحت وصاية صندوق النقد عامَ 2001. الأحزاب القائمة أُخرجت من اللعبة وفُتح الطريق لأردوغان نحو السلطة، الذي أمسك بها حتى الآن. تمسك في أوّل أعوامه ببرنامج مُنقّح لصندوق النقد وتعلّم درسًا واحدًا حتى بعدَ دفعه للقرض؛ على غير ما مشى عليه سابقوه من ميزانيات سيئة في التسعينات، لم يُشغّل أردوغان الاقتصاد بأموال الحكومة، شغّله بأموال البنوك بدلًا من ذلك. مع تضاؤل العجز والدين العام، وانخفاض التضخّم، انتعش الائتمان الخاص. وبالكاد توقّف نمو القروض.

لماذا يكره أردوغان الفوائد المرتفعة؟ يُجيب هولاند بأن كرهه لها رُبِطَ بالتحريم الإسلامي للربا، أو أحيانًا بنظريات ماليّة غريبة يؤيدها أحيانًا. ولكن، الأمر في أنَّ الديون مخفّضة الفوائد كانت الوقود الذي شغّل تركيا في عهده. ولربما يتنصّل من قناعته عنها مع حماسة السعوديين للسيارات الكهربائيّة.

صورة رمزيّة لأزمة العملة التركية الأخيرة.

في النهاية، تركُ آلة الديون على طريقتها الحالية أصبح مُنهكًا ويتطلب ضغطًا سياسيًا مستمرًا على البنك المركزي ليُبقي كلفة الاقتراض مُنخفضة. تركَ هذا الضغط تركيا غارقةً في ديون سيصبح سدادها أصعب من قبل. هبوط الليرة سيسبّب مشكلة للعديد من الأعمال التي تقترض المال بالدولار أو اليورو، ورفعُ أسعار الفائدة –بهدف دعم العملة- سيضعُ الثقل على أكتاف مُقترضي الليرة.

ومرةً أخرى ينقلُ هولاند عن جاكسون من «كابيتال إيكونوميكس» احتمال احتياج السوق لنوع من عمليات الإنقاذ الحكوميّ إذا بدأت بعض الشركات بالانهيار. و«الميّزة الخاصة بتركيا أن الميزانية العامة للحكومة قوية جدًا».

وَرث ماكري، مثله مثل أردوغان قبل عقد من الزمان، وضعًا ماليًا ضعيفًا. لربما أمُلَ أن ينطلق الاقتصاد بالائتمان الخاص كما حصل لتركيا في منتصف العقد الأوّل من القرن الحالي. ولكن ذلك كان وقت ازدهار في كلّ مكان وتجمّع أثناءه المستثمرون في الأسواق الناشئة. أما اليوم فينسحبون منها. مع تضخّم الأرجنتين وتاريخها من الاضطراب لن تتدفق الائتمانات.

حتى إذا ساءت الأحوال ربما لن يكون الأرجنتينيون مستعدين للتخلّص من ماكري في العام المقبل، فذكريات سابقيه من الشعبويين ما زالت حيّة وكيف أسقطوا الاقتصاد بالأرض. تلاشى الشعبويون بعد خروجهم من السلطة وباتوا تحت النقد بسبب فضيحة فساد.

وحتّى مع ذلك، لا يملك ماكري الأدوات ليُهندس جوًا جاذبًا للناخبين قبل يوم الانتخاب في أكتوبر (تشرين الأول) العام المقبل. مع التزامه بالتقشّف لا مزيد من مال الحكومة لينفّذ برامج. ومع نسبة فائدة 60% لن يكون هنالك مالٌ من البنوك أيضًا. عليه أن يُشغّل الاقتصاد من أموال صندوق النقد. يرى هولاند أنّه في الأرجنتين، على خلاف باقي البلدان، فهذه استراتيجية مرتفعة المخاطر.

جاكسون من «كابيتال إيكونوميكس» استصعبَ رسم سيناريو تسيرُ فيه الأمور في مصلحة ماكري ومصلحة الأرجنتين، حيث يفوز الرئيس –بطريقة ما- بالانتخابات، يستمر برنامج صندوق النقد، يقلُّ العجز ويتراجع التضخم، وتصبح القروض أقلّ كلفة، والائتمانات المصرفية متوافرة لأصحاب العمال والبيوت ليُنشّطوا النمو.

وفي ختام تقرير هولاند يعترف جاكسون بأنَّ «هذه كثيرٌ من الافتراضات. من الصعب رؤية تحقّق هذا واحتماليّة انهيار كل ذلك عالية جدًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد