562

لم تكن قضية اللاجئين تحظى باهتمام كبير في الانتخابات الاتحادية السابقة التي أجرتها ألمانيا في عام 2013. اليوم، ومع فتح أبواب الاقتراع في الانتخابات الاتحادية التي تشهدها ألمانيا، أصبحت قضية اللاجئين سمة مميزة من سمات المجتمع الألماني.

تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية رصد أوضاع اللاجئين في مدينتين ألمانيتين بولاية ساكسونيا، إحداهما ترحب باللاجئين والأخرى تناهض سياسة الباب المفتوح التي تبنتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

في عام 2015، فتحت المستشارة الألمانية أبواب ألمانيا للاجئين. وسرعان ما سجلت إحدى الولايات الألمانية الشرقية عدم ارتياحها للنهج الجديد، واكتسبت سمعة بمقاومتها لسياسة الباب المفتوح.

شهدت ولاية ساكسونيا – مهد حركة «بيجيدا» المناهضة للمهاجرين ومعقل الحزب السياسي المناهض للمهاجرين «البديل من أجل ألمانيا» – المعدلات الأكبر لحوادث كراهية الأجانب على مستوى الأفراد بين الولايات الألمانية في عام 2016 تم حرق ملاجئ اللاجئين واستهداف الحافلات التي تحمل القادمين الجدد من اللاجئين السوريين.

ولكن داخل الولاية نفسها، يسود الانقسام. تعكس أكبر مدينتين في ساكسونيا – دريسدن ولايبزيغ – طرفي النقاش حول اللاجئين، الذي يتكشف على الصعيد الوطني. مدينة دريسدن، التي تشعر بالقلق من أن تحدي الاندماج هو كبير جدًا، وأنّ الهوية الألمانية الحقيقية في خطر، احتضنت حركة «بيجيدا»، وأصبح اسمها مرتبطًا بمسيرات الحركة الأسبوعية، التي تعقد بشكل دوري يوم الاثنين من كل أسبوع. وفي الوقت نفسه، أصبحت لايبزيغ موطنًا للأجنحة اليسارية المتطرفة، وشكلت مركزًا لدعم حركة الترحيب باللاجئين.

وقد دفعت معارضة النشطاء العنيفة بعض الأحيان لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني موقع «بريتبيرت نيوز» إلى وصم المدينة بكونها «مركزًا للإرهاب السياسي المتطرف». وفي بعض الأحيان، وُصفت لايبزيغ بأنها «برلين الجديدة» في مواقع السفر، على عكس دريسدن، التي تشترك في موقفها المحافظ مع المدن الصغيرة والقرى في ريف ساكسونيا.

اقرأ أيضًا: بالأرقام الدقيقة: حظوظ ميركل وشولتس في الفوز بانتخابات ألمانيا ومآلات فوزهما

دريسدن

ونقل التقرير عن مارك غارتنر، 27 عامًا، والذي يعمل في مجلس لاجئين ساكسونيا في دريسدن، قوله: «لدى دريسدن أشخاص يمينيين أكثر من لايبزيغ. في أوساط الطبقة الوسطى في دريسدن، فإن العنصرية هي أكثر قبولًا بكثير. أما في لايبزيغ، فإن الناس أكثر ليبرالية».

ويعتقد غارنتر الذي نشأ في إحدى قرى ولاية ساكسونيا، حيث تحظى الشبكات النازية الجديدة في بعض الأحيان بجذور عميقة، أن دريسدن تعاني من نقص الدعم للأشخاص الذين يحتضنون اللاجئين. وقال: «لا يتخذ الناس موقفًا ضد بيجيدا. قد تكون لديهم وجهات نظر سياسية، لكنهم ليسوا مسيسين».

بحسب التقرير، تواصل حركة «بيجيدا» عقد اجتماعاتها يوم الاثنين من كل أسبوع في مدينة دريسدن القديمة. في المقابل، يتم تنظيم احتجاجات مضادة، ولكنها لا تكفي للقضاء على مظاهرات «بيجيدا» الأسبوعية. عندما قررت «بيجيدا» وحزب «البديل من أجل ألمانيا» أن يظهرا في تجمع جنبًا إلى جنب مع بعضها البعض للمرة الأولى في مايو (أيار) الماضي، اختاروا دريسدن موقعًا لهم.

لايبزيغ

في لايبزيغ، لا يزال حزب «البديل من أجل ألمانيا» يعقد تجمعات انتخابية، ولا تزال حركة «ليجيدا» (فرع تابع لحركة «بيجيدا» في لايبزيغ) ينظم الاحتجاجات. لكن الأنشطة اليمينية تقابلها مظاهرات مضادة ساحقة، وتضاءل الدعم الواضح لليمين المتطرف.

ونقل التقرير عن جوليان ناجيل، وهو سياسي في الحزب اليساري الألماني المتطرف، الذي ولد ونشأ ويعمل حاليًا في لايبزيغ، نقل عنه قوله: «كانت الاحتجاجات المضادة دائمًا أكبر من ليغيدا. هذا هو المعتاد في لايبزيغ. يخرج الناس إلى الشارع عندما يتظاهر النازيون. الأجواء أفضل هنا مما هي عليه في مدن أخرى في ولاية ساكسونيا. المزيد من الناس منفتحين مع المهاجرين. في دريسدن، يحدث العكس».

على الإنترنت، تحظى صفحة «لا ليغيدا»، وهي صفحة مناهضة لحركة «بيجيدا» في لايزبيغ بإعجاب 30 ألف شخص، في حين أن القاعدة الجماهيرية لحركة «ليغيدا» لا تتخطى 2000 شخص.

ويعتقد ناجيل أن موقف المدينة القوي ضد التطرف اليميني يعكس السياسة المحلية. وأضاف: «إن مكتب العمدة غالبًا ما يكون جزءًا من الاحتجاج المضاد. من المهم أن ترسل السياسة الرسمية رسالة واضحة. عندما سارت ليغيدا في شوارع لايبزيغ في عام 2016، قاد الاحتجاجات المضادة عمدة المدينة، بوركهارد يونغ، محاطًا بلافتات كتب عليها «لا لبيجيدا».

التقرير أوضح أن نشطاء لايبزيغ اليساريين باتوا أهدافًا للهجمات. في يناير (كانون الثاني) 2016، قام أكثر من 200 متطرف من اليمين المتطرف بمهاجمة منطقة كونويتز، وهي منطقة ذات وجود قوي مناهض للفاشية في لايزبيغ. وفي هذا العام، تعرض مكتب ناجيل لإطلاق نار من قبل شخص مجهول، ولم يتم الإبلاغ عن أية إصابات.

وبينما لا يفصل بين دريسدن ولايزبيغ سوى قيادة تمتد لساعة واحدة بالسيارة، فإن لايبزيغ ودرسدن تؤثران في بعضها البعض. في لايبزيغ أيضًا، يتعرض اللاجئون للتمييز. ونقل التقرير عن مصباح محمدي، وهو لاجئ من إيران، قوله: «هناك الكثير من النازيين. يمكنك رؤيتهم في كل مكان. ذات مرة، كنت أستقل دراجتي، وإذ برجل نازي يرمي بدراجة أخرى في وجهي. كيف عرفت أنه كان نازيًا؟ لأنه بعد ذلك قام بتحية هتلر».

وفي حين لا تخلو لايزبيغ من التأثير اليميني، فإن دريسدن لا تخلو هي الأخرى من وجود اليسار.

نقل التقرير عن رجل أفغاني من كابول، عاصمة أفغانستان، قوله إنه سمع شائعات عن مسيرات «بيجيدا» في دريسدن، بينما كان لا يزال يعيش في مخيم للاجئين، قبل أن يتم تسكينه في أحد المنازل. وقال: «لم يكن خياري للذهاب إلى دريسدن. قبل وصولي سمعت عن مظاهرات يوم الاثنين من أفغاني آخر. وقال لي إن المدينة ضد اللاجئين وكنت أشعر قليلًا بالقلق».

اقرأ أيضًا: ما لا يُقال عادةً عن الوجه الآخر لـ«ألمانيا الرحيمة»

لماذا ظهرت بيجيدا؟

وكان ذلك قبل أن يكتشف Montagscafé، وهو اجتماع مفتوح للسكان المحليين واللاجئين الذي يقام يوم الاثنين. وقال: «إن هذه المنطقة هي مكان مفتوح حيث الجميع مرحب به، بمن فيهم أشخاص من دول مختلفة».

منذ الانتقال إلى دريسدن في فبراير (شباط) 2016، قال مدرس اللغة الإنجليزية السابق إنه تعرض لحادثين من حوادث كراهية الأجانب، ولاحظ أن الناس ينظرون إليه بشكل مختلف. وأضاف: «حتى في عام 2015، سمعت أن الأجواء كانت مختلفة جدًا. أعتقد أنها تغيرت إلى الأفضل».

يتفق مع هذا الرأي عالم الاجتماع ديتريش هيرمان. ونقل التقرير عن هيرمان قوله: «ثمة تفسير واحد لوجود حركة بيجيدا، وهو أنها ظهرت بسبب التغيير. تشعر الأقلية بأنهم يتخلفون عن الركب. يشعرون بأن دريسدن ليست هي دريسدن بعد الآن، لأن هناك الكثير من الأجانب والكثير من المسلمين. وبينما يمثلون أقلية فقط، فإن هذه الأقلية أصبحت أكثر عدوانية؛ لأنهم يدركون أنهم لا يستطيعون التغلب على هذا التغيير».

وفي حين تتنافس لايبزيغ ودريسدن لتحديد هوية شرق ألمانيا، فإن التوتر بين المدن يمثل أيضًا صراعًا وطنيًا. قد تشكل انتخابات الأحد نقطة تحول فى تلك المعركة. وتظهر استطلاعات الرأى أن ميركل ستفوز بفترة رابعة كمستشارة لألمانيا، لكن استطلاعات الرأي تشير أيضًا إلى أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد يستحوذ على 10% من الأصوات؛ مما يجعله أول حزب يميني متطرف يدخل البرلمان في فترة ما بعد الحرب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك