لسنوات، كانت هجمات الطائرات بدون طيار سمة رئيسية لإستراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية في اليمن. فقد قضت بها أمريكا على العديد من قادة تنظيم القاعدة الأكثر أهمية، ومع ذلك فقد ازداد نفوذ التنظيم بشكل كبير.

أحد التفسيرات لهذا التناقض الواضح هو أنه منذ بدأت هجمات الطائرات بدون طيار، أضحت الحكومة اليمنية أضعف؛ مما أتاح لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (AQAP) الاستفادة من المساحات غير خاضعة للحكم نسبيًّا كمنطلق لعملياته. الأمر الآخر هو أن هجمات الطائرات بدون طيار قتلت مدنيين؛ مما منح مصداقية لمزاعم التنظيم بأن اليمن يتعرض لهجوم من قبل قوة أجنبية وعزز من شعبيته.

ربما كان هناك شيء من الحقيقة في كلا الأمرين. ولكن المشكلة في جانب كبير منها أيضًا هي نتاج فشل الغرب في فهم الكيفية التي ينظر بها اليمنيون إلى التنظيم، وهو فشل سهل من تمدد التنظيم وقوض نفوذ القادرين على محاربته، وهم غالبية اليمنيين الذين يعتقدون أن الجماعة صنيعة النخبة اليمنية.

هناك نوعان من الأخطاء في أسلوب التفكير الغربي التقليدي حول تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. الأول هو الاعتقاد بأن الحكومة في صنعاء لديها دافع بالضرورة لمحاربة الجماعات التي تتحدى نفوذها بانتهاج العنف ويُعتقد أنها تفعل ذلك بالاستعانة بالشعب. والثاني هو أن القاعدة في جزيرة العرب يمثل شريحة من المجتمع اليمني، بما يمنح التنظيم أساسًا متينًا يعمل من خلاله على توسيع قاعدة دعمه.

على الرغم من ذلك، بالنسبة لليمنيين، فإن الخط الفاصل بين الدولة والقاعدة ليس دائمًا واضحًا، وحدوث خسارة للتنظيم لا يمثل بالضرورة انتصارًا للحكومة المركزية. ويعتقد كثيرون أن الفصائل المتنافسة في السياسة اليمنية تضخم من حجم تهديد القاعدة بغية تحقيق مكاسب سياسية. وفي المقابل، فإن المعركة ضد القاعدة في جزيرة العرب هي مجرد مرحلة في الصراع على السلطة المحلية. وعن طريق إظهار التنظيم على أنه مجرد منظمة إرهابية، وليس أيضًا جزءًا من المؤامرة التي حافظت على النزاع بين النخبة، فقد تُرك الغرب وهو يتحسس حوله في مواجهة داخلية لا يزال يسيء فهمها. ويتحمل النتائج المترتبة على هذا اليمنيون العاديون، الذين “علقوا بين قصف الطائرات بدون طيار من جهة، والقاعدة من جهة أخرى”، كما قال أحد رجال الدين لباحث من منظمة هيومن رايتس ووتش.

خذ على سبيل المثال، التفجير الانتحاري الذي أودى بحياة ما يقرب من 100 من أفراد قوات الأمن المركزي اليمني في صنعاء في مايو 2012. اعتبر الحادث على المستوى الدولي هجومًا لتنظيم القاعدة، وتبنت الجماعة الإرهابية بسرعة المسؤولية. ولكن وسائل الإعلام اليمنية عجت بنظريات بديلة. فأتباع علي محسن (القائد القوي الذي قاد سلسلة من الانشقاقات على مستوى عالٍ داخل النظام العام السابق) زعموا أن الموالين للرئيس السابق علي عبد الله صالح هم العقل المدبر للهجوم. بينما تمسك أتباع الرئيس السابق بأن محسن هو من جند الانتحاري في الواقع.

في كلتا الحالتين، كان ينظر إلى القاعدة في جزيرة العرب على أنها مجرد أداة في يد لاعبين أكثر قوة. في الواقع، إن الاعتقاد السائد في اليمن بأن التنظيم لديه القليل من الإرادة الحرة هو اعتقاد واسع الانتشار. تظهر صور المظاهرات التي أدت إلى استقالة صالح في عام 2011 المتظاهرين وهم يحملون لافتة كُتب عليها “إزالة النظام = إزالة تنظيم القاعدة”. وفي وقت سابق من هذا العام، كتبت توكل كرمان، وهي صحفية فازت في 2011 بجائزة نوبل للسلام لدورها في الانتفاضة اليمنية، على تويتر أن “تنظيم القاعدة في اليمن هو ميليشيا المخلوع علي صالح”.

في 10 أغسطس 2014، كتبت منى صفوان، صحفية أخرى معروفة، على حسابها على تويتر أن “تنظيم القاعدة والحوثيين هم مجرد دمى في أيدي اثنين من المتنافسين الرئيسيين في اليمن لأكثر من عشر سنوات، وهما علي عبد الله صالح وعلي محسن”.

كما تنقل وسائل الإعلام اليمنية أيضًا على نطاق واسع تغريدات “طامح”، وهو مصدر يعتقد أنه مطلع على، أو له نفوذ كبير داخل الأجهزة الأمنية اليمنية. يزعم طامح أن القائد الحالي للقاعدة في جزيرة العرب، قاسم الريمي، يتعاون مع صالح وعائلته. بل إنه يدعي حتى أن صالح دفع للريمي مبلغًا يقدر بـ70 مليون دولار للادعاء علنًا ​​بأن القاعدة في جزيرة العرب كانت مسؤولة عن الاعتداء الذي وقع في ديسمبر 2013 في مستشفى العرضي، الذي يقع في مجمع وزارة الدفاع في صنعاء. وقد أسفر الهجوم عن مقتل 56 مدنيًّا. ويشير طامح إلى أن صالح ومؤيديه قد شنوا الهجوم في محاولة لاغتيال خليفة صالح، عبده ربه منصور هادي. وبعد أن فشلت خطتهم، باتوا يحاولون التستر على جريمتهم.

إن فكرة أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لديه القليل من الإرادة الحرة لا تقف عند الصحفيين فقط. ففي الآونة الأخيرة، بثت قناة الجزيرة القطرية وثائقّيًا ادعى فيه هاني مجاهد، عضو في التنظيم، أنه كان يعمل وكيلاً للحكومة اليمنية.

زعم مجاهد أنه كان قد حذر ابن شقيق صالح عمار صالح (نائب رئيس مكتب الأمن القومي في اليمن القوي الذي تموله الولايات المتحدة) من هجوم وشيك للقاعدة على السفارة الأمريكية في صنعاء في عام 2008، ولكن دون جدوى. كان الهجوم قد أسفر عن مقتل ما لا يقل عن عشرة مدنيين وحراس. ويزعم مجاهد أيضًا أن عمار صالح قدم المتفجرات التي استخدمت في هجوم انتحاري على قافلة من السياح الإسبان في مأرب العام السابق له إلى الريمي. يصف مجاهد الريمي بأنه “صنيعة مكتب الأمن القومي في اليمن” ويدعي أن “العديد من قادة تنظيم القاعدة كانت تحت السيطرة الكاملة لعلي عبد الله صالح”.

في عام 2011، قال حمود الهتار، وزير سابق للشؤون الدينية قاد الحوار الذي ترعاه الحكومة مع تنظيم القاعدة، إن “صالح يستخدم القاعدة لابتزاز دول أجنبية حتى يمكنه الحصول على المزيد من الدعم المالي منها”. وبالمثل، روت مصادر عديدة على علاقة مع صالح، تباهيه بالسيطرة على القاعدة في جزيرة العرب وأن المجموعة بالتالي لم تشكل تهديدًا خطيرًا.

هذه الآراء، التي عُبر عنها بشكل روتيني وعلني، تكشف عن عدم الثقة العميقة في الروايات الرسمية حول القاعدة، وما الذي يمنع القضاء عليها. كما أنها تتحدى اعتقاد الغرب أن القاعدة في جزيرة العرب توفر متنفسًا لليمنيين الساخطين أو الفقراء، وأنها تستفيد من “القاعدة الطبيعية من الدعم الشعبي اليمني”.

إذا كانت وجهة النظر الغربية صحيحة، فإن الوسيلة الأمثل لمحاربة القاعدة قد تكون عبر تعزيز قدرة اليمن على تحسين حياة مواطنيها والقضاء على الشبكات الإرهابية. ومع ذلك، إذا كانت وجهة النظر اليمنية هي الصحيحة، فقد يؤدي تقديم المساعدة للدولة إلى تفاقم المشكلة عن طريق مكافأة النظام على خدعته. وقد يسبب تقديم المساعدات وتكثيف الهجمات على التنظيم أيضًا إلى تضخيم الأهمية المجتمعية للتنظيم، وتجاهل الدرجة التي يقاوم عندها اليمنيون العاديون الجماعة الإرهابية دون مساعدة خارجية.

وبطبيعة الحال، اختار الغرب هجمات الطائرات بدون طيار والتعاون مع الدولة اليمنية رغم الشكوك الخاصة حول دوافعها، التي نشأت في وقت مبكر من عام 2006، عندما تمكن 23 من أكثر الشخصيات البارزة في تنظيم القاعدة من الهروب من سجن حكومي دون عناء يذكر. حتى ذلك الحين، كان لا يزال ينظر إلى فكرة دعم النظام على أنها الخيار الوحيد القابل للتطبيق. وكما قال وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر في أبريل، “إنه من السهل دومًا مكافحة الإرهاب عندما تكون هناك حكومة مستقرة”.

وعلاوة على ذلك، اعتقد البعض في الغرب أنه بدون تدخل خارجي، قد يختار اليمنيون دعم القاعدة. ولتقديم دليل على ذلك، استشهدوا بحقائق تاريخية تعتبر ذات أهمية ضئيلة للوضع الراهن. “عاد كثير من المجاهدين إلى [اليمن] بعد الانسحاب السوفيتي من أفغانستان”، قال كارل ليفين، الذي كان السناتور الديمقراطي عن ولاية ميشيغان خلال عام 2009 في شهادته أمام الكونغرس، “وهو موطن أجداد أسامة بن لادن”.

ولكن في اليمن، ثمة القليل مما يوحي بأن القاعدة في جزيرة العرب لا تتمتع بشعبية. أظهر استطلاع للرأي شمل 1005 من اليمنيين في مارس 2011 أن 86 في المئة من المستطلعين ذكروا أن القاعدة في جزيرة العرب إما لا تحظى “أبدًا” بشعبية في منطقتهم المحلية أو “لها شعبية نوعًا ما”. وفي الوقت نفسه، قال 96 في المئة إنهم لا يوافقون على تعاون الحكومة اليمنية مع الولايات المتحدة. لذا وجود القاعدة أمر سيئ، ولكن السياسة الداخلية والدولية المحيطة بمكافحتها هي أسوأ في الواقع، ففي معظم الروايات، هي السبب الذي يحافظ على بقاء المجموعة. إن محاولات الغرب دعم حكومة مركزية لمكافحة الإرهاب، وميل تلك الحكومة للتلاعب بورقة الإرهاب، ربما يعطى القاعدة في جزيرة العرب قوة أكبر من أي وقت مضى أكثر من حصولها على الدعم الشعبي.

لا ينكر اليمنيون وجود القاعدة في جزيرة العرب، ولكن فهمهم للمجموعة يتضمن أسبابًا لانكماشها تختلف جوهريًّا عن تلك الأسباب الموجودة في معظم العقول الغربية. ربما تؤدي ضربات الطائرات بدون طيار إلى الحد من خطر القاعدة التي يراها الغرب، الكيان الإرهابي غير الحكومي الذي يتخذ من المناطق النائية في اليمن ملجأ، لكنها تساعد في نفس الوقت الكيان الأكثر وضوحًا لليمنيين، وهو القاعدة في جزيرة العرب الذي يدل وجودها على عدد وافر من المظالم المحلية، والتي كان الغرب طرفًا في كثير منها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد