نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا، شارك في إعداده ثلاثة من مراسليها، هم: ريك نواك وأرماند إمامدجومه وجو فوكس، حول العقوبات الجديدة التي فرضتها واشنطن على إيران، وكيف تؤثر هذه العقوبات في الاقتصاد الإيراني وتزيد من معاناة الإيرانيين.

ويشير التقرير في بدايته إلى أن: «إدارة ترامب أعلنت عن فرض المزيد من العقوبات على إيران يوم الجمعة، وهي أحدث خطوة في سلسلة عقوبات مالية أمريكية جعلت الاقتصاد الإيراني يترنح، ووضعت مواطني إيران تحت ضغط شديد. وتستهدف العقوبات الأمريكية الأخيرة صناعات المعادن في إيران (صناعات الحديد الخام والصلب والألومنيوم والنحاس)، بالإضافة إلى ثمانية من كبار المسؤولين العسكريين ومسؤولي الأمن القومي».

وتأتي العقوبات الجديدة في أعقاب مقتل القائد الإيراني البارز قاسم سليماني في بغداد الأسبوع الماضي بطائرة أمريكية بدون طيار، مما أدى إلى ضربات إيرانية انتقامية يوم الأربعاء على قواعد تضم أفرادًا عسكريين أمريكيين في العراق.

وتابع تقرير «واشنطن بوست» أنه في غضون ثلاث سنوات، تحوَّل الأمل الذي يشوبه الحذر في تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران إلى عداء ذي وتيرة متصاعدة.

ويقول المواطنون الإيرانيون العاديون إنهم سيعانون مرةً أخرى من وطأة ذلك. وكتب الموسيقي الإيراني مهدي رجابيان، البالغ من العمر 30 عامًا، وهو فنان معارض مستقل وناقد للنظام الإيراني، في رسالة نصية: «يواجه الناس مستقبلًا غامضًا وقاتمًا بمجرد أن يفتحوا أعينهم كل يوم».

وأشار التقرير إلى أنه بعد التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني في عام 2015، رحَّب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في ذلك الحين بالاتفاق وقال إنه «لا يعتمد على الثقة»، بل «على التحقق (من التزام إيران به)».

ودخل الاتفاق – أحد إنجازات أوباما في مجال السياسة الخارجية – حيز التنفيذ في أوائل عام 2016. وفجأة وبدون قيود غالبًا بسبب العقوبات الدولية، دخلت الشركات الأجنبية إلى البلاد أفواجًا. وبينما بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإيران 1.3% بالسالب في عام 2015، ارتفع بقوة حتى وصل إلى 13.4% بالموجب في عام 2016.

«نيويورك تايمز»: لماذا قد لا تنجح استراتيجية ترامب مع إيران؟

تأرجح الناتج المحلي الإجمالي لإيران

ويضيف التقرير: «لكن انتخاب دونالد ترامب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 وتوجيهات سياسته الجديدة قلبت ذلك رأسًا على عقب. وتراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإيران. وطوال حملته الانتخابية، ظل ترامب يقول إن على الولايات المتحدة أن تتراجع عن الاتفاقية مع إيران، واصفًا إياها بأنها «مروعة بالنسبة للولايات المتحدة والعالم. وأنها لم تحقق شيئًا سوى إثراء إيران وسيؤدي ذلك إلى كارثة»، حسبما غرَّد على موقع تويتر في عام 2015.

الناتج المحلي الإجمالي الإيراني، قبل وبعد العقوبات الأممية والأمريكية. المصدر: «واشنطن بوست»، نقلًا عن «إيكونوميست».

أردف المراسل أنه: «في 8 مايو (آيار) 2018، تابع ترامب ذلك، معلنًا أن الولايات المتحدة ستتراجع عن الصفقة. وقال إنها: «لم تحقق الهدوء، ولم تجلب السلام، ولن تفعل ذلك أبدًا».

وقال أنصار ترامب إن إيران خدعت المجتمع الدولي واستمرت بلا رادع في زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وذلك عبر وكلائها في اليمن، ولبنان، وسوريا، وأجزاء أخرى من المنطقة.

فيما قالت أطراف غربية أخرى مشاركة في الصفقة – ألمانيا وفرنسا وبريطانيا – إن وقف التدخل الإيراني الإقليمي لم يكن هدفًا من أهداف الاتفاقية، وأن استخباراتهم الخاصة تفيد بأن إيران تمتثل للاتفاقية. وتمسَّك جميع الموقِّعين على الاتفاقية بها، باستثناء الولايات المتحدة.

خسائر الريال الإيراني مقابل الدولار الأمريكي

من جانبها، أعلنت أوروبا أنها ستضع آلية لحماية الشركات الراغبة في مواصلة التجارة مع إيران من العقوبات الأمريكية التي أُعيد فرضها. ومع ذلك، وبمجرد إعادة فرض العقوبات الأمريكية الرئيسية بحلول نوفمبر 2018، لم يكن لإعلان الأوروبيين أي تأثير يذكر. واستمرت قيمة الريال الإيراني في الهبوط بسرعة مقابل الدولار الأمريكي.

قيمة الريال الإيراني في مقابل الدولار الأمريكي. المصدر: «واشنطن بوست» نقلًا عن Bonbast.com، عن وزارة الخزانة الأمريكية.

كما أثَّر تهديد إدارة ترامب بفرض عقوبات على الدول التي تشتري النفط الإيراني على إيران بشدة. وانخفضت صادرات النفط الإيرانية بعد أن دخلت تلك العقوبات حيز التنفيذ.

وتابع التقرير أن «الولايات المتحدة وافقت في البداية على منح بعض العملاء الإيرانيين (تركيا، والصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية) إعفاءً من قيود العقوبات المفروضة على إيران لمدة ستة أشهر، مما يعني أن بإمكانهم الاستمرار في استيراد النفط الإيراني بدون الوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية. وفي الأشهر التالية، بدأت صادرات النفط الإيراني في الزيادة نتيجةً لهذه الإعفاءات». لكن بمجرد انتهاء الإعفاءات في مايو 2019، انخفضت الصادرات الإيرانية إلى مستويات قياسية جديدة.

تضاؤل صادرات النفط الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية

صادرات النفط الإيراني، قبل العقوبات الأممية والأمريكية وبعدها. المصدر: «واشنطن بوست»، نقلًا عن وكالة أنباء «بلومبرج»، وزارة الخزانة الأمريكية.

وظهرت مؤخرًا أيضًا علامات على خيبة الأمل بين طهران والاتحاد الأوروبي. وألقى المسئولون الإيرانيون باللوم على نظرائهم الأوروبيين بسبب بطئهم المفرط في تنفيذ تدابير لحماية الشركات التي تتعامل مع إيران من العقوبات الأمريكية.

وردًّا على مقتل اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، على يد الولايات المتحدة، أعلنت طهران يوم الأحد الماضي تعليق التزاماتها بالاتفاق النووي. وفي هذه الأثناء، قاوم الاتحاد الأوروبي الضغوط من جانب الولايات المتحدة لإعلان انتهاء الصفقة النووية، قائلًا إنه «لن يدخر جهدًا» للاستمرار في الاتفاقية.

ولكن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هنا يتمثل في ما إذا كانت العقوبات الجديدة سيكون لها تأثير كبير في إيران. ويقول محللون إن العقوبات الأمريكية الحالية لم تدع مجالًا لإيران، التي شهدت ارتفاعًا بسرعة الصاروخ في أسعار السلع الأساسية خلال العام الماضي.

تكلفة السلع الأساسية في إيران منذ 2016

أسعار المنتجات الغذائية قبل العقوبات وبعدها

أسعار المواد الغذائية الأساسية في إيران، قبل العقوبات وبعدها. المصدر: مركز الإحصاء الإيراني – واشنطن بوست. (لحوم البقر، 1 كجم – الشاي، 500 جم – اللبن، 1 لتر – السكر، 1 كجم.)

وأشار المقال إلى أنه «في غضون عام واحد، ارتفعت أسعار لحوم البقر ولحوم العجول بنسبة 50%، وتضاعفت تكلفة الحليب تقريبًا.

وقالت شيفا كيشافارز، وهي محاسبة تبلغ من العمر 22 عامًا، لوكالة «أسوشيتيد برس» الصيف الماضي إن قادة الحكومة الإيرانية «يطلبون منا أن نكون أقوياء، وأن نتحمل الضغوط، لكننا نكاد نسمع بالفعل صوت عظامنا وهي تُطحَن».

واختتم المراسل مقاله مستشهدًا بكلام الفنان رجابيان: «منذ ذلك الحين، أصبحت الظروف المعيشية أكثر قسوة بالنسبة للعديد من الإيرانيين، الذين «يكافحون من أجل البقاء».

«الموت للكاذبين».. كيف حوَّل سقوط الطائرة الأوكرانية الوضع في إيران؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد