مولود مدي 41
مولود مدي 41

5,220

يقول الكاتب دينيس روس: «إن القيام بالشيء نفسه مرارًا وتكرارًا، وتوقّع نتيجة مختلفة، قد لا يستوفي التعريف التشخيصي للجنون، لكنه لا يزال معيارًا جيّدًا. وأضاف في مقاله المنشور في صحيفة «واشنطن بوست»، أنه يحدث أيضًا أنّ تنطبق هذه الظاهرة على مقاربات الرئيسين باراك أوباما، ودونالد ترامب، فيما يتعلق بالتعامل مع روسيا بشأن الحرب الأهلية في سوريا. فقد أصدرت كل من واشنطن وموسكو على نحو متكرّر بيانات مشتركة تحدّد مبادئ التصدي للصراع والتقليل من عواقبه الإنسانية المروّعة، لكن الروس تخاذلوا مرارًا وتكرارًا عن الوفاء بالتزاماتهم».

ويعود الكاتب بنا إلى السجل، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، توصل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى اتفاق حول مبادئ فيينا. ودعيا إلى وقف الأعمال العدائية، ورفع الحصار عن جميع المدن، وتوفير الغذاء والأدوية والمواد الإنسانية الأخرى دون عوائق، وصياغة دستور في غضون ستة أشهر، وعملية انتقال سياسي خلال 18 شهرًا. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2015، تمّ تكريس هذه المبادئ في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. لكن نظام الرئيس السوري بشّار الأسد انتهك بشكل صارخ جميع هذه الشروط. فلم يرفع أي حصار ولم يسمح بمرور الإغاثة الإنسانية دون عوائق.

كما أن الرّوس لم يفعلوا شيئًا في هذا الصدد – يستطرد الكاتب – وعلى الرغم من أن الأسد والروس قاموا أخيرًا بتنفيذ قرار وقف إطلاق النار بعد مرور شهرين، إلا أنه انهار بحلول أبريل (نيسان) 2016 مع استئناف نظام الأسد هجومه ضد الأهداف المدنية، وتشديده بشكل خاص على استهداف المستشفيات. وكما هو الحال في استخدامه للأسلحة الكيميائية، قام الأسد بضرب المستشفيات ليُظهِر أنّه لن يتقيّد بأيّ حدود. فلم يبقَ أمام كيري خيار آخر سوى إدانة هجمات الأسد وتوجيه نداء أليم إلى موسكو لكي تتصرّف وفقًا للمسؤولية المنصوص عليها في قرار ديسمبر 2015. وقال: «وقّعنا جميعًا على الاتفاق نفسه، ودعمنا جميعًا قرار مجلس الأمن نفسه رقم 2254 الذي يدعو إلى وقف الأعمال العدائية على صعيد الوطن»، مضيفًا أن القرار «يدعو إلى تقديم المساعدات الإنسانية بالكامل على صعيد الوطن وإيصالها إلى جميع أنحاء سوريا».

يشير الكاتب أنّها كلمات واضحة، ولكن دون عواقب. لذلك ليس من المستغرب أن تذهب دعوات كيري أدراج الرياح. وبحلول خريف عام 2016، حاول مرّةً أخرى التوصل إلى اتفاق حول مركز عمليات مشترك مع الروس على أمل الحد من العنف وجعل العملية السياسية ممكنة، لكن مساعيه أُحبطَت مرّةً أخرى بإعلانه أن لديه «شكوكًا عميقة حول ما إذا كان بإمكان روسيا ونظام الأسد الوفاء بالالتزامات التي وافقا عليها في جنيف أم أنهما لن يفيا بها». وجاء الرد الروسي من خلال شنّ هجوم على حلب وفقًا لسياسة الأرض المحروقة، الأمر الذي حوّل النصف الشرقي من المدينة إلى أنقاض – بعد أن كانت المدينة الأكبر في سوريا في ذلك الحين؛ مما أدى إلى إنهاء جهود كيري.

ثمّ قام ترامب بمحاولاته الخاصة لإحراز تقدم مع الروس. فعلى هامش قمّة «مجموعة العشرين» التي عُقِدَت في ألمانيا في يوليو (تموز) 2017 أبرم مع بوتين اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا. ثمّ اجتمع ترامب ثانية مع بوتين في «قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ» التي انعقدت في فيتنام في نوفمبر، وأصدرا بيانًا مشتركًا آخر بشأن سوريا. وشدّد ذلك البيان على «أهمية مناطق وقف التصعيد كخطوة مؤقتة للحد من العنف في سوريا، وفرض اتفاقيات وقف إطلاق النار، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتهيئة الظروف للحل السياسي النهائي للصراع» على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254.

فكيف تصَرّف الروس بعد ذلك؟ يتساءل الكاتب. من خلال تعاونهم مع نظام الأسد والإيرانيين، قاموا بشن حملات عسكرية أدت إلى تدمير ثلاث من مناطق وقف التصعيد الأربع وتهجير أهلها. أمّا المنطقة الرابعة التي كان قد اتفق عليها ترامب وبوتين في جنوب غرب سوريا، فظلّت هادئةً، الأمر الذي أدى إلى إطلاق العنان لنظام الأسد ومؤيديه الروس لشن هجوم على مناطق أخرى.

يضيف الكاتب أنه في الآونة الأخيرة، حوّل الأسد والروس انتباههم إلى جنوب غرب سوريا، وقاموا بقصف تلك المنطقة بلا هوادة. وفي 21 يونيو (حزيران)، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا صريحًا حذّرت فيه نظام الأسد والحكومة الروسية من «تداعيات خطيرة لهذه الانتهاكات». وقد كثف الرّوس قصفهم، مما أدى إلى تدفق جديد للاجئين مع فرار أكثر من 270 ألف شخص إلى الحدود الأردنية والإسرائيلية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل واجهت موسكو أي «تداعيات خطيرة؟» الجواب: كلا، فقط سعي الرئيس الأمريكي لعقد قمّة مع بوتين.

لم يكن كل من أوباما وترامب على استعداد لفرض أي عواقب على الروس. فقد أراد كلاهما الخروج من سوريا، وليس التورط فيها. وسمح كلاهما لبوتين بأن يصبح الحَكَم على الأحداث. فما الذي يجب أن يفعله ترامب إذًا عندما يجتمع ببوتين في هلسنكي في 16 يوليو؟ (لم تكن عقدت القمة بعد وقت كتابة هذا المقال).

في الواقع يتعيّن عليه تحويل الضرورة إلى منفعة، ونقل النقاط التالية: إنّ الولايات المتحدة ستحافظ على وجودها الصغير في سوريا إلى أن يختفي تنظيم «الدولة الإسلامية»، وأنّ ترسيخ إيران المستمرّ في سوريا سيؤدي إلى حرب أوسع نطاقًا بين إسرائيل والإيرانيين إذا لم يتمّ احتواؤه، وأن الولايات المتحدة ستدعم الإسرائيليين بشكل كامل؛ مما يجعل من مصلحة بوتين وقف توسّع الإيرانيين ووكلائهم في سوريا ومنع حصول تصعيد إقليمي كبير. وحتى بإمكان ترامب أن يقترح قيام الرّوس بالتوسّط في وضع مجموعة من الخطوط الحمراء بين الإسرائيليّين والإيرانيّين في سوريا.

وبالفعل قد يطلب الرئيس الأمريكي من بوتين أن يكون قناته إلى الإيرانيين. فإلى جانب الحد من احتمالات الحسابات الخاطئة مع طهران، فإن ذلك قد يمنح بوتين حصةً في التنسيق مع واشنطن بشأن إيران. فبعد أن سلّمت الولايات المتحدة سوريا بالفعل إلى روسيا، يؤكد لنا التاريخ أنه من غير المرجّح أن تحقّق واشنطن أكثر من ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك